قبل نحو 37 عامًا، أقرت منظمة الصحة العالمية أول لقاح لفيروس الالتهاب الكبدي "بي"، ينجح بنسبة 95% في الوقاية من العدوى التي تؤدي إلى الإصابة بالمرض المزمن وسرطان وتليف الكبد.

ورغم فاعليته، لا يزال لقاح فيروس "بي" غير متوافر لدى كثير من الأطفال في البلدان النامية، نظرًا إلى ارتفاع تكلفته وضرورة توافُر ظروف تبريد ملائمة لحفظه وتخزينه، كما يُعرف بآثاره الجانبية مثل الاحمرار والألم في موضع الحَقن، ما يسبب إزعاجًا للصغار والكبار.

ولعدم توافر اللقاح، وصلت معدلات تفشي التهاب الكبد "بي" إلى أعلى مستوياتها في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وشرق آسيا، حيث تتراوح نسبة المرضى المصابين إصابات مزمنة بهذا الالتهاب بين 5 و10% من مجموع السكان البالغين، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. كما أن هناك معدلات عالية للعدوى المزمنة في منطقة الأمازون والأجزاء الجنوبية من أوروبا الشرقية والوسطى، أما في منطقة الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية فإن هذه النسبة تقدر بنحو 2 إلى 5% من مجموع السكان، في حين تقل في أوروبا الغربية وشمال أمريكا عن 1% من السكان. لهذه الأسباب وغيرها، يختبر علماء الفيزياء في جامعة كوبنهاجن الدنماركية -بالتعاون مع زملائهم في جامعة ساو باولو البرازيلية- لقاحًا يؤخذ عن طريق الفم، لالتهاب الكبد الوبائي "بي"، في تجارب سريرية تُجرى حاليًّا على البشر.

تقنية النانو

في الدراسة التى نُشرت تفاصيلها بدورية "ساينتفك ريبورتس" العلمية، استعان الفريق بتقنية النانوتكنولوجي لإمكانية تطوير لقاح جديد يؤخذ عن طريق الفم (فموي)، دون أن يتم تدميره بواسطة حموضة المعدة.

ويُعد أحد التحديات الرئيسية التي كانت تقف عقبةً أمام تطوير لقاح فموي هو إيجاد مادة مناسبة لتغليف جرعته، وبإمكانها أن تتحمل الظروف القاسية لنظامنا الهضمي، بحيث تحميه من التدمير بفعل حموضة المعدة قبل أن يصل إلى وجهته المقصودة، وهي الجهاز المناعي.

تغلب فريق البحث على هذا التحدي، بعد أن وجد ضالته المنشودة في مادة السيليكا SBA-15 لتغليف اللقاح، لكنهم لم يعرفوا بالضبط الآلية العلمية لعملية الحماية هذه.

اللقاح الجديد عبارة عن غلاف نانومتري من مادة السيليكا يبلغ قطره حوالي 10 نانومترات، ويشبه في تكوينه قرص العسل، وبداخله مستضد سطحي لفيروس التهاب الكبد "بي" HBsAg)).

ولمراقبة آلية عمل اللقاح الجديد، استخدم فريق البحث تقنيةً خاصة تجمع بين التصوير بالأشعة السينية والتصوير النيوتروني، وتمكنوا من التقاط صور ثلاثية الأبعاد 3D من داخل مادة السيليكا التي تغلف اللقاح؛ إذ أتاحت تلك الصور للباحثين رؤية كيف يتصرف اللقاح داخل مادة السيليكا.

هيلويزا بوردالو، أستاذ الفيزياء بمعهد نيلز بور في جامعة كوبنهاجن، والباحثة الرئيسية في الدراسة، قالت إن لقاح فيروس "بي" الفموي له العديد من الميزات الجذابة مقارنةً باللقاحات الوريدية، التي يمكن أن تكون غير آمنة بالنسبة للمواليد بسبب ظروف التخرين، خاصةً في البلدان الفقيرة، فضلًا عن أنها تسبب أيضًا آثارًا جانبية مثل التورم والالتهاب في موقع الحَقن.

واعتبرت -في تصريحات لـ"للعلم"- أن أهمية اللقاحات التي تؤخذ عن الطريق الفم تكمن في طريقة الإدارة الأسهل، التي تخفض تكاليف اللقاح بشكل كبير، لكن البروتينات النشطة للقاح غالبًا لا تتمكن من إنتاج استجابة مناعية حينما تدخل إلى الجهاز الهضمي، لذلك، ركزنا على اختيار مركبات توصيل قادرة على حماية اللقاح من ظروف المعدة، وفق قولها.

ويُعد الالتهاب الكبدي عدوى خطيرة تصيب الكبد، وتسببه عدة فيروسات مختلفة، من أبرزها فيروس "بي"، ويمكن أن تصبح العدوى بهذا الفيروس مزمنة، إذا استمرت لأكثر من 6 أشهر، ما يزيد من مخاطر تطور المرض ويؤدي إلى فشل الكبد أو إصابته بالسرطان أو تليفه.

