ربطت دراسة حديثة بين التدخين لدى الأمهات، وتعرُّض الأطفال لتلوُّث الهواء، وخصائص البيئة الحضرية من جهة، وزيادة مخاطر السمنة التي تنتشر بمعدلات مقلقة لدى الأطفال عالميًّا من جهة أخرى. إذ يعتقد الباحثون أنه يمكن أن يكون للملوثات الكيميائية في دخان السجائر والهواء دورٌ في تغيير التمثيل الغذائي وتحفيز زيادة الوزن لدى الأطفال.

تحدد خصائص البيئة الحضرية -مثل الكثافة السكانية العالية- أنماط حياتنا وبعض السلوكيات المرتبطة أو المسببة للسمنة، مثل النشاط البدني والنوم، وفقًا لنتائج الدراسة التي نشرتها دورية "إنفيرونمنتال هيلث برسبيكتفز" (Environmental Health Perspectives) وأعدها فريق من الباحثين في جامعات ومراكز بحث أوروبية وأمريكية. 

تقول "مارتين فريجيد" -الأستاذة في معهد الصحة العالمية في برشلونة، بإسبانيا، والباحثة الأولى في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الجديد في هذه الدراسة هو أنها قيمت العديد من عوامل الخطر البيئية في أثناء فترتَي الحمل والطفولة بطريقة منهجية، بدلًا من الدراسات السابقة التي نظرت في كل تعرُّض لأحد المؤثرات البيئية بشكل منفصل. ما أتاح لنا إظهار جميع الارتباطات وحساب التعرُّضات المتعددة للمؤثرات البيئية المختلفة".

أُجريت الدراسة على مرحلتين: بدأت الأولى في عام 2004 فيما يُعرف بدراسة الأتراب أو "دراسة التعرُّض" للمؤثرات البيئية والملوثات؛ إذ قاس الباحثون التعرُّض للمؤثرات البيئية في أثناء الحمل وفي أثناء الطفولة، وربطوها بالسمنة التي جرى قياسها عند 1300 طفل عندما كانت أعمارهم تتراوح بين 6 أعوام و11 عامًا.

تضيف "فريجيد": جمع الباحثون بيانات نُشرت في 6 دراسات تعرضية في جميع أنحاء أوروبا، وبيانات جرى جمعها من خلال البروتوكولات المشتركة في 6 دول أوروبية، هي فرنسا، واليونان، وليتوانيا، والنرويج، وإسبانيا، والمملكة المتحدة، أما المرحلة الثانية التي قارن الباحثون خلالها بين جميع البيانات التي جمعوها فقد بدأت في عام 2013.

تُظهر نتائج الدراسة أن انخفاض مستوى الخدمات المتوافرة للأطفال الذين يعيشون في مناطق سكنية مكتظة، يرتبط بزيادة فرص حدوث السمنة من خلال تقليل فرص المشي والانخراط في أنشطة بدنية، وقد بلغت نسبة السمنة بين الأطفال المشاركين في الدراسة 29٪، وسجلت إسبانيا أعلى نسبة في السمنة 43٪، تلتها اليونان 37٪.

وتوضح الباحثة أن النتائج تُظهر الحاجة إلى توفير الحماية للأطفال من الملوثات والمؤثرات البيئية الضارة، في مرحلة مبكرة جدًّا من حياتهم، بل حتى وهم في أرحام أمهاتهم؛ إذ رصدت الدراسة 77 حالة تعرُّض للمؤثرات البيئية في فترة الحمل، و96 تعرُّضًا في فترة الطفولة.

شملت المؤثرات التي قيَّم على أساسها الفريق البحثي مدى تعرُّض الأطفال لمخاطر السمنة: ملوثات الهواء، والبيئة الحضرية، وتوافر المساحات الخضراء، والتدخين، والملوثات الكيميائية متضمنةً المبيدات الحشرية. ولتحديد تأثير هذه العوامل استخدم الباحثون بيانات مؤشر كتلة الجسم، ومحيط الخصر، وسُمك الجلد، وكتلة الدهون في الجسم، لتحديد الوزن الزائد وحالة السمنة، كما جرى تحليل عينات دم وبول من الأطفال وأمهاتهم في أثناء فترة الحمل.

لم تظهر نتائج التحاليل متطابقةً بالنسبة لجميع الملوثات، بحيث أظهرت بعض المواد الكيميائية المَقيسة في دم الأطفال مثل: النحاس والمعادن الثقيلة والسيزيوم، ارتفاعًا في مؤشر كتلة الجسم، في حين أظهرت الملوثات العضوية الثابتة مثل ثنائي الفينيل متعدد الكلور ومبيدات الآفات DDE، انخفاضًا في مؤشر كتلة الجسم. 

يفسر الباحثون هذا الاختلاف بأن المواد الكيميائية تم قياسها في وقت السمنة نفسه عند الأطفال وقد أثرت حالة السمنة على كيمياء الدم، لكن مزيدًا من الدراسة لهذه المؤثرات على أطفال في سن أكبر سيُسهم في حل هذه المسألة، وفق تعليق "فريجيد" لـ"للعلم".