حذرت دراسة حديثة من أن الأحزاب السياسية الأمريكية باتت تتبنى خطابات ومواقف متطرفة؛ بحثًا عن كسب مزيد من أصوات الناخبين الأمريكيين، الذين يستعدون للتصويت في الانتخابات الرئاسية المُزمَع إجراؤها في الثالث من نوفمبر القادم، والتي يُعد الرئيس الأمريكي الجمهوري الحالي "دونالد ترامب" ومنافسه الديمقراطي "جو بايدن" أبرز المتنافسين للفوز بها.

وأشارت الدراسة، التي أعدها باحثون من جامعة "نورث وسترن" الأمريكية، إلى أن تبنِّي الأحزاب السياسية الأمريكية لخطابات متطرفة أثبت أنه إستراتيجية ناجحة على مر السنين، حتى لو بقيت مواقف الناخبين عند نقطة المنتصف.

وأوضح الباحثون أن "الناخبين لا يبحثون عن مرشح مثالي، بل يبحثون عن مرشح يكون مرضيًّا لهم أو يجدونه "جيدًا بما فيه الكفاية"، مشيرين إلى أنه "منذ ستينيات القرن الماضي، اتخذ الديمقراطيون والجمهوريون في الكونجرس الأمريكي مواقف أكثر استقطابًا، في حين ظلت المواقف السياسية العامة وسطيةً ومعتدلة، ما يؤكد أن اشتداد حدة الاستقطاب السياسي -وتزايُده- ليس خطأ الناخبين، بل خطأ الأحزاب السياسية ومرشحيها الذين يتخذونه وسيلةً لكسب الأصوات".

وتدفع ظاهرة الاستقطاب السياسي المرشحين إلى الانتقال من حيز التنافس، والتنوع، والتعدد الطبيعى فى الآراء، والتوجهات، والانتماءات، والانحيازات، إلى حيز الانقسام الحاد، والإقصاء المتبادل، ما يؤدي بالتالي إلى تراجُع عمليات المساومة والتوافق والحلول الوسط، وتعميق الانقسامات الفكرية، وتزايُد التماسك العضوي داخل كل فريق، بحيث يتوزع الولاء والانتماء وفق "الهوية الفكرية التي يتبناها كل فريق.

وفي المقابل، ذكرت الدراسة أن "الناس –كناخبين- ليسوا عقلانيين تمامًا فيما يخص تفضيلاتهم التصويتية، لكنهم ليسوا غير عقلانيين تمامًا أيضًا، لذا فهم يصوتون لمرشح جيد بما فيه الكفاية -أو ليس سيئًا للغاية- دون تمييز دقيق بين أولئك الذين يلبون الحد الأدنى لطلباتهم، وأن الناس لا يحاولون اتخاذ الخيار الأمثل في أثناء عملية التصويت، ولكن في ظل وجود حالة من عدم اليقين أو التضليل أو نقص المعلومات، يتجه الناخبون نحو التصويت للمرشح الذي يشعرون بأنه يرضيهم".

وأكد الباحثون أن "الحد من الاستقطاب السياسي، الذي يؤدي إلى تباعُد المواقف السياسية إلى الحدود التفكيرية القصوى- يتطلب أن تكون القوى السياسية المتنافسة أكثر تسامحًا مع التنوع داخل صفوفها".

نموذج رياضي

طور الباحثون نموذجًا رياضيًّا باستخدام المعادلات التفاضلية بالمواقف الأيديولوجية التي تتبناها الأحزاب السياسية للحصول على أكبر عدد من الأصوات.

وتتنافر نتائج الدراسة -والنموذج الذي يقدمه الباحثون- مع النموذج الذي طرحه الفيلسوف والاقتصادي الأمريكي أنتوني داونز في مؤلفه الصادر عام 1957 بعنوان "النظرية الاقتصادية للديمقراطية، يقوم نموذج "داونز" على فكرة "التصويت العقلاني"، التي تفترض أن "المرشحين والناخبين" يتصفون بالعقلانية، وأنهم يتخذون قرارات مستنيرة وعقلانية تمامًا.

ويتنبأ نموذج "داونز" بأن الأحزاب السياسية ستقترب بمرور الوقت من المركز، غيرَ أن تتبُّع سلوكيات الحياة السياسية الأمريكية كشف أن مواقف الأحزاب لم تقترب من نقطة المنتصف، وإنما اتجهت –على النقيض من ذلك- إلى الحدود التفكيرية القصوى.

يقول "أديلسون موتر"، أستاذ الفيزياء وعلم الفلك وعضو هيئة التدريس بمعهد نورث وسترن للأنظمة المعقدة، والمؤلف الأول في الدراسة: لدينا حزبٌ واحدٌ يحظى بدعم كبير من الأقليات والنساء، وحزب آخر يحظى بدعم كبير من الرجال البيض، لماذا لا يجذب الطرفان الجميع؟

يضيف "موتر" في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة أنه "يسود اعتقاد بأن الحصول على دعم مجموعة معينة يأتي على حساب المجموعة الأخرى. ويوضح النموذج الذي قمنا بتصميمه أن الاستقطاب المتزايد ليس خطأ الناخبين. إنها طريقة تعتمد عليها الأحزاب والمرشحون للحصول على الأصوات. وتُظهر هذه الدراسة أننا لسنا بحاجة إلى افتراض أن الناخبين لديهم أجندة خفية تقود الاستقطاب في الكونجرس. لا يوجد عقل مدبر وراء هذه السياسة. إنها ظاهرة ناشئة".

