يعيش «أحمد سلام» في قرية الحمراويين بمنطقة القصير منذ أن وعت عيناه الدنيا. وُلد في تلك المدينة ذات الطبيعة الخلابة والجو النقي والهواء الصافي، والتي تتبع إداريًّا محافظة البحر الأحمر المصرية.

حصل الشاب على قسط وافر من التعليم، وتخرَّج في كلية العلوم، ثم عاد إلى قريته ليعمل مع والده في عمله الخاص. لطالما كان الشاب راضيًا بالاستغناء عن صخب المدينة وفرصها مُقابل العيش في بيئة هادئة وصحية، غير أن أمرًا حدث في الأيام الماضية على وشك أن يقلب حياته رأسًا على عقب.

فقد أعلنت الحكومة المصرية مطلع يونيه الماضي عن فوز تحالف صيني بإنشاء أكبر محطة كهرباء في الشرق الأوسط تعمل بالفحم تقع على مرمى البصر من منزل «أحمد سلام»، وهو الأمر الذي أثار انزعاجه،  وأقضَّ عليه مضجعه.

تقول الحكومة المصرية إن المحطة الجديدة ستستخدم تقنيات الفحم النظيف لتوليد الكهرباء، وسيستغرق إنشاؤها نحو 7 سنوات، على أن تبلغ قدرتها الإنتاجية 6 آلاف ميجاوات، بتكلفة إجمالية تزيد على 80 مليار جنيه مصري «نحو 4.5 مليارات دولار»، على أن تُستخدم ميناء المنطقة البحرية في تسلُّم شحنات الفحم التي سيجري استخدامها وحرقها لتوليد الطاقة الكهربائية.

وتقول التقارير الصحفية إن الحكومة بصدد توقيع عقد المحطة مع تحالف "شنغهاي إليكتريك-دونج فانج-حسن علام" فى الصين، وبحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي على هامش مشاركته قمة «الصين– أفريقيا» خلال سبتمبر الجاري.

الفحم وتغيُّر المناخ

يُعد الفحم أكبر مساهم في التغير المناخي؛ إذ إن حرقه مسؤول عن نحو 46% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في جميع أنحاء العالم، و72% من غازات الاحتباس الحراري الصادرة عن قطاع الكهرباء يُسببها حرق الفحم، ووفق الإحصائيات، سترتفع درجات الحرارة بمعدل درجتين مئويتين بحلول عام 2100، وهو الأمر الذي ستكون له آثار مدمرة على التنوع البيولوجي والحياة بشكل عام على سطح كوكبنا الأزرق.

أجرت دراسة علمية مجموعةً من القياسات لمحطات مختلفة تعمل بالنفط والفحم والغاز الطبيعي للتحقق من مستوى انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والرماد المتطاير والعناصر المشعة والهيدروكربونات العطرية، لتجد أن تلك المستويات ترتفع بشدة حال استخدام الفحم وقودًا؛ إذ وصلت نسبة الكبريت المحفوظة في رماد الفحم بعد حرقه إلى حوالي 15%، في حين وصلت انبعاثات أكاسيد الكربون إلى 300 مللي جرام لكل طن مُقارنة بـ100 مللي جرام في حالة الغاز الطبيعي، كما كانت انبعاثات المعادن الثقيلة والعناصر المشعة الطبيعية أكبر في حالة احتراق الفحم، باستثناء معدني الفاناديوم والنيكل؛ إذ كان انبعاثهما أكبر حال استخدام النفط وقودًا.

