في 7 نوفمبر 2020، وقبل لحظات من إلقاء جو بايدن، الرئيس الأمريكي المنتخب ونائبته كامالا هاريس، خطابات النصر، ظهرت على الشاشات العملاقة التي تحيط بالمنصة التي يعتليها "بايدن" ونائبته عبارة "لقد اختار الناس العلم"، على الرغم من أن أكثر من 74 مليون أمريكي، أي قرابة نصف الناخبين الأمريكيين أدلوا بأصواتهم لصالح المرشح المنافس، الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وبالتالي فمن المفترض أن هؤلاء، وفق هذه العبارة، لم يختاروا العلم!

فهل كان العلم بالفعل مجالًا للاختيار على ورقة الاقتراع في الانتخابات الأمريكية الأخيرة؟ هذا ما تناقشه ورقة جديدة نُشرت في دورية "ساينس" العلمية.

قبل نحو أسبوعين من الانتخابات الرئاسية، رفض دونالد ترامب الاحتياطات لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد، كما هاجم أكبر خبراء الأمراض المعدية في البلاد، واصفًا تلك الاحتياطات بأنها "كارثة"؛ بحجة أن الناس سئموا من كل التركيز على جائحة، كانت قد أودت في ذلك الوقت بحياة أكثر من 219 ألف أمريكي، ووصل عدد الضحايا الآن إلى أكثر من 526 ألف شخص في أمريكا التي تحتل المرتبة الأولى في عدد الوفيات والإصابات- وما زال العد مستمرًّا .

ادعى "ترامب" أن الناخبين لا يريدون سماع المزيد من القادة العلميين في البلاد حول الوباء، وقال إن الناس سئموا سماع كلمات أنطوني فاوتشي "وكل هؤلاء البلهاء" -يقصد العلماء!

كانت تلك التصريحات كارثية، وفق أستاذة دراسات العلوم والتكنولوجيا في كلية هارفارد كينيدي، شيلا جاسانوف، المؤلفة المشاركة في تلك الدراسة، والتي تقول في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الإدارة الأمريكية السابقة "وضعت العلم في مهب الريح من جَرَّاء تفاعلها سياسيًّا بصورة كارثية مع أزمة كورنا المستجد".

تنقل تلك الورقة تأكيد علماء بارزين أن "العلم كان على ورقة الاقتراع"، كما تؤكد أيضًا أسفهم لأن "جزءًا كبيرًا من أمريكا لا يريد العلم"، ولكن قبل اليأس بسبب فقدان الثقة بالعلم، يجب أن نتأكد من أننا قلقون بشأن المشكلة الصحيحة، فهل كان "العلم" على ورقة الاقتراع؟ هل من المفيد تخيُّل المواطنين الأمريكيين منقسمين إلى معسكرات مؤيدة للعلم وأخرى مناهضة للعلم؟ هل التسمية المضادة للعلم تخدم أغراض الديمقراطية التداولية؟

الجواب عن هذه الأسئلة -وفق هذه الورقة البحثية- هو بوضوح: لا.

فعلى الرغم من شعارات حملة جو بايدن، لم يكن العلم على ورقة الاقتراع بالمعنى الحرفي للجملة.

فإذا كانت الانتخابات تتعارض مع أي جانب من جوانب العلم، فما يبدو أنه هجوم على العلم قد يكون ببساطة غرضًا من أغراض السياسة بوسائل أخرى.

وتقول الورقة: الأمريكيون منقسمون بالفعل، لكن الانقسام ليس بين أولئك الذين يسيرون من أجل العلم وأولئك الذين يسيرون ضد العلم، إنه بين المفاهيم المتنافسة حول كيفية الموازنة بين المسؤولية الجماعية والحرية الفردية، هذا الانقسام عميق لدرجة أنه، بالنسبة للبعض، يسوِّغ حتى العنف والتمرد.

الأمريكيون والقبول بالعلم

شهد الوباء الكثير من القلق بشأن عدم رغبة الأمريكيين في "قبول العلم" واتباع توجيهات الصحة العامة: ارتداء قناعٍ واقٍ، والانصياع لعمليات الإغلاق، وفقدان البعض وظائفه، ودراسة الأطفال من المنزل، والسماح بترك أحبائهم يموتون بمفردهم للتقليل من انتشار العدوى.

ولا ينبغي أن تكون معارضة بعض الأمريكيين مفاجأة؛ فقبول سياسات الصحة العامة، بغض النظر عن أهميتها، يعتمد على الثقة، ليس فقط بـ"الحقائق"، بل أيضًا بالمؤسسات التي تنتج الأدلة وتقيِّمها.

وتقول الورقة إن السياسات التي تهدف في المقام الأول إلى الحد من المخاطر الصحية ظلت موضع شك بالنسبة لأولئك الذين يرون أن الاحتياجات الحرجة الأخرى -كالاقتصاد- مهمَلة على نحوٍ غير مسوَّغ.