محاولات للتمييز

تتبَّع الباحثون بيانات تصويت الكونجرس الأمريكي على مدى 150 عامًا، ووجدوا أن الحزبين السياسيين الرئيسيين (الجمهوري والديمقراطي) صارا أكثر استقطابًا منذ الحرب العالمية الثانية، في حين تشير البيانات التاريخية إلى أن الناخب الأمريكي العادي ظل معتدلًا في القضايا والسياسات الرئيسية كما كان دائمًا.

وحذر الباحثون من أن العديد من العوامل الأخرى -المساهمات السياسية، والتلاعب في توزيع الدوائر الانتخابية، والانتخابات التمهيدية للأحزاب- تُسهم أيضًا في نتائج الانتخابات، التي يمكن للبحث المستقبلي دراستها.

يقول "دانيال أبرامز" -المؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": أصبح الحزبان السياسيان الرئيسيان أكثر استقطابًا منذ الحرب العالمية الثانية، وارتبط الاستقطاب بالتجانس الأيديولوجي داخل الدوائر الانتخابية للحزبين الرئيسيين، اللذَين يسعيان لتمييز أنفسهم من خلال الابتعاد عن دوائر الوسط، ويساعد النموذج الجديد في تفسير السبب؛ إذ يمكن تفسير تحركات الحزبين السياسيين إلى الدوائر المتطرفة على أنها محاولات من قِبَل الحزبين الديمقراطي والجمهوري لتقليل تداخل الدوائر الانتخابية وخلق إستراتيجية رابحة تساعدهم على كسب مزيد من أصوات الناخبين.

خطاب متطرف

يضيف "أبرامز": أردنا فهم السبب الذي دفع الأحزاب السياسية باتجاه الاستقطاب السياسي حتى مع بقاء عموم المواطنين عند مركز المنتصف، وطورنا نموذجًا رياضيًّا لفهم كيفية تصويت الناس وكيفية مناورة الأحزاب السياسية لكسب الأصوات.

ويتابع: يفترض هذا النموذج أن الناس "راضون" لأنهم ليس لديهم معلومات كاملة، لذا فهم يقبلون بالمرشح "الجيد بما فيه الكفاية" في أثناء عملية التصويت (أو قد يختارون عدم التصويت إذا لم يكن هناك مرشحٌ جيدٌ بما فيه الكفاية)، ويتنبأ النموذج بأن الأحزاب السياسية غالبًا ما تصبح أكثر استقطابًا عندما يكون لديها أعضاء متجانسون أيديولوجيًّا بشكل كبير، في حين تكون الأحزاب السياسية أقل استقطابًا عندما تكون أكثر تنوعًا من الناحية الأيديولوجية، ويقوم نموذجنا بعمل جيد في شرح البيانات من خلال دراسة سجلات التصويت في الكونجرس الأمريكي خلال القرن الماضي.

وردًّا على سؤال "للعلم" عما إذا كانت ظاهرة استخدام الخطاب المتطرف تنطبق فقط في الولايات المتحدة أم يمكننا رؤيتها في بلاد أخرى، يقول "أبرامز": تستند افتراضات النموذج الذي قمنا بتصميمه إلى النظام السياسي الأمريكي، الذي يقوم على فلسفة أن "الفائز في كل ولاية يحصل على كل شيء داخل تلك الولاية"، لذلك قد يتعين تعديل النموذج في الأماكن التي تختلف فيها الأمور (أي حيث يكون تمثيل الأحزاب السياسية متناسبًا مع إجمالي الأصوات)، لكن بالنسبة للبلدان التي لديها أنظمة سياسية مماثلة، نعتقد أنه يمكن تطبيق هذا النموذج. لكننا نؤكد أننا لم نختبر هذا النموذج على أي مجموعة بيانات من خارج الولايات المتحدة حتى الآن.

المجمع الانتخابي

تعتمد عملية انتخاب الرئيس الأمريكي على ما يُعرف بـ"المجمع الانتخابي" أو "الهيئة الانتخابية"؛ إذ تختار الأحزاب السياسية في كل ولاية "أعضاء المجمع الانتخابي"، الذين يجتمعون بعد يوم الانتخابات لاختيار رئيس للبلاد.

