قبل قرابة مليوني سنة، وفي منطقة "أولدافاي جورج" شمالي تنزانيا -شرق القارة الأفريقية- شحذ أحد أوائل البشر خياله ومهاراته الذهنية في ثنايا إحدى الصخور شديدة القِدَم، بهدف استخدامها كأداة لتقطيع اللحم، والوصول إلى نخاع عظم الفرائس من الثدييات، فبينما تتحلل الأجزاء الرخوة والبقايا العظمية مع مرور الزمن، تتمتع تلك الحجارة بقدرة أكبر على الحفظ.

وباكتشاف تلك البقايا الحجرية وتوثيقها في دراسة نُشرت في دورية "نيتشر" عام 1931، كان لعالِم الآثار الكيني "لويس ليكي"، شرف تسليط الضوء على قارة أفريقيا -شرق أفريقيا تحديدًا- وإثارة اهتمام العالم بها كموقع رئيسي لدراسة تاريخ تطور البشر.

 ففي وقت اعتقد فيه أغلب علماء الأحافير والأنثروبولوجي أن أصل البشر، وأولى الأدوات الحجرية قد بزغ تاريخهما في قارتي أوروبا أو آسيا، جاء اكتشاف تلك الأدوات الحجرية التى قُدِّر عمرها فيما بعد بقرابة 1.8 مليون سنة، في طبقات أقدم من تلك التي عُثر على مثيلاتها من قبل في كلتا القارتين.

صك "ليكي" مصطلح "ألدوان-Oldwan"، اشتقاقًا من منطقة "أولدفاي جورج"، للتعبير عن ذلك الشكل شديد القِدَم من التكنولوجيا (أدوات حجرية مُعَدَّة لتقطيع اللحم).

 وبعد سلسلة من الدراسات المتتالية في منطقة شرق أفريقيا، ربط العلماء انتشار تكنولوجيا "ألدوان" البدائية ببزوغ أشباه البشر من جنس هومو Homo، عندما اكتُشفت أقدم أدوات حجرية من هذا الطراز في منطقة "جونا" في شرق إثيوبيا عام 1997، والتي قُدِّر عمرها بقرابة 2.6 مليون سنة.

ويأتي الاكتشاف الأخير لأدوات حجرية من طراز "ألدوان" في منطقة "عين بوشريط" الواقعة بولاية "سطيف" شمالي شرق جمهورية الجزائر، ليعيد صياغة تاريخ التطور البشري مجددًا.

جاء الاكتشاف الجديد نتاج تعاون دولي من قِبَل فريق بحثي مشترك تحت قيادة "المركز الوطني لبحوث التطور البشري" بإسبانيا، و"معهد بحوث العصر الحجري" بالولايات المتحدة، و"المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وفي علم الإنسان والتاريخ" في الجزائر.

انتشار واسع

الأدوات الحجرية التي عُثر عليها مؤخرًا في منطقة عين بوشريط تسلط الضوءَ على أهمية منطقة شمال أفريقيا في دراسة المراحل الأولى لتطور البشر؛ إذ تثبت الأدلة المستخرجة من هناك، أن أوائل البشر استوطنوا شمال أفريقيا قبل ما كان يُعتقد سابقًا بقرابة نصف مليون سنة على الأقل.

وفي ذلك الإطار، يشدد "محمد سحنوني" -المؤلف الرئيس للدراسة- في حديثه لـ"للعلم" على قوله: "الأدوات الحجرية التي عثرنا عليها في منطقة عين بوشريط، والتي تعود إلى زمن مقارب جدًّا لأقدم الأدوات الحجرية الألدوانية المكتشَفة في شرق أفريقيا، تؤكد أن أوائل البشر انتشروا في مناطق مختلفة من القارة الأفريقية، وليس شرقها فحسب".

وكان الفريق البحثي قد وثق اكتشافه عبر فحص ودراسة قرابة 250 أداة حجرية مصنوعة من الحجر الجيري والصوان، وما يقارب 600 عظمة لثدييات كبيرة، في طبقتين مختلفتين يعود تاريخ أحدثها إلى قرابة 1.9 مليون سنة، في حين يصل عمر أقدمها إلى قرابة 2.4 مليون سنة ماضية، وفق ما أوضحت دراستهم المنشورة في دورية "ساينس-Science"، في نوفمبر الماضي.

