انطلقت أواخر يوليو الماضي أول مهمة فضائية عربية إلى كوكب المريخ، من دولة الإمارات العربية المتحدة. وكان من المشرفين العلميين الأساسيين للمهمة بروس جاكوسكي (Bruce Jakosky)، أستاذ الجيولوجيا وعلم الكواكب بجامعة كولورادو الأمريكية بمدينة دنفر.

كانت تلك ثانيةَ المهمات التي أشرف عليها "جاكوسكي". أما الأولى فكانت المهمة الفضائية "ميفن" (MAVEN)، التي انطلقت في 2013. وكانت "ميفن" أول مهمة للمريخ لا يصممها فريقٌ من وكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا)، بل صممها بالكلية فريقٌ بحثي لدى إحدى الجامعات الأكاديمية.

والمهمتان المريخيتان، "ميفن" ومسبار "الأمل" الإماراتي، تهدفان إلى دراسة شاملة لمناخ المريخ وغلافه الجوي، فيركز الأول على الطبقات العليا من الغلاف الجوي، بينما يسعى الثاني لتوفير صورة مكتملة عن العلاقة بين الطبقات الدنيا والعليا من الغلاف الجوي.  والمهمتان معًا تتوجهان للإجابة عن سؤال يشغل "جاكوسكي" منذ عقود حول إمكانية وجود حياة خارج الأرض، بل خارج المجموعة الشمسية. ففهم الغلاف الجوي للمريخ قد يشي بوجود حياة، كما ستجد في الحوار أدناه.

في هذا الحوار أيضًا، يناقش "جاكوسكي" أهمية عقد التسعينيات في تطوُّر فهمنا للحياة على الأرض وخارجها، وكيف انتقل سؤال الحياة خارج الأرض ليصبح مركز أبحاث الفضاء، ثم يقدم الباحث تخمينه عن الحيز الزمني الذي سنحصّل خلاله إجابة شافية عن الحياة على المريخ. ولا يفوت "جاكوسكي" أن يعقِّب على بعض الخرافات عن المريخ، التي أصابته -أو ربما لم تصبه- بالإحباط.

ولجاكوسكي، المولود في العام 1955، كتابان حول المسائل العلمية والفلسفية المرتبطة باستكشاف حياة خارج كوكبنا، نُشرا في 1998 و2006. والحوار أدناه مبني على لقاء مع الباحث أجرته معه مجلة "للعلم"، ولكن النص محرَّرٌ بغرض الوضوح.

من يطَّلِع على كتاباتك، ولو القليل منها، كما في كتابك عن الحياة على الكواكب الأخرى، الصادر في العام 1998، ستنطبع في ذهنه أهمية مهمة "فايكنج" Viking أواسط السبعينيات في تطوير فهمنا للمريخ، كما في اهتمامك بالمجال. ماذا كان أثر هذه المهمة على دراسة المريخ وعليك شخصيًّا؟

** كانت المهمة "فايكنج" التي بدأت في العام 1975، لحظةً مهمة للغاية، لكنها ليست لحظة تحوُّل كبرى في دراسة الكواكب الأخرى. لحظة التحوُّل ستأتي لاحقًا. وأهمية فايكنج تكمن في أنها كانت موجَّهة حصرًا إلى استكشاف مظاهر للحياة على المريخ عبر تجارب في بيئة المريخ ذاتها. واشتملت مهمة فايكنج، في إصدارَيها، على أجهزة تطواف (probes) حول المريخ ومسبارين ثابتين (landers) حَطّا على سطح الكوكب. وكانت المهمة فايكنج-1 تشتمل على تجارب تختبر ثلاث فرضيات حول إمكانية وجود صور من الأيض الغذائي (metabolism) على سطح المريخ، فيكون ذلك دلالةً على وجود حياة، ميكروبية على الأقل، على الكوكب.