وخلال العقد الماضي، ورغم التحذيرات المتوالية من خطر الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، زاد الاستهلاك العالمي للفحم بنسبة 45%، ورغم أن مصر مسؤولة عن حوالي 0.6% من غازات الاحتباس الحراري، إلا أن تلك النسبة تُعَد كبيرة مُقارنة بعدد السكان ومستويات النمو، إذ تبلغ نحو 4 أطنان كربون لكل شخص مقارنة بـ1.7 طن كربون لكل فرد في الدول المماثلة مثل كينيا المسؤولة عن 0.13 من انبعاثات الكربون، وزامبيا المسؤولة عن أقل من 0.11% من انبعاثات الكربون. ومما لا شك فيه أن إنشاء محطة الحمراوين سيؤدي إلى ارتفاع تلك النسبة. فالدراسات العلمية تُشير إلى أن محطةً بتلك القدرة الكبيرة -والتي تبلغ 6000 ميجاوات- سينجم عنها انبعاثات سنوية تُقدر بنحو 23 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، و600 ألف طن من أكسيد الكبريت، و70 ألف طن من أكسيد النيتروجين، ونحو 300 طن من الجسيمات الدقيقة، و1100 طن من الزئبق، و1200 طن من الزرنيخ.. فكيف ستؤثر تلك الانبعاثات الإضافية على الصحة العامة؟

انبعاثات قاتلة

وفق دراسة أعدتها منظمة الصحة العالمية، تأتي مصر في المرتبة الثانية للبلاد التي تعاني من تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة، وتشير تقديرات المنظمة إلى أن حوالي 7 ملايين شخص حول العالم يموتون كل سنة من جَرَّاء التعرض للجسيمات الدقيقة في الهواء الملوث؛ إذ تخترق تلك الجسيمات الرئتين والقلب والأوعية الدموية، مما يسبب أمراضًا قاتلة مثل السكتة الدماغية وأمراض القلب وسرطان الرئة وأمراض الانسداد المزمن والتهابات الجهاز التنفسي مثل الالتهاب الرئوي.

وقد تَسبَّب تلوث الهواء في 4.2 ملايين حالة وفاة في العالم في عام 2016 وفق دراسة نشرتها أيضًا منظمة الصحة العالمية قبل شهور، في حين تسبب تلوث الهواء المنزلي بسبب أعمال الطهي باستخدام الوقود في وفاة ما يقدر بنحو 3.8 ملايين شخص في الفترة نفسها.

ووفق دراسة أعدها الدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة الأطباء، فإن للفحم مجموعة من التأثيرات السلبية على صحة الإنسان، من ضمنها «ضيق التنفس والتشوُّش الذهني والشلل الارتخائي»؛ إذ إن قدرة غاز أول أكسيد الكربون على الاتحاد بهيموجلوبين الدم أكثر بـ200 ضِعف من قدرة غاز الأكسجين.

تقنية "الفحم النظيف" حقيقة أم أكذوبة؟

في جميع أنحاء العالم، يخسر الفحم معركته، إلا أن وزارة الكهرباء التي ستشرف إشرافًا كاملًا على بناء محطة الحمراويين تقول إنها ستستخدم تقنية «الفحم النظيف» لتوليد الطاقة في تلك المحطة، فهل يُمكن استخدام الفحم بأمان لتوليد الطاقة الكهربائية مع الحفاظ على سعر منخفض لتوليد الطاقة مقارنة بسعر الطاقة المُنتجة من حرق الغاز الطبيعي على سبيل المثال؟ الإجابة يقدمها الدكتور «هاني النقراشي»، وهو خبير عالمي في مجال الطاقات، والذي يقول في تصريحات لـ«للعلم»: إن تعبير "الفحم النظيف" مُضلِّل للغاية؛ إذ إن المقصود منه هو عدم السماح لغاز ثاني أكسيد الكربون بالخروج كناتج للتفاعل، وإرساله إلى فجوات داخل الأرض لتخزينه لمدة 25 سنة.

ويقول الخبير العالمي إن تلك التكنولوجيا لا تُستعمل عمليًّا؛ لثبوت عدم استدامتها، فضلاً عن أنها تستهلك كميات أكبر من الفحم تتراوح بين 25% و40%، ما يجعلها غير ذات جدوى من الناحية الاقتصادية؛ إذ إن تكلفة الكهرباء المنتَجة في تلك الحالة سوف تزداد بمقدار 21% إلى 90%.