تعود تلك العظام إلى ثدييات متنوعة من الفِيَلة وفرس النهر إلى البقريات، وتظهر على بعض العظام آثار قَطع وطَرق. والقَطع دليل على مهارة في فن الجزارة من سلخ اللحم وتقطيعه، بينما تظهر آثار الطرق في ثنايا العظام من جَرَّاء كسرها باستخدام الأدوات الحجرية، وهو ما فعله أوائل البشر، بهدف الوصول إلى نخاع العظم الغني بالمغذيات.

وفي حين تم العثور على آثار قَطْع وطَرْق على العظام في مناطق أخرى في القارة الأفريقية، تقول "إيزابيل كاثريس" -أستاذة التطور البشري في جامعة "روفيرا أي فرجيلي" الإسبانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في حديثها لـ"للعلم": "إن آثار القطع والطرق التي عثرنا عليها تتميز عن سواها بكونها أكثر عددًا، إذ توجد على قرابة 20 أحفورة من العظام، وهو ما يفوق عددها في أغلب المواقع الأخرى، بجانب كونها الأقدم في شمال أفريقيا".

 

أداة حجرية من طراز ألدوان، شحذت لفصل الرقائق الحادة، تم استخراجها من موقع "عين بوشريط"Credit: M. Sahnouni

يعلق "هشام سلام" -مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، غير مشارك بالدراسة- على نتائج الدراسة، في حديثه لـ"للعلم" بأنها:"خطوة جديدة في سبيل فهم موقع "شمال أفريقيا" من قصة التطور البشري".

ينوه "سلام" بأن البحث عن إجابة لسؤال "من أين جئنا؟" هو واجبٌ علينا جميعًا، إلا أن الثقافة العامة في الدول العربية، والتي لا زالت لا تتقبل نظرية التطور وأهميتها في فهم تاريخنا، تقف حاجزًا في طريق نمو أبحاث مشابهة في المنطقة.

ثقافة التطور

يتحرى العلماء من خلال دراسة الأدوات الحجرية القديمة، القدرات الذهنية وبعض الجوانب الاجتماعية والثقافية لدى البشر الأوائل، والتي قد تمثل أساس تفوُّقنا على سائر الحيوانات.

فبدءًا من اختيار المادة الخام المناسبة لصناعة تلك الأدوات، إلى المهارة في طَرْقها وشَحْذها بشكل مناسب، مرورًا بمهارات وقدرات التعاون والتواصل بين الأفراد، وانتهاءً باقتناص الوقت المناسب للاقتراب من جثث الفرائس وتقطيعها دون التعرُّض لخطر الموت من المفترِسات الجائعة، تظل جميعها نقاطًا مهمةً جدًّا جديرةً بالبحث.

فمن أجل صناعة أدوات حجرية من طراز ألدوان، كان على أوائل البشر اختيار حجر صلب يسهل حمله في راحة اليد، هو ما يُعرف بـ"الحجر المطرقة"، ومن ثَم استخدامه لطَرق حجر آخر من زاوية مناسبة، لإنتاج شرائح رفيعة ذات حواف حادة. تُستخدم تلك الشرائح في تقطيع اللحم، بينما يمكن استخدام الحجر المطرقة وأدوات أخرى لتكسير العظام، وتناوُل نخاع العظم المغذي.

طرقات متتالية على حجارة مكورة تتسع في راحة اليد، كانت بمنزلة الشرارة الأولى لانطلاق أقدم تكنولوجيا عرفها البشر. لكن لم يكن بُدٌّ من بيان أن مهارات أوائل البشر هؤلاء، تتخطى مهارات شمبانزي البونوبو التي تم تدريبها على صنع أدوات حجرية، وأنها تقل عن مهارة خبير من أبناء نوعنا.