ترى الورقة أن رفض ارتداء الأقنعة الواقية من قِبل المواطن الأمريكي، وموقفه من تغير المناخ وغيرها من القضايا العلمية لم يكن بسبب رفض قبول الحقائق المعتمدة من قبل الخبراء، بل كان من جَرَّاء "عدم الرضا" عن الإجراءات والمقايضات التي يرى بعض المواطنين أنها "غير كافية" على الإطلاق؛ ففي أمريكا، غالبًا ما تكون الخلافات الواقعية في سياقات السياسة أقل ارتباطًا بمصداقية العلم من كونها في إطار التنافس الحزبي والسياسي.

تقول "جاسانوف" في تصريحاتها لـ"للعلم": إن السؤال هنا ليس إطلاقًا هل يثق المواطن الأمريكي بالعلم أم لا، لكن السؤال الأصح هو: هل يثق هذا المواطن بالسلطات التي تتحدث باسم العلم؟ وهل يتم تسويق الحقائق العلمية له بشكل يجعله يقبلها؟

من المغري التعامل مع مسائل الصحة والسلامة والسياسة البيئية كما لو كانت تدور في المقام الأول حول الحقائق؛ لأن هذا يحول الخلافات الاجتماعية المستعصية إلى أسئلة فنية تبدو محسومة؛ ففيروس كورونا المستجد "يقتل" و"يُصيب" و"ينتشر"، وله أضرار بالغة ووخيمة على الصحة، هذه حقائق يقرها الخبراء، لكن التحرك في اتجاه الإغلاق وإجبار الناس على ارتداء الكمامات والتعايش في عُزلة اجتماعية "أمرٌ آخر"، وفق "جاسونوف".

فعندما تكون القضية الرئيسية هي مَن يقرر تلك الإجراءات -العزلة والإغلاق على سبيل المثال- فإن التصرف كما لو كانت الخلافات تدور بشكل أساسي حول الأدلة هو "سياسة سيئة، وعلوم اجتماعية سيئة"، على حد تعبير الورقة.

فتلك أمور من شأنها أن تُحول الخبرة إلى موضوع عدم ثقة، يؤدي إلى تفاقم ميل الثقافة الأمريكية إلى إبعاد الناس عن النخبة المتصورة للعلم، مما يخلق أرضية خصبة للحقائق البديلة ونظريات المؤامرة التي تعيد صياغة المشكلات وتعيد تركيز اللوم على مشكلة أخرى غير الوباء ذاته.

في تلك الحالة، تحتل المشورة العلمية موقعًا غير مستقر على الحد الفاصل بين تأكيد الحقائق وصنع السياسة، ما يجعلها تواجه مشكلة هيكلية تتمثل في كونها ذات سلطة دون أن تصبح سلطوية، فالعلماء مسؤولون بشكل أساسي أمام أقرانهم، أما المسؤولون السياسيون فهم مسؤولون أمام الجمهور العام.

الحقوق والحريات مقابل الصحة العامة

لأكثر من قرن، اتفق الأمريكيون على أن الإجراءات التي تهدف إلى حماية الصحة العامة تنظم منح مسؤولي الصحة سلطات استثنائية لتقييد الحرية، ترتكز "سيادة الصحة العامة" على وجهة نظر تقول إن المواطنين كيانات بيولوجية يجب حمايتها أو السيطرة عليها لاحتواء العدوى.

لكن هذه القراءة تهمش حقيقة أن المواطنين هم أيضًا رعايا سياسيون لهم حقوق فردية، كما تُقلل من شأن التأثيرات على الحرية والخصوصية والتضامن ما لم يتم توفير الوسائل المؤسسية للسماح بأخذ تلك الاعتبارات في الحسبان.

إن تاريخ سياسة الصحة العامة مليء بالخلافات التي سعت فيها المجتمعات إلى إعادة التوازن بين حقوقها ومصالحها مقابل السلامة العامة.

فخلال وباء فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) على سبيل المثال، ناقشت الدول ما إذا كان ينبغي تجريم السلوك الجنسي الذي ينشر الفيروس، لقد تطلب الأمر مجتمعًا كبيرًا ومُنظمًا جيدًا للمثليين للدفاع عن الخصوصية الشخصية، وتعزيز قيمة التعبير الجنسي المفتوح، وتحدي التمييز تحت ستار حماية الصحة العامة، وفق الورقة.

يصبح تقييد الحرية باسم الصحة العامة أمرًا محفوفًا بالمخاطر بشكل خاص عندما تكون المعرفة العلمية غير مستقرة، وحين تكون هناك حاجة ماسة إلى استجابات سياسية.

