كمية الطاقة الضوئية التي ترسلها الشمس إلى الأرض في ساعة واحدة يمكن أن تغطي احتياجات العالم من الطاقة لمدة عام، هذا ما جعل الشمس أهم مصادر الطاقة المتجددة التي يضع عليها العالم الكثير من الآمال منذ تصنيع أول خلية شمسية على يد العالِم الأمريكي، تشارلز فريتز، عام 1883 وحتى الآن، كانت الخلية التي صنعها "فريتز" من عنصر السيلينيوم ذات كفاءة منخفضة لم تتجاوز 1%.

استمر الباحثون في محاولاتهم لتطوير الخلايا الشمسية، وبعد قرابة السبعين عامًا تمكَّن ثلاثة باحثين أمريكيين -جيرالد بيرسون وداريل شابين وكالفن فيولر- من تطوير الخلية الشمسية الحديثة باستخدام عنصر السيليكون في عام 1954 بمختبرات "بيل"، لم تتجاوز كفاءة تلك الخلايا حينها قرابة الـ6%.

استمر الباحثون في محاولات تطوير الخلايا الشمسية السيليكونية لزيادة كفاءتها وقدرتها على تحمُّل الظروف الخارجية وخفض تكلفتها، ونتيجةً لتلك الجهود المستمرة، وصلت كفاءة الخلايا المصنوعة من السيليكون الآن إلى 25%.

تربعت الخلايا المصنوعة من السيليكون على عرش الطاقة الكهروضوئية، نظرًا لكونها أفضل الخيارات المتاحة، على الرغم من مشكلاتها العديدة وتكلفتها الباهظة، ولكن الأمر تغير خلال السنوات العشر الأخيرة، وذلك بسبب مادة جديدة وواعدة تُدعى البيروفسكايت.

إنتاج أول خلية شمسية مصنوعة من البيروفسكايت كان على يد الباحث الياباني، توسوتومو مياساكا، وذلك في عام 2009، ولكن كفاءتها لم تتعدَّ نسبة الـ4%، ثم استخدم هنري سنيث -أحد الباحثين من جامعة أكسفورد- مادة البيروفسكايت في صناعة خلية شمسية جافة ومُطورة عام 2012.

ويُعد البيروفسكايت نوعًا من المعادن، جرى العثور عليه للمرة الأولى في جبال الأورال وسُمي باسم مكتشفه، العالِم الروسي ليف بيروفسكي، مؤسس الجمعية الجغرافية الروسية.

خطفت البيروفسكايت الأضواء من السيليكون، وذلك لخواصها الفيزيائية التي جعلتها تفوق السيليكون في الكفاءة، ولكنها لا تخلو من العيوب أيضًا؛ إذ إنها مادة غير ثابتة كيميائيًّا وتتكسر تحت تأثير عوامل الضوء والحرارة والعوامل الجوية، مما يقف حائلًا أمام تطبيقاتها الصناعية، ولكن يبدو أن ذلك على وشك أن يتغير الآن.

تمكَّن فريق بحثي -يعمل تحت إشراف هنري سنيث- من إيجاد حل للتغلب على مشكلة عدم ثبات مادة البيروفسكايت، مما يفتح الباب أمام استخدامها في العديد من التطبيقات الكهروضوئية والصناعية المُنتظرة، نشر الفريق البحثي نتائج دراسته في دورية نيتشر، وأفادت بإمكانية استخدام مادة الجلوتاثيون التي يفرزها الكبد، للتخلص من بعض ذرات الرصاص التي توجد على السطح البلوري لمادة البيروفسكايت هاليد وتتسبب في عدم ثباتها.

محاليل بروفيسكايت هاليد الرصاص أحمر اللون تحت أشعة الليزر موجات فوق البنفسجية القوي Credit:Yasser Hassan

البيروفسكايت الواعدة

في البداية، حظيت البيروفسكايت بشهرة وصيت كبيرَين على الصعيد الأكاديمي؛ بسبب الطفرة التي تَعِد بها هذه المادة في مجال صناعة الخلايا الشمسية، إلا أن تطبيقاتها تتسع الآن لتشمل صناعة المستشعرات الضوئية والصمامات الثنائية الباعثة للضوء، ومعالجة النفايات النووية والذرية، وكذلك في مجال الإشعاع والتصوير الطبي.

تُعتبر بيروفسكايت هاليد الرصاص -الأكثر كفاءةً من ضمن كل أنواع البروفسكايت- أشباه موصلات واعدة، إذ إن تلألؤها اللامع عالي النقاوة يجعلها مناسبةً للتطبيقات الباعثة للضوء وصناعة الخلايا الكهروضوئية عالية الكفاءة، كما  أنها زهيدة الثمن.

