رغم التقدم المشجع الذي أُحرِز في تخفيض أعداد مَن يعانون من الجوع في العالم، لا يزال هناك واحد من كل تسعة أشخاص يعاني من نقص التغذية (عدم كفاية الغذاء)، كما أن هناك أكثر من 30 مليون طفل دون الخامسة يعانون من نقص الوزن بشكل خطير. ووفق تقديرات الأمم المتحدة لعام 2017، فإن هناك 821 مليون شخص يعانون من سوء التغذية (انعدام القيمة الغذائية، ما قد يقود إلى الإصابة بالأمراض)، ويعيش أغلبهم في الدول النامية.

ولا تزال أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هي المنطقة الأعلى من حيث معدل انتشار الجوع، إذ ارتفع من 20.7٪ في عام 2014 إلى 23.2٪ في عام 2017، كما زاد عدد مَن يعانون من سوء التغذية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، من 195 مليونًا في عام 2014 إلى 237 مليونًا في عام 2017. 

ويُعدّ انتشار سوء التغذية بمنزلة مؤشر تقليدي لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، يُستخدم لرصد الجوع على الصعيدين العالمي والإقليمي، ويستند إلى البيانات القُطرية عن توافر الأغذية واستهلاكها واحتياجات الطاقة الغذائية للسكان (نقص التغذية). ويمكن تعريف الجوع بأنه إحساس جسدي غير مريح أو مؤلم بسبب عدم كفاية استهلاك الطاقة الغذائية. ويصبح الجوع مزمنًا عندما لا يستهلك الشخص كميةً كافيةً من السعرات الحرارية (الطاقة الغذائية) على أساس منتظم ليعيش حياة طبيعية ونشطة وصحية.

في دراسة جديدة، نُشرت منتصف سبتمبر الحالي في مجلة "نيتشر ساستاينابيليتي" تعاون باحثون من المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية في النمسا (IIASA)، مع آخرين من "جامعة ريتسوميكان" والمعهد الوطني للدراسات البيئية في اليابان؛ لاستكشاف طرق مختلفة للقضاء على الجوع عن طريق الحد من سياسات عدم المساواة في الحصول على الغذاء، بدلًا من زيادة معدلات الإنتاج الزراعي، وبالتالي ضمان تقديم حلول لهذه المشكلة العالمية، مع ضمان حماية أكبر للنظم البيئية.

مواجهة الجوع

إن إطعام سكان العالم -الذين يتزايد عددهم باستمرار- عن طريق زيادة إنتاج الغذاء دون تطبيق إستراتيجيات استهلاك أكثر استدامة "بمنزلة تهديد مستمر للبيئة"، وفق الدراسة، لذا فإن السيناريو الموجه نحو النمو الاقتصادي، والذي يتجاهل التوزيع غير العادل للأغذية ويهدف إلى القضاء على الجوع عن طريق زيادة إنتاج الغذاء سيتطلب إنتاجًا غذائيًّا إضافيًّا بنسبة 20٪ تقريبًا، و48 مليون هكتار من الأراضي الزراعية الإضافية، كما سيزيد من انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 550 مليون طن بحلول عام 2030. 

تتمثل إحدى الطرق التقليدية لتلبية الاحتياجات الغذائية لسكان العالم الذين يتزايد عددهم بسرعة في زيادة إنتاج الغذاء من خلال التكثيف والتوسع في المجال الزراعي. لكن مُعدِّي الدراسة الحالية يعتقدون أنه سيكون لذلك تأثير سلبي على البيئة، مثل تلوُّث الهواء والماء، وفقدان التنوع البيولوجي، وزيادة انبعاثات غازات الدفيئة. 

