في عام 1990، جلست أسرة مصرية أمام شاشة التلفاز لتتابع أحداث المباراة الأولى لمنتخب مصر لكرة القدم في كأس العالم ضد المنتخب الهولندي، في الدقيقة 59 تقدم الهولنديون بهدف أحرزه اللاعب ويم كيفت، تصاعد التوتر داخل تلك الأسرة البسيطة، ومعها تصاعدت مشاعر القلق والغضب، وفي الدقيقة 83 تقدم اللاعب المصري حسام حسن بالكرة إلى داخل منطقة الجزاء؛ ليعترضه لاعب هولندي وتنطلق صافرة الحكم مُعلنةً ضربة جزاء لصالح المنتخب المصري، نفذها اللاعب مجدي عبد الغني، مُحرزًا هدف التعادل.

سادت الفرحة ربوع المحروسة، باستثناء ذلك المنزل البسيط الكائن في منطقة المطرية، أحد أحياء مدينة القاهرة؛ فرب الأسرة الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 41 عامًا فقط -وهو والد كاتب هذه السطور- أصيب بأزمة قلبية؛ ففي أثناء تنفيذ ضربة الجزاء وقف مترقبًا وواضعًا كلتا يديه على رأسه، وفور دخول الكرة الشباك؛ سقط مغشيًّا عليه.

لحسن الحظ، أسهمت جهود الأطباء في إنقاذ الرجل، إلا أن آثار الأزمة القلبية لا تزال تلاحقه حتى الآن.

لكن يبدو أن هذا الرجل ليس هو الشخص الوحيد الذي عاش لحظات تعيسة من جَرَّاء متابعة تلك الرياضة التي تُعد الأكثر شعبيةً في العالم؛ إذ قالت دراسة علمية حديثة نُشرت نتائجها في دورية "ساينتفك ريبورتس" إن مشاهدة مباريات كأس العالم 2014 تسببت في تزايُد معدلات الإصابة بالأزمات القلبية في ألمانيا بنسبة 3.7٪، مقارنةً بالفترة ذاتها -من 12 يونيو إلى 13 يوليو- في العام التالي له.

لكن لحسن الحظ أيضًا، لم تتسبب تلك الأزمات في زيادة معدلات الوفيات داخل المستشفى.

وقالت الدراسة أيضًا إن المباراة النهائية بين ألمانيا والأرجنتين -والتي انتهت بفوز ألماني- كانت مصحوبةً بأعلى معدل وفيات داخل المستشفى طوال فترة كأس العالم.

أحداث عالية المخاطر

قبل أسابيع، عاشت جماهير كرة القدم لحظاتٍ مُرعبة، بعد أن سقط لاعب منتخب الدنمارك، كريستيان أريكسن، على أرضية الملعب دون سابق إنذار أو احتكاك مع لاعب آخر، جاء السقوط في الدقيقة 43 من الشوط الأول وبعد أن استنفد معظم اللاعبين طاقاتهم في المباراة التي جمعت المنتخب الدنماركي مع نظيره الفنلندي في إطار منافسات المجموعة الثانية من بطولة كأس الأمم الأوروبية.

انتقل المسعفون إلى أرضية الملعب، وطيلة 20 دقيقة كاملة، كافحوا مع اللاعب ونجحوا في إنعاش قلبه بالصدمات الكهربائية، انتقل اللاعب إلى المستشفى وسط وجوم الجميع، وأفادت التقارير أنه تعرض لنوبة قلبية في أثناء اللعب، تلك النوبات التي لم تعد تُفرق بين اللاعبين والجماهير.

فالأحداث الرياضية العادية يبدو أنها أصبحت ذات مخاطر عالية، فتلك الأحداث تُحفز مشاعر الإثارة والغضب والتوتر لدى المشجعين الذين يهتفون لفرقهم أو لمنتخبات بلدانهم.

نتائج سابقة متضاربة

تفيد نتائج مجموعة من الدراسات السابقة بأنه من المحتمل أن تزيد الأحداث الرياضية الكبيرة من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وكذا الوفيات ذات الصلة، لكن النتائج غير متسقة، ومتضاربة في معظم تلك الدراسات، ولأن كرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبيةً في ألمانيا -وفق الدراسة الجديدة التي تقول إن أكثر من 34.5 مليون مشجع شاهدوا المباراة النهائية لمنتخب بلادهم عام 2014- أراد الباحثون التحقق مما إذا كانت منافسات كأس العالم يُمكن أن تسبب زيادةً في عدد حالات الدخول للمستشفى من جَرَّاء الإثارة والانفعال المصاحب في الغالب لمشاهدة المباريات المهمة.

وبالفعل، لوحظ وجود زيادات في نسب الإصابة بالذبحات الصدرية بشكل خاص خلال تلك الفترة، لكن لم تتأثر نسب الوفيات داخل المستشفى من جرَّاء الأمراض القلبية خلال فترة كأس العالم الممتدة 31 يومًا، لكن نسبة الوفيات تزايدت خلال يوم واحد، وهو اليوم الذي أُجريت فيه مباراة ألمانيا ضد الأرجنتين.