ويحتفل العالم باليوم العالمي لالتهاب الكبد 28 يوليو، لتعزيز الجهود الوطنية والدولية المبذولة لمكافحة المرض، ويوافق هذا اليوم ذكرى ميلاد العالِم الأمريكي "باروخ بلومبرج" الحائز جائزة نوبل، والذي يعود إليه الفضل في اكتشاف فيروس التهاب الكبد "بي" وتطوير اختبار لتشخيصه ولقاح مضاد له.

ويُعد الرضع والأطفال الأكثر عرضةً لخطر الإصابة بالالتهاب الكبدي "بي"، ولكن يمكن للتطعيم أن يقيهم هذا الخطر، لذا توصي منظمة الصحة العالمية بإعطاء الطفل اللقاح المضاد في غضون 24 ساعة من الولادة. ويحصل الرضع على جرعتين إلى 3 جرعات؛ لاستكمال السلسلة الأولية من هذا اللقاح، وينتج عن ذلك مستويات أضداد واقية لدى أكثر من 95% من الرضع، والأطفال، وصغار البالغين، وتدوم الحماية مدةً لا تقل عن 20 عامًا، وقد تستمر طيلة العمر على الأرجح.

وتنصح المنظمة بإعطاء لقاح فيروس "بي" للأطفال والمراهقين الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة ولم يسبق لهم التطعيم، إذا كانوا يعيشون في بلدان تشهد توطنًا منخفضًا أو متوسطًا للفيروس. كما تنصح بإعطائه للأشخاص المعرضين لخطر عدوى الفيروس، وهم المحتاجون إلى الدم أو مشتقاته بشكل متكرر، والمرضى الخاضعون لعمليات غسل الكلى، والخاضعون لعمليات زرع الأعضاء، بالإضافة إلى نزلاء السجون، ومتعاطي المخدرات بالحقن، والمخالطين للمصابين بعدوى فيروس "بي"، والعاملين في الرعاية الصحية، والمسافرين الذين لم يستكملوا سلسلة التطعيم المضاد للفيروس.

تجارب سريرية

في التجارب التي أُجريت على الحيوانات، أظهرت الصور ثلاثية الأبعاد التي جرى التقاطها للقاح الفموي الذي يجري تطويره الآن أن غلاف السيليكا يحمي اللقاح من حموضة الأمعاء، إذ وصلت الجرعة إلى الجهاز المناعي وقامت بدورها في التحصين، دون أن تتأثر بالعمليات التي تجري في الجهاز الهضمي. وخلص الباحثون إلى أن اللقاحات المغلفة بالسيليكا تجمع بين مزايا التحصين وسهولة تناولها عن طريق الفم.

وعن سبب اختيار مادة السيليكا لتغليف اللقاح، أوضحت "بوردالول" أن السيليكا تتميز باستقرار هيكلها وسُمِّيَّتها المنخفضة، لذلك تُعَد وسيلةً واعدة لتوصيل اللقاحات عن طريق الفم، كما أن إحدى الفوائد المهمة لهذه المادة هي القدرة على التحكم في توزيع كمية اللقاح بداخلها.

من جانبه، أوضح إيهاب فاروق القاضي" -أستاذ الكيمياء الصيدلية المساعد بكلية الصيدلة، جامعة القاهرة- أن تركيبة اللقاحات تتكون من بروتينات تتحول إلى أحماض أمينية، ولو تم أخذها عن طريق الفم، في صورة أقراص أو كبسولات، فسيعتبرها الجسم نوعًا من الغذاء، ويتعامل معها على هذا الأساس؛ فهناك إنزيمات في الجهاز الهضمي دورها تكسير البروتينات التي تدخل المعدة، وتحويلها إلى أحماض أمينية كي يمتصها الجسم، وهذا ما يَعوق فكرة إعطاء اللقاحات في صورة أقراص تؤخذ عن طريق الفم؛ لأن الجهاز الهضمي يقوم بتكسير البروتينات الموجودة باللقاح، والتي تحفّز إنتاج أجسام مضادة في الجسم؛ لإنشاء الحماية التطعيمية المضادة لتكوّن المرض.حات، عبارة عن كبسولات مغلفة بمادة السيليكا لحماية البروتينات في اللقاح، بحيث تدخل الجهاز الهضمي دون أن يتم امتصاصها أو تكسيرها.

 4 محددات لنجاح اللقاح

يقول خالد أبو شنب -أستاذ الميكروبيولوجي والمناعة، كلية الصيدلة بجامعة عين شمس-"إن نتائج الدراسة واعدة؛ لأنها ركزت على دراسة تركيبة صيدلانية جديدة من ناحية وجود البروتين اللقاحي، ومدى ثباته داخل كبسولات السيليكا، ما قد يُسهم في تطوير لقاح فموي، يكون أكثر أمانًا من الحقن، ولا ينطوي على تعقيدات كبيرة في عملية التصنيع والتعقيم الكامل كما يحدث في اللقاحات المصلية، وهذا ينعكس بالطبع على التكلفة الفعلية للقاح، ويجعله أرخص وأسهل من حيث الاستخدام والانتشار".