في حين تكشف نتائج هذه الدراسة عن أن الجوع نتيجة مباشرة لعدم المساواة بين السكان في الحصول على الغذاء، وليس نتيجة نقص الإنتاج الزراعي بشكل عام، حتى داخل البلدان التي يتعايش فيها نقص التغذية مع السمنة. ويدعو الباحثون إلى فرض مزيد من القيود والضرائب على الأغذية غير الصحية، وسَن قوانين للحد من هدر الغذاء في بقايا الطعام. كما يمكن للاستخدام الأفضل للتنوع الزراعي أن يُسهِم في وجبات مغذية أكثر، وفي تحسين معيشة المجتمعات الزراعية، وفي توفير أنظمة زراعية أكثر مرونةً واستدامة.

ويتيح منح الأولوية لمعالجة الفقر، وعدم المساواة في الدخل، والحصول على الغذاء الكافي تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وكانت الأمم المتحدة قد وضعت أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر SDGs)) في عام 2015 من أجل تغيير إيجابي للطريقة التي يعيش بها سكان العالم، من أجل خلق مستقبل أفضل بحلول عام 2030.

وأهداف التنمية المستدامة هي خطة تشمل سبعة عشر هدفًا رئيسيًّا، يندرج تحتها 169 هدفًا فرعيًّا، وتسعى هذه الأهداف إلى مواجهة التحديات العالمية مثل الفقر وعدم المساواة وتغيُّر المناخ وتدهور البيئة بحلول عام 2030. ووفقًا لهذه الأهداف فإن القضاء على الفقر يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع الإستراتيجيات التي تبني النمو الاقتصادي. ويدعو الهدف الثاني إلى القضاء على الجوع، وضمان حصول الجميع -ولا سيما الفقراء والفئات الضعيفة، متضمنةً الرضّع- على ما يكفيهم من الغذاء المأمون والمغذّي طوال العام، ووضع نهاية لجميع أشكال سوء التغذية بحلول عام 2030.

يشار إلى أنه من خلال النمو الاقتصادي المطَّرد وزيادة الإنتاجية في الزراعة، انخفض عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية بمقدار 85 مليون شخص منذ عام 2000. كما أسهَمَت المبادرات والالتزامات الحكومية الفعالة إلى حدٍّ كبير في تحسين الأمن الغذائي. تقول الأمم المتحدة إن هناك حاجةً إلى تغيير عميق في النظام الغذائي والزراعي العالمي إذا أردنا تغذية الملايين التي تعاني من الجوع اليوم، كما أن هناك ملياري شخص إضافيين من المتوقع أن يعانوا من سوء التغذية بحلول عام 2050.

إستراتيجية بديلة

تركز الإستراتيجية البديلة التي تطرحها الدراسة للقضاء على الجوع، على سد الفجوة الغذائية للسكان الذين يعانون من نقص التغذية، من خلال الدعم الحكومي على المدى القصير. ويشمل ذلك برامج الغذاء التي توفر تحويلات عينية للأغذية، وبرامج التغذية المدرسية، وقسائم الطعام، وبرامج دعم الدخل، وشبكات الأمان الاجتماعي، دون الحاجة إلى انتظار ثمار النمو الاقتصادي. 

ووفقًا لهذا السيناريو، يعني القضاء على الجوع بحلول عام 2030 توفير الغذاء الكافي لـ410 ملايين شخص كانوا سيظلون يعانون من سوء التغذية في إطار العمل بالإستراتيجيات الحالية لمكافحة الجوع. وفي حالة التركيز على ناقصي التغذية فقط، فإن الإنتاج الزراعي العالمي الإضافي اللازم سيكون 3٪ فقط، مع الأخذ في الاعتبار ما يترتب على ذلك من آثار سلبية محدودة على البيئة.