ويتألف "المجمع الانتخابي" من 538 ممثلًا للشعب، يقومون رسميًّا باختيار الرئيس ونائب الرئيس للولايات المتحدة، وهو مثال للانتخابات غير المباشرة، ويحدد الدستور الأمريكي لكل ولاية عددًا من الناخبين مساويًا لعدد أعضاء ممثليها في مجلس الشيوخ والنواب في الكونجرس في الولايات المتحدة. ولكل ناخب من المجمع الانتخابي الأحقية في صوت واحد للرئيس وصوت واحد لنائب الرئيس، ومن أجل فوز مرشح لمنصب الرئيس أو نائب الرئيس يجب أن يحصل على أغلبية (على الأقل 270) من الأصوات الانتخابية للمجمع الانتخابي لهذا المنصب.

الحد من الاستقطاب

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول كيفية الحد من تنامي التطرف والاستقطاب السياسي داخل الحزاب، يقول "أبرامز": تتمثل الخطوة الأولى في فهم السبب الجذري لتلك الظواهر، ونعتقد أن هذا العمل يلقي الضوء على شيء متأصل في النظام السياسي الأمريكي؛ إذ يكشف اندفاع الأحزاب السياسية نحو التطرف السياسي حتى عندما يكون عموم السكان من الوسط. ما يستوجب محاكاة العديد من التدخلات التي يمكن أن تساعد في تقليل الاستقطاب السياسي.

من جهته، يرى ياسر عبد العزيز -أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة- أن الدراسة تخلص إلى أن المرشحين في الانتخابات الأمريكية صاروا يراهنون على التصويت بناءً على اختيارات نفسية وأيديولوجية، بدلًا من التصويت وفق نظرية "الخيار الرشيد".

ويضيف "عبد العزيز" في تصريحات لـ"للعلم": تتسم الخيارات القائمة على الاستقطاب السياسي أو الأفكار المستقطبة بأنها لا تُبنى على عقلية علمية، لذا تتزايد أهمية الحملات الدعائية ودور وسائل الإعلام التي تلعب على الجذب النفسي أو العاطفي؛ إذ يتحول الإعلام بدوره إلى ناقل للاستقطاب السياسي، وهو ما يفاقم الانزلاق إلى منحنيات أعمق من التطرف والاستقطاب.

ويوضح "عبد العزيز" أن هناك ثلاث نظريات مستقرة في علم الاجتماع السياسي لتفسير السلوك التصويتي: الأولى نظرية "الخيار النفسي"، التي تركز على أهمية الأبعاد النفسية للمصوتين مثل هوية الحزب الذي ينتمي إليه المصوت والتاريخ العائلي للانتماء السياسي بالنسبة للمصوت، والثانية نظرية "النموذج الاجتماعي"، التي تعتمد على أن الناخبين يصوتون وفق أوضاعهم الاجتماعية مثل المسكن والوظيفة والطبقة والدين والعرق، والثالثة نظرية "الاختيار الرشيد"، التي تذهب إلى أن الناخب يصوت بناءً على قرارات مدروسة متعلقة بما يقدمه المرشح من أطروحات وما يستطيع أن يفعله لخدمة دائرته الانتخابية.

ويضيف: ترى بعض مدارس علم الاجتماع السياسي أن التطرف والاستقطاب ينتقل من أعلى إلى أسفل، وبذلك يصبح دونالد ترامب –مثلًا- سببًا أساسيًّا في حالة الاستقطاب الحادة التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية حاليًّا، بينما ترى مدارس أخرى أن هؤلاء القادة أو الزعماء يمثلون الأفكار والتوجهات المنتشرة في المجتمع بالفعل، وبذلك يصبح القائد مجرد ممثل للأفكار والتوجهات، ما يعني أن الشعبوية والتطرف والاستقطاب بمنزلة أمراض اجتماعية موجودة بالفعل داخل المجتمع الأمريكي، وأنها وجدت مَن يعبر عنها.

الرهان على المؤقت

بدوره، يرى هشام محمود -أستاذ علم النفس السياسي بكلية الآداب بجامعة جنوب الوادي- أن البيئة السياسية الأمريكية تشجع على الاستقطاب الحاد، وذلك بسيطرة حزبين كبيرين فقط على الساحة السياسية، وذلك بسبب إمكانياتهم المادية الكبيرة.

ويضيف "محمود" أن "العملية الانتخابية عملية مكلفة ماديًّا بشكل كبير، ولذلك فإن المرشحين يسعون إلى إرضاء مصادر التمويل التي لا تكترث عادةً للممارسة الديمقراطية السليمة؛ إذ تراهن الأحزاب ومرشحوها على الآليات النفسية المؤقتة التي تتسم بها العملية الانتخابية، فهي في الأخير فترة قصيرة ليفوز أحد المرشحين وبعدها يبدأ المرشحون في إعادة صياغة أدائهم السياسي وفق آليات عقلانية، كما أن هناك حتميات اقتصادية تمنع -على سبيل المثال- الاضطهاد المتطرف للمهاجرين". 

ويتابع: في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تزداد الأمور سوءًا، إذ تعمل هذه الأدوات وفق آليات الجذب والانتشار، ما يسهم في نشر أفكار أو توجهات قد تكون ضارة لكنها ملفتة وتحقق رواجًا إعلاميًّا.