ضمن كتاب "ألدوان: دراسات حالة في العصر الحجري الأقدم"، الذي نشره معهد بحوث العصر الحجري عام 2006، تشير دراسة مُنحت خلالها عينةٌ مدربةٌ من شمبانزي البونوبو قطعًا من حجارة بركانية مشابهة للتي صُنعت منها أقدم الأدوات الحجرية في منطقة "جونا" بأثيوبيا إلى أن  البونوبو تستطيع تعلُّم صناعة أدوات حجرية واستخدامها، إلا أنه بمقارنتها بأدوات حجرية نحتها خبراء متطوعون في الدراسة، وبالأدوات الحجرية المستخرَجة من موقع "جونا"، والتي يبلغ عمرها قرابة 2.6 مليون سنة، اتضح أن منتجات هؤلاء الصناع القدامى أكثرَ حِرَفيةً ودقةً من منتجات الشمبانزي، كما أن الاختبارات أكدت أن أوائل البشر، وفي ذاك الزمن القديم، امتازوا بعناية وانتقائية في اختيار المواد الخام لصناعة تلك الأدوات القديمة.
تطور الثقافة

بعد اكتشافه للأدوات الحجرية من موقع "أولدفاي جورج"، تمكَّن "ليكي" من اكتشاف حفرية لأحد أشباه البشر في الموقع ذاته منحها اسم "Zinjanthropus boisei" -أُعيدَ تعريفها فيما بعد إلى نوع بارانثروبوس بويزي Paranthropus boisei.

 سارع "ليكي" باعتبار بارانثروبوس بويزي صانع تلك الأدوات، إلا أن تلك الفرضية لم تلق قبولًا بين أغلب العلماء حينها، بسبب صغر حجم جمجمته وبدائية صفاته التشريحية، وهو ما يعكس ربط العلماء بين المهارات السلوكية كصناعة الأدوات وتطور الدماغ.

أثار ليكي الجدل مرة أخرى، بتوثيقه اكتشاف ما سُمِّي "الإنسان الماهر" Homo Habilis -أحد أقدم أنواع جنس هومو Homo- كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية نيتشر عام 1964. ويتمتع الإنسان الماهر أو هومو هابيليس بدماغ أكبر نسبيًّا من سابقيه، ولذا لاقى افتراضُ كونِه صانعَ أدوات ألدوان القبولَ بين المختصين.

ولكن على الجانب الآخر، تتحدى دراسة حديثة نُشرت في دورية "نيتشر" عام 2015، ارتباط أشباه البشر من جنس هومو بالتحديد بصناعة الأدوات. نجحت الدراسة في توثيق أدوات حجرية يقدر عمرها بقرابة 3.3 ملايين سنة من موقع "لومكي3 " Lomekwi 3 في كينيا، وتُعَد تلك الأدوات أقدم من كل حفريات جنس هومو المكتشَفة حتى الآن، كما أنها أقدم من أدوات ألدوان بقرابة 700 ألف سنة.

 ويعتقد مؤلفو الدراسة أن صانعيها قد ينتمون إلى جنس "أسترالوبيثِكُس-Australopithecus "، وهو جنس قديم من أشباه البشر استوطن مناطق مختلفة من القارة الأفريقية، إلا أن تلك الافتراضات ما زالت محل جدل.

على كلٍّ، وإن اختلف العلماء في زمن تطور ابتكار الأدوات وهوية صانعي أقدم الأدوات الحجرية، إلا أن العديد من الدراسات تدعم فكرة أن ابتكار الأدوات الحجرية واستخدامها، كان بمنزلة ثورة غيَّرت من مسار التطور البشري، يعكسها مدى اعتمادنا على التكنولوجيا في العصر الحالي.

ابتكار الأدوات واستخدامها يدفع نحو خلق مجتمع تزيد التفاعلات الاجتماعية بين أفراده، بينما يزيد فرص النجاة من خلال توفير فرص أكبر للغذاء والحماية من المفترسات، وفق ما انتهت اليه العديد من الدراسات.

