نداءات متعددة رفعها عدد من الصيادين والسكان المحليين لإنقاذ بحيرة قارون وما تحويه من كائنات بحرية من تداعيات التلوث المرتفع الناجم عن تحوُّل ثالث أكبر بحيرة في البلاد إلى مكب لمخلفات الصرف الزراعي المحملة بالمواد الخطرة كمادة الإستكرينين السامة، وهو ما قضى على الأسماك التي تشكل مصدر الرزق الرئيسي للكثير من الأسر.

إن التدهور في نوعية المياه في تلك البحيرة وغيرها من البحيرات قد شجع فريقًا علميًّا من الجامعة المصرية اليابانية للتكنولوجيا والمعلومات على إنشاء محطة لتنقية مياه الصرف الصحي باستخدام تقنية "الإسفنج المعلق" في محافظة "الفيوم" بصعيد مصر.

وتم تجهيز المراحل الأولى من المحطة، ويُنتظر بدء التشغيل الفعلي في سبتمبر القادم. المحطة هي ثمرة لسلسة أبحاث أجراها على مدى 10 سنوات، الدكتور أحمد توفيق، رئيس قسم الهندسة البيئية في الجامعة. كان هدفها الحد من التلوث وإنتاج مياه مطابقة للكود المصري واستخدامها في الري.

فبعد نجاحه في عمل وحدة لمعالجة المياه على بحيرة مريوط بمنطقة برج العرب في مصر، تمكن الفريق من الحصول على دعم مالي من أكاديمية البحث العلمي ومحافظ الفيوم قدره ,52 مليون جنيه مصري، لتنفيذ النموذج الثاني من المحطة في قرية "العادل" إحدى أفقر قرى الفيوم. الهدف هو تنقية 400م3 من مياه الصرف الصحي يوميًّا، ثم إعادة استخدامها في الري.

يبدأ تشغيل المحطة ذات المعالجة الثلاثية في شهر أغسطس القادم، وتتميز بقدرتها على الحفاظ على عناصر الفوسفات والسماد العضوي بها لتكون صالحة للزراعة، فضلاً عن فصل المعادن وتنقية المياه من محتواها من الفيروسات والبكتيريا.

صرف صحي مميت

يأتي إنشاء المحطة كجزء من استراتيجية وضعتها وزارة البيئة لتحسين نوعية المياه على مستوى الجمهورية، واستجابةً للوضع البيئي المتردي الذي وصلت إليه البحيرة إما بسبب غياب شبكات الصرف الصحي أو ضعفها، كما جاء في تقرير حالة البيئة لعام 2015.

 ويشير التقرير الذي أعده برنامج الرصد البيئي للبحيرات إلى أن تلوث البحيرة بمياه الصرف الصحي أسهم في انتشار أنواع من البكتيريا التي تقطن القولون والكلية، مما قد يتسبب في العديد من الأمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد والإسهال الشديد والالتهاب الكبدي.

وحول التقنية المعتمدة  يقول أحمد توفيق -الباحث الرئيسي والحاصل على جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب بالمملكة الأردنية الهاشمية في مجال معالجة المخلفات عام 2015-: إن هذه المحطة تعتمد على استخدام إسفنج بولي يوريثان "Polyurethane" رخيص الثمن، ويُنتَج محليًّا في مصر.

ويتابع لـ"للعلم": "إن الإسفنج المستخدم يحتوي على عدد ضخم من الثقوب، والتي تُعَد "بيوتًا" لبكتيريا هوائية مثل "هيتيروتروفك" التي تتغذى على الملوثات العضوية وغير العضوية الموجودة في الماء فتنظفه، و"أوتو ترافيك" وهي تلك التي  تتغذى على الأمونيا وتخرج نترات الأمونيوم التي تعد سمادًا زراعيًّا جيدًا".

وما يميز المشروع -على حد وصف توفيق- أن زمن مكوث البكتيريا في الإسفنج المُنَشَّطة يتراوح ما بين 200 يوم إلى 300، وهو ما يعطي عمرًا أطول لفاعلية الجهاز في تنظيف الماء، فيما يتراوح عمر البكتيريا في المحطات التقليدية من 3 أيام إلى 4، إضافة إلى انخفاض تكلفته عن المرشحات التقليدية والتي تصل تكلفتها إلى 6 ملايين جنيه مصري.

ويوضح توفيق أن استخدامات المرشح الإسفنجي الهوائي تمتد لتشمل معالجة الصرف الصناعي لمصانع الأغذية وغيرها ومعالجة الصرف الزراعي لإعادة استخدام المياه المنقاة في الزراعة مرة أخرى.

 وخرج المشروع  كثمرة تعاون بين الجامعة المصرية– اليابانية للعلوم والتكنولوجيا وجامعة طوهوكو اليابانية والهيئة العربية للتصنيع، وبتمويل من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، كما لاقى ترحيبًا وتعاونًا من أهالي القرية، إذ  قام أحد الأهالي  بالتبرع بقطعة أرض مساحتها 400 متر مربع لإقامة المحطة.

وبالفعل أجرى الفريق البحثي عمليات جمع لعينات من مياه الصرف الصحي بالقرية وتحليلها بمعامل الجامعة، وأظهرت النتائج إمكانية استخدام المرشح الإسفنجي الهوائي المعلق فى معالجة مياه الصرف بالقرية بكفاءة عالية وإنتاج مياه يمكن استخدامها فى الري. كما تم استخدام هذه النتائج فى إعداد التصميم المناسب لتشييد المحطة بالقرية. كما تم تحليل عينات للتربة حتى يتم التأكد من صلاحية الأرض لإقامة المحطة.