زيادة مؤكدة

بشكل عام، دخل 71844 مريضًا باحتشاء عضلة القلب إلى المستشفى خلال الفترات الأربع: فترة كأس العالم، من 12 يونيو 2014 إلى 13 يوليو 2014، وخلال فترات المقارنة من 12 يونيو إلى 13 يوليو 2013، وكذلك من 12 يونيو إلى 13 يوليو 2015 من دون بطولات كرة القدم، وخلال فترة المقارنة الإضافية بين 14 يوليو و14 أغسطس 2014.

كان العدد الإجمالي لمرضى القلب أعلى بشكل ملحوظ خلال فترة كأس العالم مقارنةً بفترة المقارنة 2013 (18479 مقابل 18089 بزيادة في 2.1٪)، وفترة المقارنة 2015 (18479 مقابل 17794 بزيادة قدرها 3.7٪).

بالإضافة إلى ذلك، كان العدد الإجمالي لمرضى احتشاء عضلة القلب خلال فترة كأس العالم أعلى مقارنةً بالفترة بين 14 يوليو و14 أغسطس 2014 (18479 مقابل 17482 بزيادة بنسبة 5.4٪).

فيما يتعلق بالوفيات داخل المستشفى، أظهرت الدراسة أن معدل الوفيات لم يتأثر ببطولة كأس العالم 2014 مقارنةً بفترات المقارنة، على الرغم من أن الدراسات السابقة أبلغت عن زيادة في معدل وفيات الأفراد المصابين بالسكتة الدماغية وأمراض القلب التاجية المتعلقة بهزيمة ربع نهائي كرة القدم، والذي لعبت فيه هولندا ضد فرنسا وفازت فيه فرنسا بركلات الترجيح، لم تلاحَظ أي زيادة في فرنسا بسبب المباراة نفسها، والتي قد تُعزى إلى فوز فريق كرة القدم الفرنسي.

هرمونات التوتر

يقول الباحث في قسم أمراض القلب بالمركز الطبي لجامعة يوهانس- جوتنبيرج ماينز الألمانية، كريستيان كيللر، وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة، في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن فوز الفريق الألماني ربما أسهم في عدم وجود زيادات في معدلات الوفيات خلال البطولة مقارنة بفترة المقارنة.

لكن لوحظ أعلى معدل للوفيات وكذلك الحد الأقصى لإجمالي عدد الوفيات داخل المستشفى في المباراة النهائية، مما قد يشير إلى مستوى عالٍ من التوتر لدى مشجعي كرة القدم الألمانية في تلك المباراة المؤثرة للغاية بين ألمانيا والأرجنتين، والتي كان الفوز بها بعد لعب الوقت الإضافي بعد انتهاء شوطي المباراة بالتعادل لكلا الفريقين.

تقول الباحثة في مجال الصحة العامة بكلية "إيشان" بجامعة ماونت سيناء الأمريكية، تيريزا جانيفيك، وهي لم تشارك في تلك الدراسة: إن المؤثرات الاجتماعية -كالشعور بالتوتر والتمييز العنصري والسياق المعيشي- يُمكن أن تتسبب في زيادة نسب الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية، لذا لا ترى "جانيفيك" أن نتائج الدراسة يُمكن أن تكون صادمةً أو تُمثل أيّ مفاجأة؛ "فلو أجرينا تلك الدراسة في مصر مثلًا، سنجد أن مباريات كرة القدم المصيرية ستشهد مستويات عالية من الإصابة بالسكتات القلبية وأحداث القلب الوعائية المرضية"، وفق رأيها.

يُعد تحديد محفزات الإصابة بالأمراض القلبية إحدى أهم الخطوات لعلاج تلك المشكلة التي تفتك بنحو 18 مليون شخص كل عام، ويأتي مرض القلب الإقفاري، أو نقص إمداد الأكسجين في عضلة القلب -ومن ضمن ذلك الحالات الناجمة عن الإصابة بالجلطات- السبب الأكثر شيوعًا للوفاة من ضمن جميع أمراض القلب.

وعادةً ما ينجم عن ذلك المرض تلف خلايا عضلة القلب وموتها، وتسبق ذلك المرض مجموعة من المحفزات المحددة، يُمكن أن تشمل أنشطةً شائعةً كبذل المجهود واستهلاك الكحوليات، وأيضًا التعرض للتوتر، والإثارة، وزيادة الضغط النفسي، "وهي أمور تحدث بشكل نموذجي لمتابعي كرة القدم، وخاصةً في المباريات المهمة للفرق الوطنية"، على حد قول "جانيفيك" في تصريحاتها لـ"للعلم".