في العام ذاته، 1975، كنتُ طالبًا بجامعة كاليفورنيا، فرع مدينة لوس أنجيليس، وسجلت في مادة تقديمية في علم الكواكب مع أستاذ اسمه هيو كيفر (Hugh Kieffer). وتصادف أن كان لـ"كيفر" تجربة من تجارب فايكنج. ومع نهاية الفصل الدراسي تحولت إلى التخصص في علم الكواكب والفضاء. وكانت تلك شرارة وَلَعي بالمريخ وبعلم الكواكب، ولم تَخْبُ منذئذٍ.

وإذ أنظر الآن إلى تلك الفترة، وباعتبار ما صرنا نعلم عن المريخ، أستطيع أن أقول لك إن تجارب فايكنج كان يعوزها تَبصُّرٌ ودقة. وأقصد بذلك أن تجارب فايكنج انطلقت من فرضيات ضيقة حول صور الحياة والبيئات الممكنة لها. وتركزت تلك التجارب على خلط موادّ بتربة المريخ ورصد ما ينتج من تفاعلات. وخلُصَت من ذلك إلى أنه كانت هناك حياة على الكوكب الأحمر. والحقُّ أننا نستطيع تفسير ما حدث من تفاعلات من منظور كيميائي وليس بيولوجيًّا. وكانت الخلاصة الأدق لتلك التجارب أنه لم يكن ثمة دليلٌ على وجود حياةٍ على المريخ، أو في أحسن الأحوال، لم يكن ما توافر من أدلة يدعم أيًّا من الاحتمالين، احتمال وجود حياة أو احتمال غيابها.

ولكن تذكر أن أسئلة وتجارب فايكنج كانت قد صُممت في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. وكان كامنًا في تلك الأسئلة وفي تلك التجارب افتراضاتٌ اتضح لاحقًا خَطَؤها. من ذلك مثلًا افتراض أن جَوّ المريخ أثقل –أو أكثر سُمكًا– مما اكتشفناه عنه لاحقًا.

في العقود التالية على فايكنج حدثت ثورة في فهمنا للبيولوجيا ولإمكانية وجود الحياة في البيئات العَصِيَّة (extreme environments). وكذلك قَفَزَ فهمنا قفزاتٍ واسعةً في فهم كيف تتفاعل البيولوجيا مع بيئات الكواكب المختلفة.

 وأقصد هنا على وجه الخصوص عقد التسعينيات، وكانت تلك لحظة التحوُّل الكبرى في دراسة الكواكب الأخرى، وفرص الحياة فيها.

هل تقصد أن تطوُّر فهمنا لإمكانيات الحياة على كواكب أخرى نتج عن تطوُّر معارفنا عن الحياة على الأرض؟

نتج ذلك التطور من مصادر عديدة. منها، أولًا اكتشاف كائنات ميكروبية تحيا عند درجة الغليان في الصخور البركانية في ولاية وايومنج الأميركية. بل إن انخفاض الحرارة أدى إلى قتل تلك الكائنات الميكروبية. وأدى ذلك الكشف بالباحثين إلى أن يبحثوا مجددًا عن الحياة في ظروف افترضوا سابقًا أنه لا إمكانية للحياة فيها. وكان من تلك البيئات التي انفتحت مجددًا لإمكانية الحياة، المريخ والكواكب الأخرى.

ولكن الحياة في الحرارة العالية لم تكن الفرضية الوحيدة التي انكسرت في التسعينيات. فمثل ذلك حدث مع فرضية غياب الحياة في البيئات ذات الضغط الشديد. فإذا بباحثين يكتشفون حياة ميكروبية في الصخور القابعة تحت قيعان المحيطات. ومجددًا توجهت أنظار الباحثين للسؤال عما إذا كان ذلك الكشف يعني إمكانية وجود حياة في بيئات الضغط الشديد على الكواكب الأخرى.

وأما الكشف الثالث، فكان من خارج الأرض، من مشاهدات الطوّاف (probe) جاليليو لأقمار كوكب المشترى، خاصةً القمر "أوروبا". أرسل جاليليو صورًا لما يشبه كتلًا ثلجية طافية في بحر. ودَلّ وجود الماء والثلج على إمكانية الحياة.