 لقد نما حجم الدماغ البشري بشكل مُطَّرِد خلال المليوني سنة الأخيرة، ترافق مع ذلك تطور الأدوات الحجرية لصور أكثر إتقانًا، وتفيد دراسة حديثة نُشرت في دورية "ذا رويال سوسيتي -The Royal Society" شهر فبراير الماضي، أن ابتكار الأدوات الحجرية كان بمنزلة عامل رئيس في تطور اللغة، في حين تدعم دراسات سابقة أن المناطق المرتبطة باللغة في الدماغ تتداخل مع مناطق إتقان استخدام الأدوات، كما توضح دراسة أخرى نُشرت في دورية العلوم الأثرية- Journal of Archaeological Science" عام 2011، أن استخدام الأدوات الحجرية أسهم في تطوُّر شكل اليد البشرية.
وبالنسبة لصانع أدوات "عين بوشريط" يتوقع "سحنوني" أنه "إلى حدٍّ كبير ينتمي إلى جنس هومو Homo"، إلا أنه يصعب تحديد نوعه في الوقت الحالي؛ بسبب عدم اكتشاف أدلة من عظام بشرية متحجرة.

ويعتقد سحنوني أن أقدم الحفريات البشرية المكتشَفة في الجزائر حتى الآن تنتمي إلى إنسان هايدلبيرغينيسيس- Homo heidelbergensi،إلا أن عمرها يقدر بقرابة 700 ألف سنة، وهي حقبة زمنية بعيدة للغاية عن مكتشفات "بوشريط" الأخيرة، بينما تسبق مكتشفات بوشريط أقدم الحفريات البشرية التي عُثر عليها في اليابس الشمالي والشرقي لحوض المتوسط بقرابة مليون سنة.

وعليه يشير الباحثون إلى أن نتائج الدراسة ترجح انتقالًا سريعًا لتقنية صناعة الأدوات الحجرية من شرق أفريقيا إلى شمالها، أو تطور التقنية أو صانعيها في شمال أفريقيا بشكل مستقل، وهو ما ستؤكده الاكتشافات اللاحقة أو تنفيه.

مشروع عين حنيش

بهدف فهم تاريخ أقدم استيطان بشري لمنطقة شمال أفريقيا، يقود "سحنوني" فريقًا بحثيًّا متعدد التخصصات ضمن مشروع "عين حنيش"، الذي بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، ونجح خلال عقدين في اكتشاف ما كان يُعتقد أنه أقدم أثر بشري في شمال أفريقيا، يعود إلى قرابة 1.8 مليون سنة.

 بجانب ذلك نجح المشروع في الكشف عن الطبيعة البيئية ونمط التغذية لأشباه البشر في ذلك الوقت، وتوفيره فرصةً للباحثين الجزائرين في مجالي الآثار القديمة وعلوم الحفريات، لاكتساب المزيد من الخبرات.

يشير "سحنوني" إلى أن الباحثين الجزائرين في وقتنا الحالي، يتمتعون بالاحترافية الكافية لإجراء عمليات بحث وتنقيب دقيقة عن البقايا الأثرية والحفرية في المنطقة، إلا أن عدم توافر بنية تحتية من المختبرات المجهزة والمختصين لإجراء اختبارات ما بعد التنقيب -والتي تشمل تحديد العمر- لا تزال تشكل عائقًا في الوقت الحالي أمام العديد من الجهود البحثية، وعليه فإن "التعاون مع خبراء أجانب من تلك التخصصات" يساعد على تجاوز تلك الصعوبات، على حد تعبيره.

يقول "سحنوني" إن مشروع "عين حنيش" ارتكز منذ بدايته على خمسة أسئلة رئيسة: "متى استوطن أوائل البشر شمال أفريقيا؟ وما نوع البيئة التي عاشوا فيها؟ وما نوع التكنولوجيات التي استخدموها؟ وماذا كان طعامهم؟ و كيف بدوا جسديًّا؟"، باستثناء السؤال الأخير، تمكَّن "عين حنيش" من الإجابة عن كل الأسئلة السابقة، بينما تعتمد إجابة السؤال الأخير على اكتشاف عظام بشرية متحجرة، على حد تعبير سحنوني.

وعليه سيواصل الفريق البحثي استكشافه لتكوين عين حنيش في الفترة القادمة، وكما غيَّر اكتشاف أدوات حجرية في شرق أفريقيا، من كونها موقعًا مهمَلًا في دراسة تاريخ التطور البشري إلى أن تصبح "مهد البشرية"، يمكن لأبحاث مشابهة أن تعيد صياغة قصة التطور البشري، بحيث تحتل شمال أفريقيا موقعًا مركزيًّا فيها.