توفير الطاقة مقابل تلوث البيئة

"ستهب الرياح بما لا يشتهي منفذو المحطة"، وفق النقراشي، في إشارة إلى أن الرياح الشمالية الغربية التي تهب على موقع إنشاء المحطة "سترسل كل النفايات المنتجة من المحطة إلى المنتجعات السياحية في الجنوب، وهو الأمر الذي سيحطم آمال المنطقة في جذب السياح".

ويؤكد النقراشي أن غبار الفحم سيحول رمال الشواطئ البيضاء إلى اللون الرمادي المملوء بحبيبات الفحم والزرنيخ، مشيرًا إلى أن اختيار الموقع من أسوأ ما يمكن، خاصةً بسبب بُعده عن شبكة الكهرباء وعن أماكن الطلب وقربه من المنتجعات السياحية.

صباح مشالي، وكيل أول وزارة الكهرباء، ومسؤولة الاتصال السياسي، توضح في تصريحات خاصة لـ«للعلم» أن الوزارة ملتزمة بالأكواد والمعايير التي وضعتها المنظمات البيئية المصرية والدولية بخصوص الانبعاثات الغازية، "نحن ملتزمون تمامًا ولدينا موافقات من وزارة البيئة، وكمية الانبعاثات ستكون في الحدود المسموح بها".

وترى «مشالي» أن الهجوم على إنشاء محطة تعمل بالفحم غير مسوَّغ؛ فـ"أمريكا تعتمد على نحو 30% من قدرتها المُولدة بالفحم، والصين 57%، نحن نرغب في توليد قدرات لا تزيد عن 2%، فلماذا كل تلك الاعتراضات، ولن يشعر أحد بالانبعاثات".

ووفق وكيل أول وزارة الكهرباء، فإن المحطة خطوة في تحقيق تنوع ثري لمصادر الطاقة في مصر، "نعتمد على الغاز والمازوت، وحين تحدث أزمة فيهما تقل القدرات المولدة. خطتنا تعتمد على التنوع في مصادر الطاقة، من فحم وغاز ومازوت وطاقات متجددة وطاقة نووية".

وتشير صباح مشالي إلى أن اختيار الموقع جاء لأسباب محددة، منها وجود «رصيف بحري» بالقرب من المحطة، مشيرةً إلى أن الفحم المستخدم في المحطة لن يتم نقله على خطوط برية بل بحرية، وهو الأمر الذي سيمنع التلوث الناجم عن عملية النقل، وهو أحد أكثر المشكلات التى تواجه بناء محطات تعمل بالفحم، "زرت محطة تعمل بالفحم في الولايات المتحدة قبل 18 عامًا، كانوا يستخدمون قطارات البضائع لنقل الفحم، وهو ما يسبب تلوُّث الهواء بغبار الفحم. في محطة الحمراوين، لن ننقل الفحم عبر الطرق البرية؛ فالرصيف ملاصق تمامًا للمحطة، ولن يحدث تلوث بالغبار على الإطلاق».

لكن.. هل تُعد تكلفة إنتاج الكهرباء من الفحم ذات جدوى على المنحى الاقتصادي؟ تشير الدراسات العلمية إلى أن حساب التكاليف الفعلية لا يتوقف فقط عند ثمن توليد الطاقة من حرق الفحم، بل يتجاوز ذلك إلى حساب تكاليف الأضرار الصحية والمجتمعية، تشمل تلك الأضرار الإصابات والوفيات من جَرَّاء التلوث، والعجز الدائم من جَرَّاء استنشاق الهواء الملوث بالغبار، واستخدام الفلاتر، وعلاج المُخرجات الثانوية للمحطة.

السؤال هو: هل وضعت الدولة في حساباتها تكلفة علاج المواطنين من الأضرار الصحية التي ستسببها لهم تلك المحطة، أم أن صحة المواطنين لا تدخل في الحسابات الاقتصادية؟