على خشبة المسرح في أثناء توزيع جوائز "بنجامين فراكلين"، وقف أستاذ علوم الهندسة والموائع، العالِم الأردني من أصول فلسطينية، علي نايفة، ليتسلَّم جائزته. كان العام 2014 حين تلقَّى "نايفة" -البالغ من العمر آنذاك 80 عامًا- خبر حصوله على الجائزة الرفيعة التي تماثل جوائز نوبل في العلوم.

وقف "نايفة" بقامته الممتدة؛ ليُلقي على الحشود كلمته، وبصوت متهدج، أخبر الجميع بأن الجائزة لا تُعد تكريمًا له فحسب، بل يُشاركه التكريم طلابه، ولا سيما الباحث المصري، هيثم عزت طه.

وقتها كان "طه" -الذي يدرس طيران الحشرات- يجلس وسط الحضور. أصابت الكلمات صميم مشاعره، أحس بالإطراء والخجل، وتذكَّر كلمات أستاذه قبل عامين، فـ"نايفة" كان يرفض رفضًا قاطعًا النظريات التي تُحلل الطريقة التي تستقر بها الحشرات في أثناء طيرانها بالجو.

 في المقابل، وإبان عمل "طه" على رسالة الدكتوراة، كان الشاب هو الآخر يرفض ما ذهب إليه "أستاذه" فيما يتعلق بتلك النظرية، ويعارضها معارضةً قاطعة.

ولكن بعد سنوات من العمل والبحث، أدرك "طه" أن "نايفة كان على حق". إذ أثبت "طه" -بعد وفاة أستاذه بنحو 3 سنوات- أن الاهتزاز هو ما يجعل الحشرات تستقر في الهواء، وأن النظريات التي طالما عارضها "نايفة" -الذي حصل على شهادته من جامعة ستانفورد، وشغل منصب الأستاذ الفخري للهندسة بجامعة فرجينيا تك- كانت بالفعل غير صحيحة فيما انتهت إليه، وأن الرأي السديد، هو ما كان العالِم ذو الأصول الفلسطينية يقول به، "لم يهمل الرجل عامل الاهتزاز وعلاقته باستقرار الحشرات في الهواء"، وفق "طه".

ففي ورقة علمية جديدة نُشرت نتائجها في دورية "ساينس روبوتكس"، قال فريق بحثي من جامعة "كاليفورنيا"، يرأسه المصري هيثم عزت طه: إن الحشرات تستقر في الهواء عبر اهتزاز أجنحتها، ليحلوا بذلك لغزًا علميًّا استمر أكثر من 100 عام.

أحد ألغاز الطبيعة

يُعد طيران الحشرات أحد ألغاز الطبيعة وأكثرها غموضًا؛ إذ عجز العلماء لعقود طويلة عن تفسير الكيفية التي تطير بها الحشرات، إلى أن استطاعوا في نهاية القرن الماضي حل جزء من ذلك اللغز والوقوف على تفسيرات فيزيائية وديناميكية لكيفية طيران تلك الكائنات الصغيرة.

مقارنة بالأسس الديناميكية التي تستخدمها الطائرات الحديثة في الطيران، وجد باحثو الدراسة أن الحشرات تستغل نظامًا هوائيًّا معقدًا غير تقليدي، مختلفًا عن معظم الطائرات، ولكنه يشبه إلى حدٍّ كبير ما يحدث مع الطائرة الكونكورد في أثناء عملية الإقلاع.

يُعرف ذلك النظام بـ"دوامات مقدمة الجناح" Leading edge vortex، فيها تعمل الحشرة على خلق دوامات هوائية عند مقدمة أجنحتها عبر تغيير زوايا هجوم الأجنحة -الزاوية التي تضرب بها الحشرة الهواء- وهو الأمر الذي ينجم عنه خلق فرق في الضغط بين أسفل الجناح وأعلاه، ما يَزيدُ قدرة الحشرة على رفع نفسها إلى نحو الضِّعف.

معضلة أخرى جديدة

لكن، ومع حل اللغز الخاص بقدرة الحشرة على رفع نفسها، ظهرت معضلة أخرى. فبينما نجح العلماء في تفسير إمكانية طيران الحشرات، أي إمكانية حمل الهواء لوزن الحشرة، فقد عجزوا عن تفسير استقرار الحشرات في أثناء الطيران.