وكان الكشف الرابع رؤية أول كوكب خارج المجموعة الشمسية، ويطوف حول نجم آخر، وكان ذلك عبر التليسكوب الفضائي "كبلر" (Kepler) في العام 1995. رغم أن وجود الكوكب في ذاته لم يكن مفاجئًا، لكن أن نراه بأعيننا –عبر التليسكوب– ونعرف بوجوده كحقيقة واقعة وليس كتوقع، كل هذا أثار الأسئلة مجددًا: أيُّ تلك الكواكب الجديدة يمكن أن يقف على مسافة من نجمه تشبه المسافة بين الأرض والشمس، ومن ثم يمكن أن يكون بيئةً مواتيةً للحياة؟ أيها يمكن أن يحمل ماءً على سطحه؟

هذه العناصر معًا هي ما يجعلني أقول إن حقبة التسعينيات كانت نقطةً مفصليةً في تطور فهمنا لفرص الحياة على كوكب المريخ وما وراء المجموعة الشمسية.

وكانت "ميفن"  التي انطلقت في 2013، أول مهمة للمريخ لا يصممها فريقٌ من وكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا)، credit:Public Domain

نبقى مع هذه النقطة قليلًا. تقول في كتابك الصادر عام 1998 إن ربطك بين الجيولوجيا والبيولوجيا في دراسة الكواكب الأخرى حدث تدريجيًّا في أثناء تدريسك مواد بالجامعة عن الكواكب. كيف كان ذلك؟

للإجابة عن هذا السؤال سأعود مجددًا إلى المهمة فايكنج. كانت اهتمامات فايكنج بيولوجية بالأساس، كما ذكرت. لم أكن أنا مهتمًّا كثيرًا بذلك البُعد في دراسة الكواكب الأخرى. كان تركيزي على الجانب الجيولوجي في دراسة الكواكب، كما في دراسة طبيعة سطح الكوكب، ومناخه وغلافه الجوي. وكان ذلك منعكسًا في مادة أدرسها بجامعة كولورادو حول علم الكواكب. ولكن مع مُضيّ السنوات، واستجابةً لتوقعات الطلبة الذين سجلوا في تلك المادة ورغباتهم، تعالى شيئًا فشيئًا القسط الموجه إلى أسئلة وجود الحياة على الكواكب الأخرى أو عدمها. ومن ثم، من بدايات تخلو من كل إشارة للموضوع، إلى خطوات خَجلى تتمثل في محاضرة واحدة حول تلك المسألة، انتهى الأمر إلى أن صارت المادة كلها موجهةً إلى أسئلة الحياة على الكواكب الأخرى.

وعندما بدأت التدريس في التسعينيات فإن ذلك التحول في ربطي بي المسألتين -الجيولوجية والبيولوجية- في فهم الكواكب الأخرى تزامَن مع الكشوفات الكبرى حول بيئات الحياة التي أشرت إليها. لم يكن ممكنًا عزل ما نُعَلّمُ طلابنا في الجامعة عن تلك الفتوحات في فهمنا للبيئات الممكنة للحياة.

في تدريسي الآن، أدمج البعد البيولوجي في مقرر المادة عن علم الكواكب. ولا أجد غضاضةً في ذلك؛ لأن البيولوجيا، أو مسألة وجود الحياة أو غيابها، صارت مسألةً مركزيةً في فهمنا للكواكب الآخرى. ويصح القول إن استكشاف الحياة -مثلًا، على المريخ، أو على قمر المشترى "أوروبا" أو على قمر زُحَل "تيتان"- من أهم الأسئلة، إن لم يكن أهم الأسئلة في علم الكواكب.

