منذ نشأتها المبكرة، اعتادت أمل قصري قراءة المقالات العلمية وترجمتها. كانت تلك الطفلة، المولودة في محافظة بني سويف، تحلم بأن تكون "عالِمة". وداخل مكتبات مدارس المراحل التعليمية الأساسية -التي تقول عنها إنها كانت مزودةً بكتبٍ علمية رفيعة المستوى- تفتح وعيها على ما تتمنى أن تكون في المستقبل.

وفي الثانوية العامة، حصلت على مجموع يؤهلها للالتحاق بكلية الهندسة، ولمدة عام كامل، درست "أمل" في كلية الهندسة الإلكترونية بمنوف، غير أنها قررت الرحيل عنها، لتتوجه إلى كلية العلوم ببني سويف، التي كانت وقتها تابعةً لجامعة القاهرة.

تقول "قصري": إن نظام التعليم في مصر لا يسمح للطلاب بمعرفة ما يُريدون دراسته. ولذلك، وحين تعرضت لدراسة مناهج عدة في كلية الهندسة، قررت أن تتبع شغفها وتتجه إلى دراسة الفيزياء في كلية العلوم.

تخرجت "قصري" في كلية العلوم بتقدير جيد جدًّا في عام 1993، ثم حصلت على منحة لدراسة فيزياء علوم المواد في المعهد الألماني الشهير "ماكس بلانك" بعدها، ولمدة 15 عامًا، تنقلت بين الولايات المتحدة الأمريكية والنمسا وبريطانيا وسنغافورة.

متحف التكنولوجيا في فيينا credit: Amal Kasry

حصلت "قصري" على درجة الدكتوراة في علوم المواد من معهد ماكس بلانك لأبحاث البوليمرات، وكان عملها الرئيسي في استخدام تقنيات التحليل الطيفي في مجال الاستشعار الحيوي، إذ قامت بتطوير مجموعة من أجهزة الاستشعار الحيوية ذات الحساسية العالية.

استقر المطاف بالعالِمة المصرية "أمل قصري" في الجامعة البريطانية، كمدير لمركز أبحاث علوم النانوتكنولوجي في الجامعة. وينصبُّ اهتمامها البحثي على عدة مجالات، أهمها ابتكار طًرق لاستخدام التكنولوجيا النانوية في ابتكار مجسات يُمكنها التعرُّف على الأمراض المختلفة داخل المنزل.

تنتشر أجهزة قياس سكري الدم الرقمية في كل العالم، تقول "قصري" في تصريحات لـ"للعلم". تلك الأجهزة عبارة عن مستشعرات تعمل على تحديد نسبة السكر في الدم، ترغب "قصري" في ابتكار أجهزة أخرى شبيهة لكنها "يُمكنها التعرُّف على أمراض القلب، والسرطان، وتلك الأمراض التي يصعب اكتشافها إلا في المراحل المتأخرة".

credit: Amal Kasry

لكن، هل ذلك النوع من الأجهزة يُمكن أن يحدث إنتاجه في مصر؟ ترى "قصري" أن لا شيء مستحيل، خاصةً في وجود فرق بحثية متعددة تعمل على ابتكار ذلك النوع من الأجهزة "بشكل فردي".

فـ"الفردية" هي التي تحكم عملية البحث العلمي في مصر، وفق ما تقول "قصري"، التي تؤكد -في تصريحها لـ"للعلم"- عدم وجود "مدارس علمية" في مصر، فـ"الجامعات غير مستقلة، ويتحكم بها المجلس الأعلى.. ويطبق على الجامعات القوانين ذاتها دون تمييز، وهو أمر قد يُعطل مسيرة البحث العلمي".

تُشير "قصري" أيضًا في تصريحاتها لـ"للعلم" إلى أن ابتكار المنتجات أمرٌ يتعلق بربط مُخرَجات البحث العلمي بالصناعة. وتؤكد أنها بالفعل تستطيع إنتاج مستشعرات، لكن "بتكلفة أكبر بكثير من المنتَج المصنَّع بالخارج".

ففي الصين، على سبيل المثال، توجد خطوط إنتاج ضخمة تُنتج آلاف المستشعرات بثمن بخس، "وهو أمر لا يُمكننا منافسته على الإطلاق في الوقت الحالي".

ففي الخارج، ووفق خبرات "قصري" الممتدة على مدار 15 عامًا، لكل جامعة "كيان خاص" له "طابع مميز"، وبالتالي "تختار الجامعات باحثيها على أساس الكفاءة، وعلى أساس تميُّزهم في الطابع العلمي المخصص للجامعة".

وعلى الرغم من اهتمام "قصري" بابتكار المستشعرات الخاصة بالتعرُّف على الأمراض، شهد عام 2019 نشر أبحاث أخرى في مجالات الطاقة الشمسية والجرافين. تقول "قصري" إن البحث الخاص بـ"الطاقة الشمسية" يتعلق بابتكار طريقة لقياس الكيفية التي يؤثر بها التراب على كفاءة الخلايا الشمسية.

في أقصى جنوب البلاد، تعتزم الحكومة المصرية افتتاح واحدة من كُبريات محطات الطاقة الشمسية في العالم، تقول "قصري" إن ذلك المكان يمتلئ بالغبار، الذي يُمكن أن يؤثر على الطاقة المستخرجة من الخلايا الشمسية، وبالتالي يُعد ذلك البحث مهمًّا لقياس مدى التأثر الحادث وانعكاسه على اقتصاديات المحطات الشمسية.

credit: Amal Kasry

تأمل "قصري" أن تستغل معرفتها العلمية في تحسين حياة البشر بشكل عام. كما تتمنى أن يشهد العام الحالي تقدمًا في مجال البحث العلمي. تقول "قصري" إن المشكلة في مصر "ليست تمويلية"؛ إذ إن الأموال اللازمة لإجراء البحوث العلمية والتجارب "متوافرة"، إلا أنها ترى أن الأزمة الحقيقية في "الروتين والبيروقراطية"، التي تجعل الحصول على التمويل اللازم للأبحاث -من الأموال المتوافرة بالفعل- أمرًا في غاية الصعوبة.

ترى "قصري" أن منظومة البحث العلمي المصري "على الطريق الصحيح"، إلا أنها تعود وتؤكد أن ذلك الطريق يمتلئ بـ"المنحنيات والتفرعات"، التي تجعل من الوصول إلى النجاح أمرًا مرهونًا بتغيير القوانين، وتصميم نظام للبحث العلمي، وانتظام التمويل.

أبرز انجازات العلماء المصريين في 2019