أحدثت الصمامات الثنائية الباعثة للضوء أو Light Emitting Diodes -والتي تُعرف اختصارًا بالليد LED- ثورةً في مجال الإضاءة الصناعية؛ نظرًا لكفاءتها العالية في امتصاص الطاقة الكهربية وتحويلها إلى ضوء، ومنها يتم تصنيع إشارات المرور ومصابيح الإنارة وشاشات العرض والمستشعرات الضوئية والليزر، يقول ياسر حسن -باحث ما بعد الدكتوراة في قسم الفيزياء بجامعة أكسفورد، والباحث الرئيسي في الدراسة- في حديثه مع "للعلم": "الخلايا الشمسية والخلايا الضوئية أو الباعثة للضوء لهما التركيب نفسه، إذ تُستخدم الخلية نفسها في كلا الاتجاهين وفق نوع الطاقة المسلطة عليها، وعند اختبار قدرة مادة شبه موصلة وكفاءتها، فإن الخطوة الأولى تكون اختبارها في الخلايا الضوئية؛ لأنها أكثر تعقيدًا وتتطلب كفاءةً أعلى لإنتاج الضوء، إذ إن إنتاج الضوء من الكهرباء أصعب من إنتاج الكهرباء من الضوء وأكثر تعقيدًا".

ياسر حسن -باحث ما بعد الدكتوراة في قسم الفيزياء بجامعة أكسفورد، والباحث الرئيسي في الدراسة Credit:Yasser Hassan

أشباه الموصلات تكون في الظروف العادية مواد عازلة، ولكنها تصبح موصلةً للكهرباء عند إثارتها بعامل خارجي، كإسقاط الضوء عليها، أو تعرُّضها للضغط أو الحرارة، تعتمد كفاءة التوصيل الكهربي لأشباه الموصلات على قدرة إلكترونات هذه المواد على اكتساب القدر الكافي من الطاقة الذي يمكِّنها من الانتقال من نطاق محدد في التركيب الذري يسمى مستوى التكافؤ إلى مستوى التوصيل الكهربي، وهو ما يُعرف باسم Band Gap، التي تُعتبر منخفضةً في أشباه الموصلات، وبالتالي فإن قدرتها على التوصيل الكهربي تعتمد على الظروف المحيطة بها، مثال ذلك، إذا سُمح للضوء أن يضرب أسطح هذه المواد فإن الإلكترونات تتخطى قيمة Band Gap، وتتحول أشباه الموصلات من مواد عازلة إلى موصلة للكهرباء.

بحث الفريق عن أدلة تكشف لهم عن آلية عدم الاستقرار الكيميائي للبيروفسكايت، ووجدوا أن وجود أي ذرات رصاص حرة على سطحه يمكن أن يتسبب في تدهور الشكل البلوري للمادة وتكسُّرها، فيما يُعرف بفصل الهالوجينات.

مشكلات البيروفسكايت

يقول "حسن": "تتكون مادة بيروفسكايت هاليد الرصاص من ذرات الرصاص مرتبطةً بالهالوجينات كعناصر الكلور أو البرومين أو اليود، وهذه العناصر يرتبط بعضها مع بعض بروابط أيونية ضعيفة، لذا فعند تحفيز المادة بالضوء أو الكهرباء أو الحرارة أو في وجود العوامل الجوية -كالأكسجين أو الرطوبة- فإن الروابط الأيونية تتكسر، وتكون الذرات روابط أخرى أكثر قوةً وثباتًا مع ذرات أخرى، فمثلًا يتأكسد الرصاص بالأكسجين مكونًا أكسيد الرصاص، وهكذا".

هذه التغيُّرات تجعل الضوء الناتج عن الـLED غير ثابت اللون، كما قد تتسبب في تحوُّل البيروفسكايت إلى مواد أخرى، لا تفيد في امتصاص الضوء وتحويله إلى كهرباء أو العكس.

تأمَّل الباحثون قدرة الأنظمة البيولوجية مثل الكبد البشري على إزالة السموم من الجسم، ووجدوا أن الكبد يفرز مادة الجلوتاثيون بشكل طبيعي لمعالجة الأكسدة بعنصر الرصاص، وفكروا في استخدامها لتثبيت التركيب الكيميائي للمادة.

وبالفعل أثبتت الدراسة أن الجلوتاثيون ينظف سطح البلورات النانوية للبيروفسكايت من ذرات الرصاص غير المرغوبة، مما يجعل المادة أكثر ثباتًا في الظروف المختلفة، إذ ظلت مادة البيروفسكايت بعد التعديل ثابتةً كيميائيًّا وضوئيًّا لمدة ألف دقيقة متصلة من تعريضها لأشعة ليزر قوية، كما تمكَّن الباحثون من الحصول على تلألؤ كهربائي أحمر اللون من البلورات النانوية للبيروفسكايت، والذي كان من الصعب الحصول عليه فيما سبق نتيجةً لعدم الاستقرار الكيميائي للمادة.

أفاد "حسن" أن تلألؤ المواد شبه الموصلة دليلٌ على كفاءتها وإمكانية استخدامها في تطبيقات الطاقة المتجددة، كما يدل على أن التركيب الداخلي متناسق من دون وجود شوائب سطحية قد تؤدي إلى تقليل الكفاءة، ويضيف: "وجود عيوب في التركيب البلوري للمادة يعني امتصاصها للكهرباء ثم تحويلها إلى طاقة حرارية عالية قد تؤدي إلى انفجار الأجهزة المُستخدمة في صناعتها، وفي حالة خلو المادة من هذه العيوب فإن الكهرباء المستخدمة تتحول كلها إلى ضوء، فيظهر اللمعان والتلألؤ".

