توجد "بكتيريا الإشريكية القولونية" E. coli بصورة طبيعية في أمعاء البشر والحيوانات، ولا تسبب أغلب أنواعها مشكلات صحية كبيرة، غير أن السلالة (O157:H7) تمثل خطورة شديدة حال وجودها في الطعام والشراب، وتُعَد تلك السلالة المعروفة بالإشريكية القولونية المنتجة لذيفان الشيغا أحد الأنواع التى يمكن أن تسبب أمراضًا وخيمة حال انتقالها إلى البشر عبر الأغذية الملوثة.

وتنتقل هذه الجرثومة في المقام الأول عن طريق منتجات اللحوم المفرومة النيئة أو غير المطهوة جيدًا، والحليب النيئ، والخضراوات والبراعم النيئة الملوثة، وتسبب التهاب القولون النزفي الذي يبدأ بإسهال مائي وألم شديد في البطن ويتقدم فيما بعد بسرعة إلى براز دموي. لذا فإن ابتكار تقنية قادرة على رصد هذا النوع من البكتيريا في الطعام أو في الماء يمثل نهجًا وقائيًّا في غاية الأهمية، على المستويين الصحي والاقتصادي.

وهذا ما سعى إلى إنجازه فريق بحثي مصري -إسباني مشترك، عمل على ابتكار تقنية جديدة، تشبه اختبار الحمل عند السيدات، للكشف عن وجود أو عدم وجود أخطر سلالات بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) في عينات اللحوم والمياه.

وخلال الدراسة التي شارك فيها الباحث عبد الرحيم حسن –الأستاذ المساعد بقسم سلامة وتكنولوجيا الأغذية بكلية الطب البيطري جامعة بني سويف في مصر- مع الباحثين "خوسيه فرانسيسكو بيرجوا" و"إيدن موراليس نارفيز" و"آربن مكوسي" من "المعهد الكاتالاني للعلوم النانوية وتكنولوجيا النانو" في إسبانيا، ونُشرت نتائجها في يونيو الماضي في دورية "فود كيميستري" Food Chemistry ، استخدم الفريق البحثي نوعًا جديدًا من اختبارات التدفق الجانبي Lateral flow assay"" يعتمد على رصد واستشعار نوع واحد من الأجسام المضادة، وذلك للكشف عن ميكروب الإشريكية القولونية O157 في لحوم البقر ومياه الأنهار.

اختبارات التدفق الجانبي

وتستخدم اختبارات التدفق الجانبي خاصية "الأنابيب الشعرية"، التي تعني انتقال السائل من الأسفل إلى الأعلى، والنموذج الأشهر لها في الطبيعة هو انتقال الماء في النباتات من الجذور إلى الأوراق، وتستخدم هذه التكنولوجيا بوليمرات ذات بنية مجهرية وأخرى متلاصقة المسام، بما يساعد على نقل السوائل من أسفل إلى أعلى، إذ تلتصق في أثناء الانتقال بالجسيمات التي يتم استخدامها للكشف عن وجود أو غياب المادة المطلوب تحليلها، والشكل الأشهر لها هو اختبارات فحص الحمل المنزلية.

ويقول "حسن" في تصريحات لـ"للعلم": "استخدمنا في هذه التقنية الجديدة التي تم تسميتها بـ"فلفيا" (FLFIA) شريطًا مصنوعًا من بوليمرات السيليلوز والنيتروسيليلوز تكون مسامه ضيقة جدًّا حتى تسمح بمرور المواد الدقيقة بسرعات معينة تتيح لمواد الاختبار -وهي الأجسام المضادة والنقاط الكمومية (quantum dots) وأكسيد الجرافين (Graphene oxide)- أداء دورها في الكشف عن سلالة (O157:H7)، إذ يتكون هذا الشريط من ثلاث منصات (pads)، منصة مكونة من مادة السيليلوز توضع عليها العينة، ومنصة ثانية في وسط الشريط تحمل مواد الاختبار في شكل خطين وتحدث بها التفاعل، وهي مكونة من مادة النيتروسيليلوز، ومنصة ثالثة ماصة مكونة من السيليلوز أيضًا وتساعد على تدفق سائل العينة نحو الجانب الآخر من شريط الاختبار".

