أعلنت منظمة الصحة العالمية اليوم "الأربعاء"، 22 مايو، خلو الجزائر من مرض الملاريا، لتصبح البلد التي كانت مسرحًا لاكتشاف المرض قبل 139 عامًا، ثاني دولة في "الإقليم الأفريقي لمنظمة الصحة العالمية" يتم الاعتراف رسميًّا بخلو أراضيها منه، وذلك بعد "موريشيوس" في عام 1973.

ففي عام 1880، اكتشف الطبيب الفرنسي "تشارلز لويس ألفونس لافيران" مرض الملاريا خلال عمله جراحًا لدى الجيش الفرنسي بالجزائر، ما قاده للحصول على جائزة "نوبل" للطب لعام 1907.

ومثَّل طفيل الملاريا تحديًا رئيسيًّا للمؤسسات الصحية الجزائرية، حتى إن عدد الحالات التي تم الإبلاغ عنها في ستينيات القرن الماضي قُدر بنحو 80 ألف حالة سنويًّا.

وجاء الاعتراف بخلو الجزائر، ومعها الأرجنتين، من هذا المرض على هامش الدورة الثانية والسبعين لجمعية الصحة العالمية، والتي تُعد أعلى جهاز لاتخاذ القرار في منظمة الصحة العالمية؛ إذ أبلغت الجزائر عن آخر حالات الإصابة بالملاريا في عام 2013، في حين أبلغت الأرجنتين عن آخر حالة للإصابة بالملاريا على أراضيها عام 2010.

ومنح "تيدروس أدهانوم جبريسيس" -المدير العام لمنظمة الصحة العالمية- ممثلي الجزائر والأرجنتين "إشهاد التخلص من الملاريا"، وهو عبارة عن إقرار رسمي من منظمة الصحة العالمية بخلو البلد من الملاريا. وتمنح المنظمة هذا الإشهاد عندما يبرهن أحد على انقطاع سلسلة سريان جميع طفيليات الملاريا البشرية على النطاق الوطني طوال السنوات الثلاث المتتالية الماضية على الأقل، وعلى وجود نظام للترصد والاستجابة يعمل بكامل طاقته للوقاية من عودة السريان المحلي للمرض.

وتنتقل الملاريا عن طريق أنثى بعوضة "الأنوفيلة"، وينجم داء الملاريا عن طفيل أحادي الخلية يُسمى "المتصورة"، إذ تلتقط أنثى بعوض الأنوفيلة الطفيل من الأشخاص المصابين بالعدوى لدى لدغهم للحصول على الدم اللازم لتغذية بيضها، وبعد ذلك يبدأ الطفيل بالتكاثر والنمو داخل البعوضة. وعندما تلدغ تلك البعوضة شخصًا آخر، تختلط الطفيليات بلعابها وتنتقل إلى دم الشخص الذي يتعرض لعملية اللدغ.

وتتكاثر طفيليات الملاريا بسرعة في الكبد وكريات الدم الحمراء. وتظهر أعراض الإصابة بالمرض بعد مضي فترة تتراوح بين أسبوع إلى أسبوعين من إصابة الشخص بالعدوى.

وتُعد الملاريا من أحد أكثر الطفيليات فتكًا في العالم، إذ أصابت 219 مليون شخص، وأدت إلى وفاة أكثر من 400 ألف شخص في عام 2017 (حوالي 60٪ من الوفيات من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات)، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

وتشمل أعراض الملاريا الإصابة بحمى وصداع وقيء. وإذا لم يتم علاجها بسرعة باستخدام أدوية ناجعة، فإنها تفتك بمن يُصاب بها، وذلك عن طريق إصابة كريات الدم الحمراء بالعدوى وإتلافها وسدّ الشعيرات التي تحمل الدم إلى الدماغ والأعضاء الحيوية الأخرى.

ويسبب الملاريا طفيل "المتصورة"، الذي تنقله أنثى "الأنوفيلة" التي تلدغ في الفترة ما بين الغروب وحتى الفجر. وهناك خمسة أنواع مختلفة من الطفيليات التي تصيب الإنسان، وهي "المتصورة المنجلية"، و"المتصورة النشيطة"، و"المتصورة البيضاوية"، و"متصورة الملاريا"، و"المتصورة النولسية".

ونقل البيان الصحفي، المُصاحب لإعلان خلو الجزائر من الملاريا، عن "جيبرييسوس" قوله: "إن الجزائر والأرجنتين قَضَتا على الملاريا بفضل الالتزام الثابت والمثابرة من جانب شعبي البلدين وقادتهما، ويقدم نجاحهما نموذجًا للدول الأخرى التي تعمل على إنهاء هذا المرض نهائيًّا".