خلصت الدراسات العلمية التي تمت خلال العشرين عامًا السابقة إلى أن طيران الحشرة -خصوصًا في أثناء التحليق في المكان- هو نظام غير مستقر. أي أن طيران الحشرة سينهار بمجرد تعرُّضها لأي مؤثر خارجي.

وبناءً عليه فلكي تحافظ الحشرة على استقرار طيرانها ضد أي مؤثر خارجي، فإنها حتمًا تطبق مبادئ أنظمة التحكم الآلي. فلكي تستطيع الحشرة الحفاظ على استقرارها، تعمل على أخذ قياسات مستمرة لموضعها في الجو والتعديل المستمر لرفرفتها. لكن ذلك الأمر يتطلب نظامًا حسابيًّا معقدًا قد لا يمتلكه عقل الحشرة البسيط.

لذا ظل العلماء خلال هذه الأعوام يبحثون عن تفسير بديل، تحديدًا عن نظام استقرار تلقائي، لا يحتاج إلى حسابات معقدة ليحافظ على استقرار طيران الحشرة.

"هنا جاء دورنا"، يقول هيثم عزت طه، في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

وصف رياضي مجهول

درس "طه" هندسة الطيران في جامعة القاهرة، وتخرج عام 2005، إذ كان الأول في الترتيب على دفعته، وحصل على الماجستير من الجامعة ذاتها عام 2008، ثم سافر للحصول على الدكتوراة من جامعة فرجينيا-تك الأمريكية. هناك قابل العالِم العربي "علي نايفة"، الذي كان مُشرفًا على رسالته.

وقتها، كانت النقطة البحثية التي يُناقشها "طه" هي "استقرار الحشرات في أثناء الطيران". وباستخدام الرياضيات، تمكَّن "طه" من الوصول إلى معادلة مهمة لكنها تضم "وصفًا رياضيًّا مجهولًا".. كان ذلك الوصف جزءًا خاصًّا بالاهتزاز.

أخبر "طه" أستاذه ومشرفه "نايفة" بأنه سيهمل ذلك الوصف في المعادلة، "شأني شأن كل الباحثين من قبلي، قلت له إن اهتزاز الأجنحة أمرٌ يُمكن إهماله.. إلا أنه عارض فكرتي بقوة، وقال لي إن الاهتزاز يجب أن يكون مؤثرًا في طيران تلك الكائنات الصغيرة على نحوٍ ما".

لم يلتفت "طه" وقتها إلى نصيحة الأستاذ. إلا أنه قرر التحقُّق منها عقب وفاته. "في عام 2017 وحين سمعت بوفاة الرجل قررت أن أدرس فرضيته.. لكن برياضيات أخرى لم ينتبه أحدٌ إليها من قبل".

ظاهرة الاستقرار بالاهتزاز

في نوفمبر من عام 1908، وُلد عالم الرياضيات الروسي الشهير ليف سيمينوفيتش بونترياجين، الذي فقد بصره في عامه الرابع عشر من جَرَّاء انفجار موقد غاز. إلا أنه -برغم إصابته بالعمى- تمكَّن من أن يُصبح أحد أعظم علماء الرياضيات في القرن العشرين؛ إذ اكتشف اكتشافات كبيرة في مجال الطوبولوجيا التفاضلية، كما أنه يُعد أحد مؤسسي علم التحكم الآلي الأمثل.

حين اقترب عيد ميلاده السبعون، قرر اثنان من تلاميذه كتابة ورقة في علم التفاضل والتكامل لإهدائها إلى الأستاذ. احتوت الورقة على معادلات رياضية صعبة للغاية تُوصِّف الأنظمة التي تتغير مع الوقت Time Varying systems، كانت تلك الورقة مفتاحًا لتشريح اللغز.. لغز استقرار طيران الحشرات.

هناك ظاهرة في علم الديناميكا تسمى الاستقرار بالاهتزاز، هذه الظاهرة تقول إنه إذا تعرَّض نظام غير مستقر للاهتزاز بسرعة كبيرة، فإنه يكتسب استقرارًا تلقائيًّا.

من هنا جاءت الفكرة، على حد قول "طه"؛ فربما تستغل الحشرات هذه الظاهرة من أجل استقرار الطيران. إذ يتعرَّض جسم الحشرة لاهتزاز عنيف في أثناء الطيران نتيجة رفرفة الأجنحة. والمثير أن هذا الاهتزاز هو ما أهمله العلماء في دراساتهم السابقة.

