في الوقت الذي تنتهج فيه كثيرٌ من الدول في مختلِف أنحاء العالم برامجَ عمل تتوافق مع معايير دولية، اعتمدتها الأمم المتحدة، لبناء مستقبل أكثر استدامةً، أظهرت دراسة حديثة أن تلك المخططات قد تدفع باتجاه طموحات غير واقعية، أكثر مما يمكن إنجازه على أرض الواقع.

قام فريق من علماء الاستدامة بتطوير مجموعة من الأساليب المنهجية والشاملة لإجراء أول تقييم للتقدم الذي أحرزته الصين، نحو تحقيق الأهداف الـ17 للتنمية المستدامة، التي أقرتها الأمم المتحدة، ليس فقط على مستوى الدولة، بل أيضًا على المستوى الإقليمي، وليس في لحظة بعينها، بل مع مرور الوقت.

تُعرِّف الأمم المتحدة "أهداف التنمية المستدامة الـ17" بأنها "خطة لتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامةً للجميع. إذ تتصدى هذه الأهداف للتحديات العالمية التي نواجهها، متضمنةً التحديات المتعلقة بالفقر وعدم المساواة والمناخ وتدهور البيئة والازدهار والسلام والعدالة"، مضيفةً أنه "فضلًا عن ترابُط الأهداف، وللتأكد من ألا يتخلف أحدٌ عن الركب، فمن المهم تحقيق كل هدف من الأهداف بحلول عام 2030".

ووفق تقرير "تقييم التقدم نحو التنمية المستدامة عبر المكان والزمان"، المنشور في مجلة "نيتشر" (Nature) مع بداية الأسبوع الأول من يناير 2020، أظهر علماء من جامعة ولاية ميشيجان، ومن دولة الصين، أن جميع مخططات الاستدامة، مثل السياسة، هي في الأصل محلية النشأة.

يقول جيانجو "جاك" ليو -رئيس كرسي راشيل كارسون في الاستدامة بجامعة ولاية ميشيجان، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": بينما يمكن للدولة، على عمومها، أن تدَّعي أنها تمضي قدمًا نحو مستقبل مستدام، فإن المناطق الداخلية هي التي تعكس حجم المكاسب والخسائر خلال الصراع مع قضايا الفقر، وعدم المساواة، والمناخ، والتدهور البيئي، والازدهار، والسلام، والعدالة. لقد تعلمنا أن التقدم نحو الاستدامة يتميز بالديناميكية، وأنه في بعض الأحيان قد يكون تحقيق المكاسب في أحد المجالات المهمة على حساب مجال آخر، ومثل هذه المعادلات التي يصعب فهمها ربما تشكل عائقًا أمام التقدم.

يضيف "ليو": سواء كان الأمر يتعلق بحماية موارد طبيعية حيوية، أو إحداث تغيير اقتصادي إيجابي، أو الحد من عدم المساواة، فإن النتيجة لا تكون ثابتة، وينبغي علينا أن نُلقي نظرةً شموليةً بعناية، للتأكد من أن التقدم في أحد المجالات لن يقابله تراجُعٌ في مجالات أخرى.

أجرى الباحثون تقييمًا للتقدم المحرَز في الصين، عبر طرق يمكن تطبيقها في دول أخرى؛ إذ أظهر الحجم الهائل للصين والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الشاملة، على المستويين الوطني والمحلي، كيف يمكن أن يتغير معدل التقدم باتجاه الاستدامة؛ إذ سجلت الصين، خلال الفترة بين عامي 2000 و2015، تحسنًا ملحوظًا في مجمل أهداف التنمية المستدامة.

إلا أنه على مستوى المقاطعات، أظهر التقييم وجود تفاوُت بين المناطق المتقدمة والأخرى النامية؛ ففي شرق الصين، الذي يُعد موطنًا للازدهار الاقتصادي في الدولة، تم تسجيل درجة أعلى على مؤشر أهداف التنمية المستدامة، بعكس أكثر المناطق الريفية في الغرب، خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، أما في عام 2015، فقد حقق جنوب الصين درجةً أعلى على المؤشر، مقارنةً بالمناطق الصناعية وكثيفة الزراعة في الشمال.

وعما إذا كان يمكن قياس مؤشرات التقدم لجميع الأهداف الـ17 للتنمية المستدامة على المستوى المحلي، أجاب "ليو" بالإيجاب، بما في ذلك الهدف الـ13 الخاص بالعمل المناخي، والهدف الـ14 المتعلق بحماية الحياة في البحار والمحيطات، وأكد لـ"للعلم" أنه يجب قياس التقدم المُحرَز بشأنهما على المستوى المحلي، إلى جانب التقييمات العالمية.

وفيما يتعلق بإمكانية تطبيق طرق التقييم المستخدمة في نموذج الصين على دول أخرى، أجاب بقوله: "لقد قمنا بتطوير طرق تتناسب مع جميع الدول، وعلى كل المستويات، وفي هذه الدراسة، استخدمنا الصين كمثال لاستعراض الأساليب فقط، وفي واقع الأمر، فإننا بصدد تطبيق الأساليب نفسها لتقييم أهداف التنمية المستدامة على المستوى العالمي، وفي بعض الدول الأخرى".

ووفقًا للباحث شنشي شو، وهو أحد الحاصلين على درجة الدكتوراة حديثًا من مركز تكامل النظم والاستدامة التابع لجامعة ولاية ميشيغان، الذي قاد الدراسة، فإن الدول وضعت هدفًا عاجلًا نصب عينيها، يتمثل في تحقيق الاستدامة، حتى مع زيادة عدد السكان، وعدم انتظام النمو الاقتصادي، وتناقُص الموارد الطبيعية، مثل المياه والطاقة، وتدهوُر الأراضي، وتفاقُم التفاوت في متوسط الدخل، وعدم المساواة بين الجنسين.

وخلال مدة الدراسة بين عامي 2000 و2015، سجلت المقاطعات المتقدمة نتائج أعلى، وبالتالي أفضل، على مؤشر التنمية المستدامة، مقارنةً بالمقاطعات النامية، إلا أنه تبيَّن أن المؤشر كان يرتفع في المقاطعات النامية بوتيرة أسرع من المقاطعات المتقدمة.

وأوضح "شو" -وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة- أن "مناطق شرق الصين بدأت تتطور خلال فترة الإصلاح وسياسة الانفتاح في أواخر سبعينيات القرن الماضي، مما شجع على التنمية الاقتصادية بطول الساحل الشرقي، رافقها تحسُّن في الخدمات الاجتماعية".

وأضاف أنه "في عام 1999، بدأت الصين حركة تنمية المناطق الريفية في الغرب، التي كان يحاصرها التخلف، مما أدى إلى تحسُّن في قطاعي البنية التحتية والمحافظة على البيئة، وهو ما عزَّز مؤشرات التنمية المستدامة فيها، في الوقت الذي بدأت فيه المناطق الشرقية تخوض صراعًا مع تداعيات النمو الاقتصادي المتسارع، مثل التلوث وعدم المساواة.

وخلص الباحثون إلى أن الاستدامة -بشكل عام- يمكن أن تتقدم بفضل تطبيق سياسات أفضل فيما يتعلق بالتعليم والرعاية الصحية والمحافظة على النظم البيئية، وأشارت الدراسة إلى أنه في ظل ما يتم إحرازه من التقدم، من المهم مراجعة ما يجري بشكل دقيق، على المستويات الإقليمية، لمعرفة أين يمكن توجيه الموارد ولفت الانتباه.