ويرجع نجاح الجزائر في التخلص من "الملاريا" إلى قدرة مؤسساتها الحكومية على تقديم الرعاية الصحية الشاملة اللازمة لمكافحة المرض من خلال الاستجابة السريعة لـ"تفشِّي حالات الإصابة به"، و"سرعة تشخيصه" و"توفير العلاج المناسب"، وفق ما تقوله "ماتشيديسو مويتي"، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا.

تضيف "مويتي" أن "الجزائر هي البلد الذي اكتُشف فيه طفيلي الملاريا لأول مرة بين صفوف البشر منذ قرابة قرن ونصف القرن من الزمان، وكان ذلك بمنزلة مَعْلَم مهم في ميدان الاستجابة لهذا المرض. وقد أثبتت الجزائر الآن لبقية بلدان أفريقيا أن الملاريا مرض يمكن دحره بفضل قيادة البلد والإجراءات الجريئة والاستثمارات والعلوم السليمة، وبإمكان بقية بلدان القارة أن تستخلص العبرة  من هذه التجربة".

كما اهتمت الجزائر بتنفيذ الإستراتيجية التقنية العالمية بشأن الملاريا 2016-2030، التي وضعتها منظمة الصحة العالمية للحد من المعاناة الإنسانية الناجمة عن الملاريا، واتخاذ تدابير الوقاية واختبارات التشخيص والعلاج وترصُّد المرض والتوسُّع في الأبحاث المتعلقة به، وخصصت ميزانيةً كبيرة للقضاء على الملاريا.

تقول "فضيلة شيب" –المتحدثة الرسمية باسم منظمة الصحة العالمية فى جنيف- في تصريحات لـ"للعلم": "إنه يمكن بالمقام الأول ردّ نجاح الجزائر في دحر المرض لاحقًا إلى حصول القوى العاملة الصحية فيها على تدريب جيد، وتقديم خدمات تشخيص مرضى الملاريا وعلاجهم بفضل الرعاية الصحية الشاملة، وتوجيه الاستجابات السريعة لفاشيات المرض، وهي عوامل مكّنت البلد مجتمعةً من الوصول إلى حالات الملاريا والقضاء عليها، كما تتمتع الجزائر بنظام رعاية صحية ممتاز يمتد إلى المناطق النائية من البلاد. ويتم توفير جميع خدمات الرعاية الصحية بدايةً من وسائل الوقاية وانتهاءً بالتشخيص والعلاج مجانًا لأي شخص داخل حدودها، ويتضمن ذلك المهاجرين".

وتُعد الجزائر ثالث دولة عربية تنضم إلى قائمة الدول الخالية من الملاريا؛ إذ سبقتها الإمارات  في عام 2007، والمغرب (كدولة عربية تتبع المكتب الإقليمي لشرق المتوسط) في 2010.

وبدأت الجزائر رحلتها بالقضاء على الملاريا في المقاطعات الشمالية من البلاد في عام 1993، ثم حولت تركيزها جنوبًا، حيث شكلت الهجرة المتزايدة من البلدان المجاورة الموبوءة بالملاريا تحديًا رئيسيًّا لجهود القضاء عليها، إذ أسهَمَ تشييد الطريق السريع الذي يربط الجزائر بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في زيادة حركة سكان البلدان المجاورة الموبوءة بالملاريا إلى المقاطعات الجنوبية بالجزائر، ما أدى إلى تفشِّي الملاريا على الحدود المناطق بين عامي 1977 و2008، وارتفع العدد السنوي لحالات الملاريا في الجزائر من صفر إلى 250 في المتوسط.

وتشدد المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية على ضرورة توخِّي موظفي الرعاية الصحية في الجزائر اليقظة، بحيث يمكنهم تحديد حالات الملاريا المشتبَه فيها واختبارها وعلاجها بسرعة؛ لمنع عودة انتقال المرض إليها.

تقول "فضيلة": التحقُّق من حالات الإصابة بالملاريا على أيدي موظفين مدرَّبين، ومراقبة ناقلات الأمراض، والتعامل السريع مع ظهور أي حالة للإصابة بالمرض، واتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع إعادة انتقال العدوى سيساعد الجزائر على المضي قدمًا في مجال تنفيذ ومراقبة برنامج مكافحة الملاريا على الأراضي الجزائرية.