وتفترض الدراسة أن هرمونات التوتر المنبعثة قد تؤثر بشكل مباشر على وظائف البطانة الغشائية -وهي الخلايا المُبطنة للسطح الداخلي للأوعية الدموية- والصفائح الدموية، يكون كلاهما أكثر عرضةً للاضطراب المصحوب بمحفز تخثر الدم، ويمكن أن يؤدي إلى مزيد من تضيُّق الأوعية بالإضافة إلى زيادة التخثر.

لاعبون ومشاهدون

في دراسة سابقة نُشرت في دورية "بلوس وان"، وجد الباحثون أن مستويات هرمون التستوستيرون والكورتيزول عند المشجعين الإسبان الذين شاهدوا المباراة النهائية في بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2010 بين منتخب بلادهم ومنتخب هولندا، كانت أعلى مما هي عليه قبل يوم واحد من المباراة، وقالت تلك الدراسة إن الزيادة في إفراز هرمون التستوستيرون غير مرتبطة بجنس المشاركين أو العمر أو القاعدة الجماهيرية لكرة القدم، لكن الزيادة في إفراز الكورتيزول الكلي في أثناء المباراة كانت أعلى بين الرجال عنها بين النساء وبين المشجعين الأصغر سنًّا.

يقول "كيللر": إن زيادة هرمونات التوتر "ربما تُفسر حدوث الجلطات والسكتات الدماغية؛ إذ إن تلك الهرمونات تخنق الشرايين وتتسبب في حدوث المرض الإقفاري".

وعلى الرغم من أن الدراسة لم ترصد حالات إصابة اللاعبين بالأزمات القلبية؛ إلا أن "للعلم" تساءلت عن السبب وراء إصابة لاعب كـ"أريكسون" بتلك الأزمة على الرغم من كونه رياضيًّا مؤهلًا للتعامل مع الظروف النفسية والبدنية الشاقة.

يقول "كيللر": إنه على الرغم من أن لاعبي كرة القدم في المنتخبات الوطنية يتم فحصهم جيدًا بحثًا عن الجذور المرضية أو العلامات الفسيولوجية، وهو الفحص الذي يؤدي إلى تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية الحادة والموت القلبي المفاجئ، يتم بالفعل تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية الحادة، "ولكن بطبيعة الحال لا يتم استبعادها بالكامل".

لكن مشاهدة كرة القدم في أثناء الأحداث الرياضية الكبيرة مثل بطولة العالم لكرة القدم لا يصحبها مشاعر الإثارة فحسب، بل مشاعر الغضب أيضًا، ويمكن أن يُسهم ذلك في حدوث احتشاء عضلة القلب، "ولأن كل المشجعين غير مدربين جيدًا ولديهم جزئيًّا أمراض القلب والأوعية الدموية الكامنة، فقد يُسهم الضغط العاطفي في حدوث احتشاء عضلة القلب".

آليات افتراضية

ويقول "كيللر": إن الاقتراحات حول الآليات المرضية المُسببة للاحتشاء "لا تزال افتراضية، فالدراسة وبائية في الأساس ولم تهتم إطلاقًا بفحص الآليات"، ولكن يمكن افتراض أن إطلاق هرمونات التوتر قد يُسهم في تمزق اللويحات الحاد -وهي حالة تنجم عن تراكم الكوليسترول في الشرايين- يليه تكوين جلطة دموية عند تضيُّق الأوعية التاجية مع انسداد الأوعية الدموية، مما يؤدي إلى احتشاء عضلة القلب.

كما أن التأجيل الحادث من قِبل المرضى -نتيجة جهلهم بالأعراض- الذين يعانون من مرض الشريان التاجي المعروف والذين يطورون المظاهر الحادة لاحتشاء عضلة القلب الحاد ويعانون من أعراض نموذجية لاحتشاء عضلة القلب قد يُسبب تدهور الحالة.

لكن، هل يُمكن أن يحدث ذلك الاحتشاء في المباريات المحلية؟ أم أنه مقصور على المباريات الدولية؟

يقول "كيللر": إنه إذا كان الضغط على الجماهير مرتفعًا فيمكن أن تحدث احتشاءات عضلة القلب أيضًا في مباريات الفرق المحلية، "جرى تحديد ذلك في بعض الدراسات الأمريكية، التي أظهرت أن مباريات فريق مونتريال لهوكي الجليد كان لها تأثير على حدوث احتشاء عضلة القلب في مونتريال".

ينصح "كيللر" الجماهير -وخاصةً أولئك المصابين بمرض قلبي في الأساس- بالابتعاد عن الضغوط بشكل عام، "ومن ضمنها كرة القدم بطبيعة الحال"، كما يؤكد ضرورة الذهاب في الوقت المناسب إلى المستشفيات إذا كانت هناك أعراض نموذجية لاحتشاء عضلة القلب وعدم انتظار نهاية مباراة مباريات كرة القدم.. فربما لا تُعلن صافرة الحكم نهاية المباراة فحسب.. بل نهاية الحياة أيضًا.