يؤدي تقدم العمر إلى تغيرات في الجهاز التنفسي، مثل زيادة إفراز السوائل المخاطية وتراجع قدرة القنوات الهوائية على التخلص منها، ما ينتج عنه زيادة مخاطر التعرُّض للالتهابات والعدوى.

ووفق دراسة بريطانية حديثة، فإن تلوُّث الهواء من شأنه أن يزيد من حدة المخاطر السابقة، وتحذر الدراسة من أن "ملوثات الهواء قد تقلل كفاءة وظائف الرئتين وتزيد مخاطر الإصابة بمرض "الانسداد الرئوي المزمن".

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "يوروبيان ريسبيراتوري جورنال" (European Respiratory Journal)، اليوم "الإثنين"، 8 يوليو، أن مرض "الانسداد الرئوي المزمن" يتسبب في انسداد الشعب الهوائية بشكل مزمن، ويُلحق بوظائف الرئة قصورًا، ويؤدي إلى قلة تدفق الهواء إلى الرئتين.

و"الانسداد الرئوي المزمن" (COPD) هو التهاب مزمن يصيب الرئتين ويعوق تدفق الهواء منهما، ويؤدي إلى مشكلات في التنفس، والسعال، وتكوّن المخاط (البلغم) وإصدار صفير، ويكون المصابون به أكثر عرضةً للإصابة بأمراض القلب وسرطان الرئة.

فحص الباحثون البيانات الصحية لأكثر من 300 ألف مشترك في "البنك الحيوي في المملكة المتحدة"، الذي يهتم بتشخيص وعلاج مجموعة واسعة من الأمراض الخطيرة والمهددة للحياة، تتضمن السرطان وأمراض القلب والسكتة الدماغية والسكري والتهاب المفاصل وهشاشة العظام واضطرابات العين والاكتئاب والخرف)، ويتابع صحة أكثر من 500 ألف مشارك متطوع ورفاهيتهم، كما يوفر المعلومات الصحية الخاصة بهم (دون تحديد هويتهم) للباحثين المعتمدين في المملكة المتحدة وخارجها من الأوساط الأكاديمية.

تقول "آنا هانسيل" -أستاذ علم الأوبئة البيئية في مركز الصحة البيئية والاستدامة بجامعة "ليستر" بالمملكة المتحدة، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "تتراجع وظائف الرئة مع تقدم العمر، ووجدنا أن التعرُّض لتلوُّث الهواء الخارجي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتدني وظائف الرئة وزيادة انتشار مرض الانسداد الرئوي المزمن، وأن مَن يتعرضون لمستويات أعلى من الملوِّثات الموجودة في الهواء يعانون من تراجع وظائف الرئة وارتفاع عمر رئتهم عما ينبغي أن يكون عليه، ويزداد الأمر سوءًا بالنسبة للأسر الفقيرة؛ إذ وجدنا أن تلوث الهواء كانت له آثار أكبر بكثير على الأشخاص المنتمين إلى الأسر ذات الدخل المنخفض".

وتكتسب الدراسة أهمية كبيرة؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن مرض "الانسداد الرئوي المزمن" سيكون ثالث مسبِّبات الوفاة على مستوى العالم بحلول عام 2030، وأنه أدى إلى وفاة 3 ملايين شخص في عام 2004.

واستخدم الباحثون نموذجًا موثقًا علميًّا لتقدير مستويات التلوث التي تعرض لها المشاركون في الدراسة في منازلهم لدى تطوعهم ببياناتهم الصحية للبنك الحيوي البريطاني.

وشملت الملوثات جسيمات (PM10)، التي يبلغ قطرها 10 ميكرومترات (أو أقل)، ويمكنها النفاذ إلى الرئتين ودخول مجرى الدم، ولها القدرة على إحداث أمراض القلب وسرطان الرئة والربو وأنواع العدوى الحادة التي تصيب الجهاز التنفسي السفلي. والجسيمات الدقيقة (PM2.5) وثاني أكسيد النيتروجين (NO2)، والتي تنبعث عن طريق حرق الوقود الأحفوري من عوادم السيارات وغيرها من المركبات، ومحطات الطاقة والانبعاثات الصناعية.

وتم تحديد مستوى كفاءة وظائف الرئة باستخدام فحص قياس التنفس الذي أجراه المتخصصون الطبيون في مراكز التقييم التابعة للبنك الحيوي عند تسجيل بيانات المتطوعين بين عامي 2006 و2010، وهو فحص بسيط يُستخدم للمساعدة في تشخيص حالة الرئة ورصدها عن طريق قياس كمية الهواء التي يمكن استنشاقها في  نفَس واحد في أثناء عملية التنفس القسري.

وأكدت النتائج أن تعرُّض المشاركين لكميات متزايدة من جسيمات PM2.5 أدى إلى انخفاض وظيفة الرئة بصورة مشابهة لتأثيرات الشيخوخة بمعدل قد يصل إلى عامين، فضلًا عن ارتفاع معدلات انتشار مرض "الانسداد الرئوي المزمن" بين المشاركين الذين يعيشون في المناطق التي تحتوي على تركيزات PM2.5 أعلى من المعايير السنوية المسموح بها من قِبَل منظمة الصحة العالمية (أي عشرة ميكروجرامات لكل متر مكعب).

تقول "هانسيل": ارتفعت معدلات تراجُع وظائف الرئة بنحو الضِّعف بالنسبة للمشاركين من ذوي الدخل المنخفض، كما ارتفعت احتمالات إصابتهم بمرض الانسداد الرئوي المزمن بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بالمشاركين من ذوي الدخل المرتفع الذين تعرضوا للملوِّثات نفسها، ما يستوجب إجراء مزيد من الدراسات لبحث العلاقة بين البيئات الفقيرة وتزايُد المخاطر التي تؤدي إلى تدني كفاءة الجهاز التنفسي، لا سيما وأن سوء التغذية في الصغر والإقامة في المنازل التي تفتقر إلى المعايير الصحية قد يكون لها تداعياتها فيما بعد على وظائف الرئتين.