هل يُظهر الأطفال شكلًا بدائيًّا من الإيثار تجاه الآخرين؟ وهل لهذه السمة جذور تتضح معالمها منذ الصغر؟ هذا ما حاولت الإجابة عنه دراسة أجراها فريق بحثي من معهد التعلُّم وعلوم المخ بجامعة واشنطن، ونشرتها مجلة "ساينتفك ريبورتس" (Scientific Reports).

توصلت نتائج الدراسة، التي أُجريت على حوالي 100 طفل يبلغ عمر الواحد منهم 19 شهرًا، إلى أن الإيثار يبدأ مبكرًا في مرحلة الطفولة المبكرة، وأن الأطفال قد يقدمون وجبة خفيفة لذيذة لشخص غريب يحتاج إليها بالرغم من أنهم جائعون، وأن التجارب الاجتماعية المبكرة يمكن أن تزود الأطفال بسمة الإيثار.

يقول أندرو ميلتزوف -أستاذ علم النفس، والمدير المساعد لمعهد التعلُّم وعلوم المخ، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": الإيثار والكرم تجاه الآخرين يساعد في بناء النسيج الأخلاقي للمجتمع. وتتجلى هذه السمات عند الأفراد البالغين بطرق مفيدة وداعمة تجاه الآخرين عبر المؤسسات الاجتماعية الرسمية المعنية بتقديم المساعدات للمحتاجين، واستهدفنا معرفة متى يبدأ نمو سمة الإيثار لدى البشر، وهي السمة التي تُعرف بأنها "مساعدة مكلفة"، تقتضي تقديم المساعدة للآخرين حتى لو على حساب الذات.

أخضع الباحثون للدراسة مجموعتين من الأطفال، إحداهما "ضابطة" والأخرى مجموعة اختبار. واختار الباحثون الفواكه المحببة لدى الأطفال مثل الموز والتوت والعنب، ومن خلال التفاعل المباشر، درس الباحثون ما إذا كان الطفل سيقدم طعامًا جذابًا بصورة عفوية إلى أشخاص غير مألوفين بالنسبة له دون تشجيع أو تعليم شفهي أو تعزيز.

في التجربة، قدم الباحثون للطفل (سواء في المجموعة الضابطة أو في مجموعة الاختبار) قطعة من الفاكهة، وفي المجموعة الضابطة، ألقى الباحثون بلطف قطعة الفاكهة على الأرض بحيث تكون في متناول الطفل. ولم يبذل الباحثون أي جهد لاسترداد الثمار. أما في مجموعة الاختبار، فتظاهر الباحثون بإسقاط الثمرة عن طريق الخطأ، متظاهرين بمحاولة الوصول إليها دون جدوى.

وقال الباحثون إن هذا الجهد للوصول إلى الثمرة -رغبة البالغين الواضحة في استعادة الغذاء- يبدو أنها تسببت في استجابة محفزة لدى الأطفال؛ إذ قام أكثر من نصف الأطفال في مجموعة الاختبار بالتقاط الفاكهة ثم تبرعوا بها للبالغين، مقارنةً بـ4% من الأطفال في المجموعة الضابطة.

أعاد الباحثون التجربة بعينة أخرى من الأطفال؛ إذ طلبوا من أولياء الأمور إحضار أطفالهم للتجربة قبل تناولهم وجبة خفيفة بحيث يكونون جائعين. ووجد الباحثون أن 37% من مجموعة الاختبار أعطت الفاكهة للباحثين، في حين لم يفعل ذلك أيٌّ من الأطفال في المجموعة الضابطة.

يقول "ميلتزوف": التعبير عن الإيثار عند الصغار أمرٌ يتسم بالمرونة، وسنعمل بعد ذلك على اكتشاف أدق لنوع التفاعلات العائلية والخبرات الاجتماعية التي تزيد من سمة الإيثار عند الأطفال، ونأمل أن يساعد ذلك أولياء الأمور على التمتع بمعلومات قد تمكنهم من تعزيز هذا البعد الأخلاقي في أثناء تنشئة أبنائهم، وكذلك تصميم أنظمة تعليمية وخدمات دعم اجتماعي أفضل؛ لمساعدة الآباء والأطفال على تزويد أطفالهم بسمة الإيثار.