استخدم الباحث عبد الرحيم حسن، وفريقه البحثي نوعًا جديدًا من اختبارات التدفق الجانبي يعتمد على رصد واستشعار نوع واحد من الأجسام المضادة، وذلك للكشف عن ميكروب الإشريكية القولونية O157 في لحوم البقر ومياه الأنهار.

أما النقاط الكمومية المستخدمة في الاختبار فهي بلورات نانوية بقطر يتراوح بين 2 إلى 10 نانومترات، وهي مكونة من مئات إلى آلاف الذرات وتصنع من مواد شبه موصلة مثل السيليكون وكبريتيد الكادميوم وسيلينيد الكادميوم، ويتم ربطها بنوع واحد من الأجسام المضادة لسلالة (O157:H7) من بكتيريا الإشريكية القولونية، وهذه البلورات النانوية مضيئة بطبيعتها، ولكن في وجود أكسيد الجرافين على مسافة قريبة منها (20 نانومترًا أو أقل) يحدث انتقال للطاقة غير الإشعاعية بين المادتين، مما يؤدي الى انطفاء الضوء الخارج من النقاط الكمومية، وهذه هي الفكرة الرئيسية التي قامت عليها هذه الدراسة.

ويوضح "حسن" آلية استخدام هذه التقنية قائلًا: "يتم تحضين عينة اللحوم أو المياه لمدة 3 ساعات في وسط مغذٍّ للبكتيريا، للوصول إلى أعداد تسمح بالكشف عنها، ثم يتم وضع شريط الاختبار في هذا الوسط المغذي للبكتيريا لتتدفق العينة من خلال شريط الاختبار، وفي حال وجود البكتيريا تتدفق من خلال شريط الاختبار حتى تصل إلى الأجسام المضادة المتراصة في شكل خطين في طبقة النيتروسيليلوز لتمسك بها الأجسام المضادة، وهنا تشكل البكتيريا عازلًا بين بلورات النقاط الكمومية المضيئة وأكسيد الجرافين، فلا يحدث انتقال للطاقة بينهما، فلا يتم إطفاء وميض تلك البلورات، بل يتناسب وميضها طرديًّا مع عدد البكتيريا الموجودة في العينة، أما في حال عدم وجود البكتيريا، فلا يوجد بالتالي عازل بين بلورات النقاط الكمومية وأكسيد الجرافين، وبالتالي يطفئ الأخير وميضها".

اختبارات شبيهة

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استخدام أسلوب "اختبار التدفق الجانبي" للكشف عن سلالة (O157:H7) من بكتيريا الإشريكية القولونية، ولكن الاختلاف أن الاختبار الحالي استطاع اختصار الوقت وخفض التكلفة، عند مقارنته بالاختبارات الشبيهة التي استخدمت جزيئات الذهب النانومترية.

أحد هذه الاختبارات الشبيهة تم الإعلان عنه من خلال دراسة قادها "كريس لو"، أستاذ السموم التحليلية والبيئية بجامعة ألبرتا الكندية، ونُشرت في 22 مارس من عام 2010 بدورية "أمريكان كيميكال سوسايتي"American Chemical Society.

واستطاع "لو" وفريقه البحثي ربط الأجسام المضادة لهذه السلالة من بكتيريا الإشريكية القولونية بجزيئات الذهب النانوية للوصول إلى حساسية في الكشف عن البكتيريا وصلت إلى 500 خلية في 1 مل من العينة (500CFU /mL).

