فاز طالب الدكتوراة المصري من معهد ماكس بلانك لأبحاث القلب والرئة، محمد البرلسي، بأولى جوائز «برنستيل الدولية»؛ تكريمًا لبحثه المتميز حول فهم وتفسير الأساسيات الجزيئية للتعويض الجيني في سمك الزرد والفئران.

تلقى "البرلسي" الجائزة تكريمًا لتفسيره للأساسيات الجزيئية التي تستخدمها خلايا الجسم لتعطيل الجين الذي تعرَّض لطفرة عن إنتاج بروتينات معيبة، وزيادة إنتاج الجينات السليمة من البروتينات لتعويض وظيفة الجين المتطفر، فيما يُعرف باسم "التعويض الجيني".

وعن سبب تركيزه على فهم هذه الآلية في بحثه، قال البرلسي لـ"للعلم": "لاحظت على مدار دراستي أن آلية التعويض الجيني تلك، جعلت الباحثين لا يدركون أهمية بعض الجينات ولا يحاولون فهم وظيفتها من الأساس"، مضيفًا أن عمليات سَلسَلة الحمض النووي للعديد من الأشخاص كشفت أن كثيرين قد يكون لديهم عدد كبير من الطفرات على اختلاف أنواعها، قد يصل إلى المئة، ورغم ذلك لا يعانون من أي أمراض أو اضطرابات، "وهؤلاء مَن نطلق عليهم الأشخاص المرنين، ما دفعني إلى العمل على هذا البحث لفهم السبب وراء ذلك".

وتحدث العديد من الأمراض بسبب ما يُعرف بالعيوب/ التشوهات الوراثية. ومع ذلك، لاحظ الباحثون أن مستويات الإصابة بالمرض تختلف بين الشديدة والخفيفة من مريض إلى آخر. أجرى "البرلسي" وزملاؤه في معهد ماكس بلانك لأبحاث القلب والرئة في باد نوهايم محاولات لفهم الآلية الجزيئية المسؤولة عن هذه الظاهرة المرضية، إذ تَبيَّن أن الرنا المرسال mRNA للجين المعيب يعمل على تنشيط الجينات ذات الصلة؛ لتعويض الخلل الناتج عن تعطيل الجين المعيب.

"بناءً على بيانات من دراسات سابقة، افترضنا أن وجود خلل في الجين قد يؤدي إلى زيادة نشاط الجينات ذات الصلة في التعبير عن منتجاتها الجينية؛ إذ تتولى البروتينات المرتبطة بالبروتين الأصلي مهامها"، وفق "البرلسي"، مضيفًا أن هناك "ماكينة جزيئية معقدة وراء آلية التعويض الوراثي هذه". يأمل الفريق البحثي الاستفادة من فهم هذه الآلية وتفسيرها في ابتكار أساليب علاجية جديدة أو تطوير العلاجات القائمة.

حصل البرلسي على بكالوريوس الصيدلة والتكنولوجيا الحيوية من الجامعة الألمانية في القاهرة عام 2014، ويتلقى هذه الجائزة التي أُعلِنَ رسميًّا عن الفائزين بها الإثنين الماضي، مع باحثين آخرين؛ لأعمالهم المميزة في مجال "علوم الحياة الجزيئية"، وهما إيميلي باير من جامعة كولومبيا، وجاستن سايلب من جامعة برينستون.

تُمنح جائزة «برنستيل الدولية» لطلاب الدكتوراة عن أبحاثهم المتميزة في مجال علوم الحياة الجزيئية، وهي مبادرة مشتركة بين صندوق «ماكس برنستيل» ومعهد أبحاث علم الأمراض الجزيئية (IMP)، وقد شهدت منافسة استثنائية قوية، إذ بلغ عدد الترشيحات أكثر من 100 ترشيح من مؤسسات في أوروبا وأمريكا وآسيا.

ومن جانبه علَّق محمد سلامة -الأستاذ المساعد في كلية طب جامعة المنصورة، والزميل الباحث الزائر في معهد ترينيتي لعلوم الأعصاب وفي كلية ترينيتي لعلم الشيخوخة الطبي في دبلن، أيرلندا- على البحث قائلًا: "إنه سيغير قواعد العمل في المجال تمامًا، ويجيب عن الكثير من الأسئلة التقنية والعملية، وسيكون له مردود قوي".

ويشرح "سلامة" -الذي لم يشارك في البحث- أنه يفسر اللغز الذي كان يواجهه العلماء في مجال الطب الحيوي؛ إذ كان التصور في الماضي أن إسكات الجين أو إزالته من شأنه أن يؤدي إلى النتيجة ذاتها، غير أن ما لاحظوه هو أن إسكات الجين أو تثبيطه يؤدي إلى نتائج أقوى من إزالته بالكامل.

"هذا البحث يرد على هذا السؤال، فآلية التعويض الجيني تعمل في حالة إزالة الجين وكأن شيئًا لم يحدث، في حين يظهر التأثير بقوة عند تثبيط الجين"، وفق "سلامة"، مشيرًا إلى إمكانية استغلال هذا الآلية في العلاجات الجينية في المستقبل.

 الأمر ذاته الذي شدد عليه "البرلسي"، الذي قال "للعلم" إنه يتطلع على المدى البعيد إلى دراسة كيفية استغلال هذا الاكتشاف في علاج بعض الأمراض الوراثية، مثل متلازمة مارفان، وأنيميا البحر المتوسط من نوع بيتا، ومرض التليف الكيسي ، وبِيلَة الفينيل كيتون (PKU).

ومن المقرر أن يحضر الفائزون ندوة فيينا بيوسنتر لدراسات الدكتوراة من 7 إلى 8 نوفمبر المقبل، إذ سيعرضون أبحاثهم أمام جمهورٍ دولي من علماء الأحياء المميزين، كما سيتلقى كل منهم كأسًا، وشهادة وجائزة نقدية بقيمة ألفي يورو.