حذرت دراسة بريطانية من انتشار أنواع غريبة من نحل العسل بصورة كبيرة داخل محمية سانت كاترين بجنوب سيناء، ما يهدد أنواع النحل الأصلية الموجودة داخل المحمية، كما يهدد حياة النباتات التي تعتمد على التفاعل مع النحل الأصلي، الذي بات غيرَ قادر على منافسة النحل الغريب.

قام الباحثون بتحليل التفاعُلات بين النحل والنباتات الموجودة في المنطقة الجبلية التي تدعم العديد من الحدائق والنباتات البرية المستوطنة بالمحمية، والتي تمثل أساسًا للتنوُّع البيولوجي بالمنطقة، وتستقطب العديد من الطيور المهاجرة والنحل الأصلي.

كشفت الدراسة التي أجراها باحثون بجامعة "أنجليا روسكين" البريطانية ونشرتها دورية "دايفارسيتي آند ديستريبيوشنس"، إلى أن خلايا عسل النحل الغازي وصلت إلى سانت كاترين عن طريق البدو الذين رأوا فيها وسيلةً لمساعدتهم على زيادة الدخل.

وشددت على أن الفوائد الاقتصادية المرتبطة بإنتاج العسل، والتي جناها هؤلاء البدو، يجب أن تكون متوازنةً مع الآثار السلبية على الحياة البرية المحلية، مثل الانقراض المحتمَل لأنواع النباتات المستوطنة؛ إذ وصلت أنواع النحل الغريبة إلى 55% من أنواع النباتات المتاحة، كما تمكَّنت من الوصول إلى النباتات مقيدة النطاق (المحلية- محدودة الانتشار).

تقول "أوليفيا نورفولك" -الباحثة الرئيسية، والمتخصصة في علم الأحياء الحيوانية والبيئية بجامعة أنجليا روسكين- في تصريحات لـ"للعلم": "إن انتشار نحل العسل الدخيل يمثل خطورةً بالغة، سواء على النحل الأصلي (المقيم بالمنطقة) أو على النباتات المقيدة النطاق التي باتت مهدَّدةً بالانقراض".

وتضيف: "لا نستطيع في الوقت الحالي متابعة التطور الذي شهدته المحمية من جَرَّاء انتشار النحل الدخيل بها؛ لأن التمويل المخصص للبحث انتهى، وإن كان لديَّ أمل في توفير تمويل جديد لاستكمال العمل مستقبلًا".

وكانت الدراسة قد أُجريت في عام 2013، ولم تُنشر إلا نهاية يناير الماضي. تُرجع نورفولك سبب تَأخُّر النشر إلى أن الدراسة كانت جزءًا من أطروحتها لنيل الماجستير.

وتتابع: فالدراسة الأولى كما جاء في نسختها المنشورة جرى تمويلها من معهد وليفيرهولم ترست، وهي مؤسسة خيرية مسجلة بموجب القانون الإنجليزي، مقرها لندن، ومعنية بتقديم المنح الدراسية لأغراض البحث والتعليم.

زيارات ميدانية للجبال

اعتمدت الدراسة على طريقة تقدير التفاعلات بين النحل والنباتات في 42 قطعة أرض يزيد فيها نشاط النحل، وذلك في الفترة بين إبريل ويوليو من عام 2013.

أُجريت زيارات ميدانية للجبال، وامتد نطاق البحث إلى شبكة جبلية بلغت مسافتها 25 كيلومترًا، نصفها كان عبارةً عن 21 حقلًا موجودًا في الجبال المنخفضة التي يتراوح ارتفاعها بين 1300 و1550 مترًا فوق مستوى سطح البحر في مدينة سانت كاترين ووادي عتلة (12 حديقة، و9 موائل طبيعية)، والنصف الآخر ضم 21 حقلًا موجودًا في الجبال العالية التي يتراوح ارتفاعها بين 1800 و1850 مترًا فوق سطح البحر في وادي "جبيل" ووادي "طينية"، بمعدل (12 حديقة و9 موائل طبيعية).

أظهرت نتائج الدراسة أن نحل العسل برز كظاهرة فائقة التوطين داخل الشبكة الجبلية، التي شهدت 190 رابطًا (أي علاقة، سواء من خلال وقوف النحل على النبات أو نقل الملقِّحات إليه) بين 44 نوعًا من النحل (نحل عسل ومقيد وأنواع أخرى) و60 نوعًا من النباتات المنتشرة في الشبكة الجبلية، وكان العدد الأكبر من الروابط من نصيب الشبكة الجبلية المنخفضة، التي شهدت 140 ارتباطًا بين 84 نوعًا من النباتات والنحل، مقارنةً بـ78 رابطًا بين 63 نوعًا من النحل والنباتات".

وعلى الرغم من أن نحل العسل زار 33 نوعًا من النباتات المتاحة في الشبكة الجبلية المنخفضة، إلا أنه تفاعل بشكل حصري تقريبًا مع النباتات الإقليمية والواسعة الانتشار، ومع 7٪ فقط من النباتات مقيدة النطاق، كما غاب نحل العسل إلى حدٍّ كبير عن الشبكة الجبلية العالية (أقل من 5% من التفاعلات)، وفق الدراسة.