يقول "بيت هافليك"، نائب مدير برنامج إدارة خدمات النظم البيئية وتنمية الموارد البيئية في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية، والمؤلف المشارك في الدراسة: إن الدراسة الحالية توضح أن توفير ما يكفي من الغذاء لمَن يعانون من سوء التغذية يتطلب زيادةً هامشية فقط في إجمالي الإنتاج الزراعي، وبالتالي تأثيراته السلبية على البيئة محدودة للغاية. ويرى "هافليك" أن نقص التغذية ليس نتيجةً لمشكلات تتعلق بالقدرة الإنتاجية للأنشطة الزراعية، بل يعود إلى خلل في النظام الاقتصادي والسياسي الحالي، وهو ما يعني إمكانية مكافحة هذه الظاهرة عن طريق معالجة هذا الخلل دون الحاجة إلى الضغط على البيئة من خلال تكثيف الأنشطة الزراعية.

وتُظهر نتائج الدراسة أنه إذا كانت العدالة في توزيع الأغذية مصحوبةً بتقليل الاستهلاك الزائد عن الحاجة وتقليل بقايا الطعام، بالإضافة إلى تحسين عملية التكثيف الزراعي، ففي هذه الحالة يمكن مكافحة نقص التغذية مع تقليل الإنتاج الزراعي في الوقت ذاته، مما يؤدي إلى فوائد متعددة لتحقيق الاستدامة البيئية. ووفق الباحث المشارك في الدراسة فإن التأثيرات السلبية على البيئة تنخفض كثيرًا عن طريق الجمع بين القضاء على الجوع وتحسين نظام العدالة في توزيع الأغذية، مثل تقليل هدر الغذاء، والحد من الاستهلاك، إلى جانب إجراء مزيد من البحوث الزراعية لزيادة إنتاجية المحاصيل.

في دراسة سابقة نُشرت في مجلة "نيتشر ساستينابيليتي" في مارس 2019، دعا باحثان من جامعة "أبيردين" البريطانية إلى معالجة السياسات الاقتصادية الخطأ التي تتسبب في زيادة الفقر ومن ثم زيادة معدلات الجوع عالميًّا. استخدم المؤلفان مؤشرات البنك الدولي للتنمية لتقييم 71 من أصل 169 هدفًا فرعيًّا من أهداف خطة التنمية المستدامة للأمم المتحدة. 

ووفق الدراسة فإن سياسات الحد من عدم المساواة في الدخل والفقر في البلدان المرتفعة والمنخفضة الدخل على التوالي قد يكون لها آثار إيجابية ودائمة على جميع الأهداف الأخرى، وخاصةً الهدف الثاني (القضاء على الجوع). 

تقول "فرانسيسكا مانتشيني" من كلية العلوم البيولوجية في جامعة "أبيردين" -باحث غير مشارك في الدراسة- في تصريح لـ"للعلم": إن السيناريو الذي تطرحه الدراسة مهم لتوضيح كيف يمكن توفير الغذاء للجميع بشكل مستدام، عبر موارد العالم المحدودة، ودون الضغط على النظم البيئية، وفق عدد من الخطوات الإجرائية البسيطة.

"سيكون ذلك ممكنًا إذا كانت السياسة الغذائية تتضمن أهدافًا لخفض الاستهلاك الزائد، وتقليل نفايات الطعام، والإنتاج الزراعي المستدام. ويوضح هذا مدى أهمية تخطيط النظم الغذائية مع مراعاة الأولويات الأخرى، مثل تقليل النفايات والاستهلاك، والإنتاج المسؤول؛ لتقليل الآثار السلبية المحتملة على البيئة"، كما توضح "مانتشيني".

من جانبه، يشدد الباحث في جامعة "باث" البريطانية "بول جي بين" على ضرورة أخذ تأثير تغيُّر المناخ على إنتاجية الغذاء في الاعتبار. ويوضح "بين" في تصريح لـ"للعلم" أن المناخ يؤثر على إنتاج الغذاء من خلال التأثير على أنماط هطول الأمطار، والجفاف، وتغيرات درجات الحرارة، ودرجة توافر المياه، كما قد يؤثر تغيُّر المناخ على محتوى المواد الغذائية في العديد من المحاصيل الغذائية، لذلك يرى ضرورة أن تكون أي سياسة غذائية مستقبلية قادرةً على التكيف مع تغير المناخ.