هذا يعني أن ثمة العديد من التداخلات بين العلم والسياسة، تقول "جاسانوف": إن المشكلة الرئيسية هي "التفكير في أن العلم منفصل عن السياسة"، مشيرةً إلى وجوب تفاعل العلم مع السياسة عندما "يتم استخدامه لصنع السياسة"؛ ففي ذلك التوقيت لا يُمكن للعلم وحده تقرير "ما هو جيد للناس"؛ إذ يجب على الناس تقييم ذلك بأنفسهم، على أساس المدخلات التي تشمل العلم، ولكنها "لا تجعله اللاعب الوحيد في تلك المدخلات".

لكن حولنا العديد من المجموعات المناهضة للعلم، تقول "جاسانوف": إن تلك المجموعات غالبًا ما تتشكل "لتبدو وكأنها مناهضة للعلم؛ لأنها لا تريد التصرف بالطرق التي يوجب العلماء عليها التصرف بها"، إلا أنهم في الحقيقة يحتاجون إلى تفسيرات أفضل: لماذا يجب أن يتصرفوا بطرق معينة، "لا يكفي أن تأمر الناس فقط بأن يستمعوا إلى العلم، فبدلًا من ذلك يتعين على العلماء تحمُّل عناء شرح البدائل، والسماح للناس بمعرفة ما هو الأفضل للمجتمع".

إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يقف في طريق تحسين العلاقات بين العلم والمجتمع في أثناء حالة الطوارئ الصحية العامة؟ تقول الورقة إن الإجابة بالتأكيد ليست أن جزءًا كبيرًا من أمريكا ببساطة "لا يريد العلم"، هذا التشخيص يخطئ الهدف على نحوٍ خطير.

فعندما يحاول صانعو القرار ترسيخ السياسة القائمة على الحقائق العلمية بدلًا من مصداقية المؤسسات الأساسية التي تنتجها، فإن أي أخطاء فنية تجعل السياسات أكثر ضعفًا، والعثرات لا مفر منها عندما يتحرك العلم بسرعة.

يقول الباحث في مجال سياسات العلوم والتكنولوجيا الناشئة بجامعة كورنيل، ستيفن هيلجارتنر، وهو المؤلف الأول لتلك الورقة: إن الأمريكيين لا ينقسمون إلى معسكرين، أحدهما مؤيد للعلم والثاني معارض له، لكنهم يختلفون "حول السياسات والقيم".

ويشير "هيلجارتنر" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن استطلاعات الرأي تؤكد أن المواطنين الأمريكيين يعبرون عن ثقة كبيرة بالعلماء؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية "يتمتع العلم بسلطة كبيرة، ويثق المواطنون بالعلم أكثر من جميع المؤسسات الاجتماعية تقريبًا".

يقول الباحث في العلوم والتكنولوجيا وأخلاقيات علم الأحياء وعلاقتهم بالنظرية السياسية بجامعة كولومبيا، بنجامين هيبولت، وهو غير مشارك في كتابة تلك الورقة: إن معارضة ارتداء الأقنعة تبدو وكأنها "أمية علمية"، على الرغم من أن ذلك "أمرٌ لا علاقة له بالعلم، بل بالسياسات".

ويشير "هيبولت" -الذي يتفق مع نتائج تلك الورقة- إلى أن العلم "طرفٌ غير أساسي في تلك المعركة التي تدور رحاها بين السياسة والمجتمع"، إلا أنه -أي العلم- قادرٌ على ربء الصدع وتقليل الفجوة، "عبر جعل المواطنين أكثر إلمامًا بدوره وبطريقة عمله".

ففي تلك الأزمة "لا مفر من تداخل العلم مع السياسة"، وبالتالي "يجب أن تكون التفسيرات العلمية بمنأى عن صراع الأزمات السياسة التي تَسبَّب فيها الوباء"، وهذا يعني "ضرورة فصل الحقائق العلمية عن الصراعات بين الاتجاهات السياسية المختلفة"؛ فالعلم "يجب أن يبتعد عن الاستقطاب السياسي".

تقول "جاسانوف": إن الثقة تتزعزع عندما يبدو أن العلم يتصرف كما لو كان لديه دوافع ومصالح سياسية، وعندما يرتكب أخطاء كبيرة.

وتشير الباحثة إلى أن الطرق الرئيسية لاستعادة الثقة بالعلم تتمثل في التحلي بالشفافية بشأن نقاط الضعف في الأدلة، والتواضع بشأن ما لا يمكن التنبؤ به، والاعتراف بالأخطاء، والتأكد من السماح للقيم ووجهات النظر المتعددة بالتعبير عن نفسها، "هذا صحيح بشكل خاص عندما يكون العلم موضع شك كما كان خلال الأشهر الأولى للوباء"، لافتةً إلى أنه من الخطر أن يفقد الجمهور الثقة بالعلم؛ "ففي معظم مجالات الحياة الاجتماعية الحديثة لا يمكنك اتخاذ قرارات جيدة من دون مدخلات من العلم".