واستُخدمت جزيئات الذهب أيضًا عن طريق فريق بحثي هندي قاده "كوروفيلا جوزيف"، من قسم الكيمياء بالمعهد الهندي للعلوم والتكنولوجيا، إذ جرى توظيفها للكشف عن السلالة الخطيرة نفسها من البكتيريا في عينة بول المرضى الذين يعانون من التهابات المسالك البولية، ونشروا بحثًا عن هذا الإنجاز في 19 يونيو من عام 2015 بدورية "سينسينج آند بيو سينسينج ريسيرش" " (Sensing and Bio-Sensing Research).

ثلاث مزايا

ورغم أن هذه الاختبارات حققت نتائج إيجابية في الكشف عن هذه السلالة البكتيرية، إلا أن تقنية فلفيا الجديدة تميزت عنها بثلاث مزايا مهدت الطريق لنشر بحث عنها في واحدة من كبريات الدوريات العلمية، كما يؤكد الباحث عبد الرحيم حسن.

ويقول "حسن": "أولى المزايا في التكلفة، إذ تستخدم طريقة جزيئات الذهب ثلاثة أنواع من الأجسام المضادة للبكتيريا للكشف عنها، أما التقنية الجديدة فمصممة لتحقيق غرض الكشف عن البكتيريا باستخدام نوع واحد فقط من الأجسام المضادة، ما يؤدي إلى تخفيض في التكلفة عن طريق التقليل من كميات جزيئات الذهب المطلوبة بحوالي 60%، وثانية المزايا تتعلق بحساسية الكشف، التي تصل إلى 133 خلية لكل مل من العينة، في حين لا تتمكن طريقة جزيئات الذهب من الكشف عن البكتيريا إلا إذا كان العدد يتراوح بين 10 آلاف إلى 100 ألف لكل مل".

ويضيف: "ترتبط الميزة الثالثة بالحساسية العالية للتقنية الجديدة أيضًا، إذ خفضت عدد ساعات تحضين العينة إلى 3 ساعات بدلًا من 12 ساعة في حالة اختبارات التدفق الجانبي المعتمدة على جزيئات الذهب النانومترية". وهذا يعني أن العينة لو احتوت على خلية واحدة لكل مل فإنه بتحضين العينة لمدة 3 ساعات تصل البكتيريا بالانقسام إلى العدد الذي يُمكِّن تقنية (فلفيا) من الكشف عنها.

ليس كافيًا

وتثير هذه التقنية الجديدة تساؤلًا عند كمال أبو العزم، أستاذ أمراض الدواجن بكلية الطب البيطري جامعة المنصورة، يتعلق بالمقارنة بينها وبين الطرق التقليدية التي تعتمد على عزل البكتيريا على مستنبتات وتحضينها، أو تلك التي تعتمد على استخدام جهاز تفاعل البلمرة المتسلسل أو البي سي آر ( (PCR.

يقول "أبو العزم" في تصريحات لـ"للعلم" : "كما أن اختبار الحمل المعتمد على تقنية التدفق الجانبي لا يتم الاعتماد عليه بمفرده دون تأكيد نتيجته عبر اختبارات أخرى تقليدية يُستخدم فيها جهاز السونار، فإن مثل هذه الوسائل الحديثة للكشف عن هذه السلالة من الإشريكية القولونية قد تحتاج إلى تأكيد عن طريق اختبارات العزل، أو تلك التي تعتمد على جهاز تفاعل البلمرة المتسلسل".

ويضيف: "في هذه الحالة ستكون قيمة هذا الاختبار فقط هي إعطاء نتيجة سريعة تحذيرية قبل السماح بتداول اللحوم تجاريًّا، ولكن ذلك لا يغني عن تأكيد النتيجة بواسطة "الاختبار التقليدي"، وبالتالي سيزيد ذلك من تكلفة الاختبار في الوقت الذي تسعى فيه التقنية الجديدة لخفض التكاليف".

ويطرح محمد سيد -الأستاذ بقسم الرقابة الصحية على الأغذية بكلية الطب البيطري بجامعة أسيوط- تساؤلًا آخر يتعلق بمدى إمكانية تعميم استخدام الطريقة للكشف عن سلالة (O157:H7) من الإشريكية القولونية في بعض المحاصيل الغذائية.