يقول يانغ يانغ -أستاذ في قسم علوم وهندسة المواد بجامعة كاليفورنيا الأمريكية- في حديثه مع مجلة "للعلم": "يعتبر فصل الهالوجينات إحدى العقبات الرئيسية أمام تطبيقات البيروفسكايت في الصمامات الثنائية الباعثة للضوء، لكن الدراسة الجديدة تقدم مفهومًا جديدًا لتحسين ثبات مادة البيروفسكايت وكفاءتها في هذه التطبيقات".

البيروفسكايت ترسم المستقبل

تمثل النتائج التي توصل إليها "حسن" وزملاؤه أحدث خطوة في استغلال قوة البيروفسكايت في التطبيقات المُختلفة، وأوضح أن الجهود البحثية التي قام بها توسوتومو مياساكا، وهنري سنيث شكلت اللبنة الأولى للخلايا الشمسية القائمة على البيروفسكايت، وأشار إلى سرعة تطور الأبحاث حول هذه المادة؛ إذ يصدر سنويًّا عددٌ كبير من الأبحاث عنها.  

بروفيسكايت هاليد الرصاص أحمر اللون علي رقائق زجاجية تحت تأثير أشعة الليزر. Credit:Yasser Hassan

أشار "يانج" إلى أن العديد من الدراسات ركزت على تصنيع أغشية رقيقة وبلورات نانوية عالية الجودة من البيروفسكايت، ولكن دراسة "حسن" وفريقه أوضحت أهمية العمل على تعديل السطح البلوري للمادة، ودفعته إلى مقدمة اهتمامات الباحثين في هذا المجال.

تحسنت كفاءة الأجهزة الإلكترونية الضوئية المعتمدة على البيروفسكايت بدرجة كبيرة تضاهي مصابيح LED التجارية، ووفق "يانج"، فإن حل مشكلة الاستقرار الكيميائي للبيروفسكايت سيسهِّل تصنيع أجهزة معتمدة على البيروفسكايت، يقول "يانج": "إن مشكلة فصل الهالوجينات وحركة الأيونات لا تؤثر على تطبيقات الـLED فحسب، ولكنها مشكلة رئيسية في تطبيقات البيروفسكايت، وأعتقد أن هذا العمل يمكن أن يُلهم بعض التصميمات الجديدة لتحسين استقرار مختلِف الأجهزة التي تستخدم البيروفسكايت".

أشاد أحمد علي -باحث حاصل على درجة الدكتوراة في علوم وهندسة المواد من جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة- بأهمية الدراسة، وأوضح أن كلًّا من السيليكون والبيروفسكايت مواد لها مميزات عديدة ومهمة جدًّا في صناعة الخلايا الشمسية، وأننا لا نزال نحتاج إلى المزيد من الأبحاث كي نتمكن من تصنيع خلايا شمسية تجارية معتمدة على البيروفسكايت بشكل أساسي.

ويقول "علي": "لجأ بعض الباحثين إلى استخدام الخلايا الشمسية المصنعة من طبقات من السيليكون والبيروفسكايت معًا بكفاءة تصل إلى 30%، وبشكل نظري يتوقع الباحثون أن تبلغ كفاءة هذه الخلايا أكثر من 40%"، في هذا الشأن يقول "حسن": "السيليكون هو أكثر عناصر الأرض وفرة، لذا فإن الاعتماد عليه لن ينتهي، خاصةً مع الجهود المبذولة في تحسين خصائصه، ولكن ما أتوقعه أن دمج بيروفسكايت هاليد الرصاص مع السيليكون في خلايا واحدة سيكون محور الصناعة في السنوات القادمة للجمع بين مميزات كلٍّ منهما".

يرى "يانج" أن الأمر سيكون رائعًا إذا تمكَّن الباحثون من تطبيق الإستراتيجية التي اتبعها "حسن" وفريقه على الصمامات الباعثة لألوان مختلفة مثل الضوء الأزرق، وأفاد "حسن" أنهم يعملون على ذلك بالفعل.

خلال أبحاثه المستقبلية، سيسعى "حسن" لوجود ذرات بديلة أكثر أمانًا من الرصاص؛ لما له من مخاطر صحية وبيئية.

أفاد "حسن" أن الدراسة التي رأسها كانت نتاج جهود ست فرق من جامعات ودول مختلفة، لكل فريق اتجاهٌ بحثي مكمل للآخر، ويجمع باحثين من تخصصات مختلفة من الكيمياء والكيمياء الفيزيائية والكيمياء النظرية وفيزياء المواد التطبيقية والفيزياء النظرية والهندسة الكهربائية، كما أوضح أن الفرق البحثية تلقت الدعم المادي من جهات حكومية ودولية مختلفة، وأن شركة Linguistixtank Inc -وهي شركة مملوكة لأحد رجال الأعمال المصريين- قدمت الدعم له خلال العمل على هذه الدراسة.