نحل بري

يقول "عبد الله ناجي" -مدرس علم البيئة المساعد بكلية علوم الأزهر، والذي كان يعمل بالمحمية وقت إجراء الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن خلايا نحل العسل بدأت تصعد للجبال العالية مثل منطقة الشيخ عواد ووادي الجبال، وذلك بعد أن كان وجود النحل قاصرًا على مدينة سانت كاترين فقط".

وترى نورفولك أن "نحل العسل لم يتجنس في المحمية، ويستطيع العيش فقط في الشتاء البارد إذا تمت تغذيته بالماء والسكر عن طريق مربي النحل، ويمكن عكس المخاطر التي يتعرض لها النحل الأصلي على الفور عند إزالة خلايا النحل الغازي من المنطقة (أو الاحتفاظ بأعداد منخفضة).

يتفق ناجي مع الطرح السابق، مشيرًا إلى أن "السكان المحليين (قبيلة الجبالية) على دراية بالموضوع ولديهم استعداد للتعاون، وسبق أن استخدموا الأحكام العرفية لمنع الرعي في منطقة انتشار نبات الحلف، الذي يُعَدُّ الغذاء الرئيسي لفراشة "سيناء الزرقاء الصغيرة"، (أصغر فراشة في العالم، وهي فراشة استوطنت محمية سانت كاترين)؛ إذ تعمل القوانين العرفية القبلية على حماية البيئة الطبيعية بالفطرة".

بدوره، يطالب "نصر منصور" -أحد البدو الذين وجهت لهم نورفولك الشكر لجهده الكبير في مساعدتها في أثناء الدراسة- الجهات المسؤولة بالتدخل لوضع حلول لأزمة النحل "الغازي" أو "الدخيل"، مضيفًا، في تصريحات لـ"للعلم": تلك الظاهرة تركت آثارًا سلبية على منتجاتنا الزراعية، ويظهر تأثيرها في الفاكهة بشكل كبير.

وأوضح أن النحل الغازي لا يضع الملقِّحات في الأزهار التي من المفترض أن يضعها فيها، ما يؤدي إلى ضعف الإنتاج، والأكثر خطورةً هو انطلاق بعض أعداد من نحل العسل إلى الجبال وتكاثُرها هناك، حتى أصبحت "نحلًا برِّيًّا"، وهو الأمر الذي يجب دراسته بشكل جيد، فقد نكتشف أن هناك أنواعًا جديدةً من النحل ظهرت في المحمية.

دراسة سابقة

تشير دراسة أجراها باحثون بجامعة قناة السويس المصرية في 2006، حول تأثير نحل العسل الغريب أو الدخيل على النحل الأصلي في سانت كاترين، إلى أنه في هذه البيئة القاحلة المحدودة الموارد، يمكن أن يحل نحل العسل الدخيل محل النحل الأصلي في الأزهار التي يتشاركان في الحصول على رحيقها، كما أن وجود مثل هذه الأعداد الكبيرة منه -فيما يمكن وصفه بـ"ظاهرة فائقة التوطين"- قد يشكل تهديدا تنافسيًّا للنحل الأصلي، ولا سيما في موسم الجفاف وبخاصة فترات الجفاف المطول، كما يمكن أن تعاني النباتات أيضًا نتيجةً لهذه المنافسة، مطالِبةً بـ"تقييم نوعية الموئل الذي يعيش فيه هذا النحل من قِبَل الخبراء قَبْل إدخال أي خلايا نحل أخرى إلى المنطقة، وتحديد عدد الخلايا التي ستنتج من جَرَّاء التكاثر، وذلك للحد من وقوع تأثيرات كبيرة بالمنطقة من جَرَّاء وجود خلايا النحل فيها".

السيناريو الأسوأ

تتفق نورفولك مع هذا الطرح، مضيفةً أنه "لا بد من وجود احتياطات فورية لمنع دخول خلايا النحل الغازية إلى المناطق الجبلية العالية النائية في سانت كاترين (مثل وادي جبيل ووادي طينية) التي تمثل حاليًّا ملجأً (مكانًا آمنًا) للنحل الأصلي والنباتات، خاصةً أن النباتات المقيدة النطاق سوف تعاني من نقص التلقيح بصورة تحدُّ من قدرتها على التكاثر".

أمَّا السيناريو الأسوأ، فيتمثل في انقراض النباتات المُتَوَطِّنة التي لا توجد في أي مكان آخر على كوكب الأرض، إذ من المرجح أن يكون لهذا النحل تأثيرات سلبية على جودة التلقيح وعوائد المحاصيل البستانية التي تُزرع في سانت كاترين، كما يؤثر سلبًا على تلقيح وغلة محاصيل مثل اللوز وغيره من محاصيل الفاكهة، وفق نورفولك.

يتفق "عبد البديع صالح عزت" -أستاذ الخضر في معهد بحوث البساتين بمركز البحوث الزراعية- مع هذا الرأي، موضحًا، في تصريحات لـ"للعلم"، أن "النحل ينتقل لمسافاتٍ بعيدةٍ عن طريق الطيران، وهو من أهم الملقِّحات الطبيعية لزيادة إنتاج البذور وتحسين جودة الثمار، وخاصةً في النباتات خليطة التلقيح، ووجود سلالة غير جيدة يمكن أن يهدد النحل كله، كما أن الخطر يزداد على منطقة فيها نباتات نادرة مثل محمية سانت كاترين، إذ يتم التلقيح بين الملكة والذكور بشكل طبيعي في الهواء الطلق بعيدًا عن تحكُّم البشر".