وقال "سيد" في تصريحات لـ"للعلم": "صحيح أنها توجَد بشكل كبير في منتجات اللحوم وفي المياه، ولكنها يمكن أن تنتقل إلى المحاصيل التي رويت بمياه تحتوي عليها، أو التي استُخدم في الأراضي التي زُرعت فيها سماد حيوي مصدره ماشية لديها هذه السلالة الخطيرة من البكتيريا".

فارق كبير

ولا يجد "حسن" صعوبةً في الإجابة عن هذه الاستفسارات، مؤكدًا أن تقنية FLFIA الجديدة كافية، ولا تحتاج إلى تأكيد بوسائل أخرى تقليدية.

ويقول: "هناك فارق كبير بين اختبار الحمل والاختبار بالتقنية الجديدة على الرغم من أنهما يعتمدان على اختبارات التدفق الجانبي؛ لأن الأول يستكشف الحمل من خلال هرمون HCG الذي تفرزه خلايا المشيمة في حالة الحمل، ولكن هذا الهرمون يمكن أن يُفرز لدى السيدة لأسباب أخرى، مثل وجود بعض أنواع الأورام السرطانية أو في حالات الحمل خارج الرحم مثلًا، أما اختبار تقنية فلفيا فيبحث عن البكتيريا نفسها، لذلك فإن احتمالات الخطأ ضئيلة جدًّا".

ووفق المعايير العالمية التي وضعتها "الأيزو" فإن "اختبار العزل التقليدي" الذي أشار إليها "أبو العزم" يحتاج إلى مدة لا تقل عن ثلاثة أيام للكشف عن وجود الميكروب في العينة، وفيما يتعلق بالاختبار من خلال جهاز تفاعل البلمرة المتسلسل أو البي سي آر ((PCR فإنه يحتاج إلى متخصصين على درجة عالية من الكفاءة لإجراء الاختبار من خلال الجهاز، بالإضافة إلى تجهيزات معملية عالية التكلفة، فضلًا عن أن الجهاز نفسه ثمنه مرتفع جدًّا.

ويضيف أن "التقنية الجديدة فضلًا عن أنها سريعة وتكشف عن وجود البكتيريا خلال مدة 3 ساعات، هي المدة المطلوبة لتحضين العينة، وهي المدة نفسها التي يكشف خلالها جهاز البي سي آر عن وجود البكتيريا من عدمه، فإنها من ناحية أخرى ستكون رخيصة السعر عند طرحها تجاريًّا؛ لأن المواد المستخدمة في إعدادها منخفضة التكلفة، بالإضافة الى أنها طريقة بسيطة وغير معقدة ويمكن أن يستخدمها غير المتخصصين".

وتجري حاليًّا مفاوضات بين "المعهد الكاتالاني للعلوم النانوية وتكنولوجيا النانو" بإسبانيا وأكثر من شركة للخروج بتقنية فلفيا إلى التطبيق. أما عن إمكانية تعميم الطريقة للكشف عن سلالة البكتيريا في بعض المحاصيل الغذائية، فلا يوجد ما يمنع ذلك، كما يؤكد "حسن".

ويقول: "استخدمنا اللحوم والمياه كنموذجين، ولكن الطريقة ذاتها يمكنها الكشف عن وجود سلالة (O157:H7) في أي محصول، مشددًا على أن هذا التطبيق سيكون مهمًّا جدًا؛ لأن بعض الدول قد ترفض استيراد أي محاصيل إذا أُجريت اختبارات فكشفت عن وجود هذه السلالة الخطيرة فيها". وهو ما يمثل خسارة اقتصادية فادحة. وسبق أن قرر الاتحاد الأوروبي في يوليو من عام 2011 حظر استيراد بذور الحلبة من مصر، بسبب حالات تسمم ببكتيريا الإيشرشياكولاي جرى رصدها في كلٍّ من فرنسا وألمانيا.