وأشار إلى أن ما يميز اللقاح الفموي عن مثيله الذي يؤخذ عبر الحقن، هو أنه يقوم بتنشيط المناعة الموضوعية في الأمعاء، وتكوين الأجسام المضادة من نوع IgA، وهي خط الدفاع الأول ضد العدوى، عن طريق تثبيط الالتصاق البكتيري والفيروسي للخلايا الظهارية، وبتحييد السموم البكتيرية والفيروسات خارج الخلية وداخلها، بالإضافة إلى تنشيط المناعة المصلية في الدم وتكوين الأجسام المضادة من نوع IgG وIgM.

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أن نجاح هذا اللقاح يتوقف على 4 محددات: أولها مدى فاعلية هذه التركيبة وثباتها داخل جسم الإنسان، ويتضح ذلك بعد ظهور نتائج الدراسات السريرية التي يُجريها فريق البحث؛ لأن النتائج تختلف بالطبع من الحيوانات إلى البشر.

وأوضح أن ثاني المحددات هو دراسة مدى قدرته على إنتاج نوعين من الأجسام المضادة هما مضادات الجلوبولين المناعي IgM، وهذا الجسم المضاد غير قادر على الانتشار والوصول إلى جميع خلايا الجسم، وذلك بسبب ضخامة حجمه، وتصل نسبته في الدم إلى 8%، كما أنه أول جسم مضاد ينتج في جسم الجنين، وكذلك مضادات الجلوبولين IgG ، وهذا النوع يحتل حوالي 80% من كمية الأجسام المضادة في الدم، ويمتاز بقدرته الفائقة على الانتشار بين الأنسجة، بالإضافة إلى الأجسام المضادة من نوع IgA، وهى بدورها متوافرة بصورة كبيرة في كلٍّ من الدم، وإفرازات الجسم المختلفة مثل العرق والدموع، والإفرازات التنفسية، والهضمية، والتناسلية، كما أنّها متوافرة في حليب الأم لحماية الرضيع من الأمراض خلال المراحل الأولى من عمره.

وأوضح أن المحدد الثالث هو دراسة فاعلية هذا التطعيم الفموي وقدرته علي استحداث المناعة الخلوية cellular immunity وتنشيطها، بالإضافة إلى المناعة المصلية المنتجة للأجسام المضادة Humoral immunity، وأخيرًا مقارنة هذا اللقاح بمثيله المستخدم حاليًّا عن طريق الحقن من حيث الفاعلية، ودراسة مدى الاحتياج إلى جرعات منشطة booster doses من عدمه، كما هو الحال في اللقاح التقليدي.

وشدد "القاضي"  -في تصريحات لـ"للعلم"- على أن اللقاحات الفموية قد تكون أكثر أمانًا، ويفضلها قطاع كبير من البشر، وخاصةً بالنسبة للسيدات والأطفال، ومَن يعانون من "فوبيا" الحقن، وهذا بالطبع سيزيد من معدلات انتشار اللقاحات؛ لأن وجود أكثر من شكل صيدلي للقاحات ميزة إضافية، تُرضي قطاعًا واسعًا من الأشخاص، كما أن الأدوية الفموية غالبًا ما تكون الأسهل من حيث الاستخدام

ويرى "أبو شنب" أن ما توصل إليه الفريق بادرة جيدة، وقد تكون مقدمةً للتوصل إلى لقاحات متنوعة تؤخذ عن طريق الفم، ليس فقط لفيروس الكبد "بي"، بل لفيروسات أخرى متعددة تهاجم الجسم؛ لأن اللقاحات التي تؤخذ عن طريق الحَقن ربما تؤدي إلى آثار جانبية مزعجة، منها الحساسية في مكان الحَقن، والاحمرار والتورم.

وهو ما أكدته "بوردالو"، قائلةً: إن نتائج الدراسة تسهم بشكل كبير في تطوير أشكال أخرى من اللقاحات التي تؤخذ عن طريق الفم، بدلًا من الحقن، وتعطينا المزيد من المعلومات التي تساعدنا على فهم الدراسات السريرية حول اللقاحات الفموية، إذ يُجري الفريق تجارب سريرية متقدمة على البشر، باستخدام هذا اللقاح في معهد بوتانتان في البرازيل.

ووفق "بوردالو"، يعمل فريق البحث حاليًّا على لقاح فموي ضد مرض الدفتيريا، كما يهدف الفريق إلى تطوير لقاح فموي مركّب يستهدف 6 أمراض خطيرة في آنٍ واحد وبجرعة واحدة، هي: الدفتيريا، والتيتانوس، والسعال الديكي، وشلل الأطفال، ومرض المُسْتَدْمِيَة النَّزْلِيَّة -بكتيريا مسؤولة عن الالتهاب الرئوي الشديد والتهاب السحايا- والتهاب الكبد "بي"، وذلك بمنحة مقدمة من مؤسسة دعم البحوث في ولاية ساو باولو البرازيلية، لمدة 5 سنوات.