السؤال الآن هو: ما هي النظرية الرياضية التي تتيح أخذ الاهتزاز في الاعتبار في أثناء التحليل الرياضي لطيران الحشرة؟ فإذا أخذنا هذا الاهتزاز في الاعتبار، فإن طيران الحشرة يعتبر نظامًا دائم التغيُّر، مما يجعل التحليل الرياضي أصعب بكثير.

هنا يأتي دور الورقة العلمية الروسية غير المشهورة. في هذه الورقة البحثية، أنشأ هذان العالِمان فرعًا جديدًا من فروع الرياضيات وعلم ديناميكا المنظومات، يختص بدراسة الأنظمة دائمة التغير.

يقول "طه": "عند استخدامنا لهذه الأدوات الرياضية المتقدمة في دراسة طيران الحشرات مع أخذ اهتزازها المستمر نتيجة الرفرفة في الاعتبار، وجدنا أن الحشرات تستفيد من ظاهرة الاستقرار بالاهتزاز فعلًا".

لكن الرياضيات وحدها لا تكفي لإثبات أمرٍ بيولوجي في الأساس؛ فلا بد من دليل عملي بجانب الدليل الرياضي.

استعان "طه" بعلماء الحيوان لإنشاء تجربة عملية على طائر صناعي يحاكي حركة الحشرات، "إذ وجدنا أن طيرانه غير مستقر بالمرة إذا هززناه بسرعة صغيرة. أما إذا هززناه بسرعة كبيرة، كافية لتحقيق ظاهرة الاستقرار بالاهتزاز، فإنه يستقر تلقائيًّا في الهواء، مما دلَّ عمليًّا على استخدام الحشرات لظاهرة الاستقرار بالاهتزاز لتحقيق هذا النوع من الاستقرار في الهواء".

تجربة حاسمة

تعاون "طه" مع عالِم البيولوجيا البروفيسور، تايسون هيدريك، من جامعة نورث كارولينا، الذي يملك بيانات قوية مستقاة من تجارب معملية عن استقرار الحشرات، "منها تجربة ضرب الحشرة بمقذوف في أثناء التحليق على زهرة، وتسجيل حركة الجسم والأجنحة في أثناء مقاومة الحشرة للمقذوف واسترجاعها لطيرانها الطبيعي"، وفق "طه"، الذي يقول إن تلك التجربة "حسمت كل شيء".

 فعند العمل على هذه البيانات، "وجدنا ظاهرة الاستقرار بالاهتزاز جلية"، فتأثير الاهتزازات الطبيعية للجسم نتيجة رفرفة الأجنحة، بالسرعة الكافية لتحقيق ذلك، يؤدي إلى استقرار تلقائي.

يرى محمد زكريا، الحاصل على الدكتوراة في علوم الطيران من جامعة "فرجينيا تك" -لم يشارك في الورقة البحثية: إن الدراسة "تثبت أن الرياضيات تستطيع حل الألغاز البيولوجية"، مشيرًا إلى أن تلك الورقة "تم توجيهها من خلال التحليل الرياضي وليس العكس"، وهذا يعني أن المعادلات الرياضية يُمكن أن تُثبت الظواهر الكونية وتُحللها بدقة، "حتى قبل أن نبدأ في قياس الظاهرة وتحليلها داخل المعمل".

ويشير "زكريا" إلى أن استنتاج الورقة "يتفق تمامًا مع ظاهرة الاستقرار التي نلاحظها في أثناء طيران الحشرات"، "وهو ما يجعل النتائج تفسيرًا مقنعًا للغاية، يُمكن أن تبنى عليه أبحاث مستقبلية مهمة في مجالي البيولوجيا والطيران".

وسيكون لذلك البحث مجموعة من التأثيرات المهمة على مجال تصميم الروبوتات المستوحاة من الحشرات، على حد قول "زكريا"، الذي يؤكد أن مستقبل تلك الروبوتات -التي تُستخدم في الإنقاذ والمراقبة والاستطلاع- قد يتغير تغيُّرًا كاملًا من جَرَّاء تلك النتائج.

من جانبه، يقول "طه": إن ما توصل إليه الفريق البحثي يُشير إلى "عملية تطور الحشرات البديعة؛ فرفرفة الأجنحة -التي تُستخدم للحصول على قوة الرفع لتحمل وزن الحشرة في الهواء- تؤدي بشكل طبيعي وحتمي إلى اهتزاز الجسم، مما يحافظ على استقرار عملية الطيران تلقائيًّا، ودون أي حسابات للتحكم والاستقرار في عقل الحشرة".