ماذا تقصد بذلك؟

أقصد أنك كي تقف على أسباب إمكانية الحياة على المريخ مثلًا تحتاج إلى أن تفهم بدقة جيولوجيا الكوكب: البنى الصخرية لسطح الكوكب، التكوينات العميقة لذلك السطح، لما يصل إلى عمق عشرة كيلومترات، كيف تكوَّن ذلك السطح عبر الحقب، وما الظروف الجوية التي أنتجت تلك البنى الصخرية، كل ذلك متفاعلًا مع مناخ الكوكب وغلافه الجوي ونتيجةً للعنصرين معًا. ولا يختلف الأمر كثيرًا عن دراستنا للأرض. فدراسة مكوِّن واحد في أحد الأنظمة البيئية لكوكب الأرض تستلزم معرفة الكثير عن المحيطات والغلاف الجوي والقطبين المتجمّدين. ومثل ذلك في المريخ، فهو نظام متشابك، ولفهمه نحتاج إلى فهم كيف تتفاعل أجزاؤه جميعها معًا.

في المقابل، وجود حياة على كوكب يؤثر على تركيبه الجيولوجي. فغلاف الأرض -مثلًا- غني بالأكسجين نتيجة أربعة مليارات عام من الحياة النباتية التي تنفث ذلك الغاز في بيئة الأرض. ومن ثم فإننا نريد أن نُحَصّل وعيًا مشابهًا في فهمنا للمريخ وللكواكب الأخرى، وإن من زاوية مختلفة: نريد أن ندرس الغلاف الجوي للمريخ؛ لنقدِّر بيقينٍ أعلى فرص الحياة على الكوكب الأحمر.

الآن وقد ذكرت المريخ غير مرة، ليس خافيًا اهتمامك به. وقد انطلقت بنجاح منذ أسابيع قليلة ثانية المهمات للمريخ التي تُشرف عليها علميًّا، وكان ذلك مسبار "الأمل"، الذي أطلقته دولة الإمارات العربية المتحدة. ما الذي سيضيفه "الأمل" إلى ما تراكَم من معارف حول المريخ، وما الخطوة التالية لدولة الإمارات بعد ذلك؟

(ضاحكًا) دعني أذكِّرك بأن الأمل لا يزال في طريقه إلى المريخ ولم يصل بعد. إطلاق "الأمل" كان الخطوة الأولى على الطريق. أما الإنجاز فعلًا فسيكون لدى وصول المسبار إلى مداره حول المريخ وإرساله البيانات عن مناخ الكوكب وغلافه الجوي. في وجهتها وأهدافها، تشبه مهمة الأمل كثيرًا مهمة "ميفن" (MAVEN)، وذلك بتركيزها مباشرةً على أسئلة وجود الحياة، وذلك بتقصِّي طبيعة المناخ على المريخ وتاريخه، ما التفاعلات التي أنتجتْه وبَدّلتْه عبر الزمن؟ ومن ثم فإني أرى المهمة الإماراتية باعتبارها مهمة فضائية-بيولوجية (astrobiological). ماذا تريد الإمارات أن تفعل بعد ذلك؟ لستُ أعرف بعد. أنتظر أن أعرف منهم ذلك لاحقًا. قد يُتبعون "الأمل" -وهو طَوّاف (probe)- بمسبار ثابت (lander) أو متحرك (rover). أو قد يكون "الأمل" خطوتهم الأولى في مشروع ممتد لاستكشاف كواكب المجموعة الشمسية. لا يزال لدينا الكثير من الأسئلة المهمة عن المريخ وعن المجموعة الشمسية عامةً، تستحق أن تُشد لها المهمات والموارد. بلغة أخرى، العالم مفتوح للإماراتيين ليقرروا كيف يواصلون مساعيهم الفضائية مستقبلًا.

في سياق أوسع، يجوز القول إن مجال دراسة الكواكب وثَبَ وثباتٍ كبيرةً خلال فترة انضوائك مهنيًّا فيه. لو اخترت فكرتين مثلًا تلخص بهما أهم التغيرات في هذا المجال البحثي بالإضافة إلى ما ذكرت عن ربطك الجيولوجيا بالبيولوجيا، فما هما؟

كما لمَّحت أعلاه، أرى أن مسألة وجود الحياة صارت الخيط الناظم لعلم الكواكب، بل ولفيزياء الفضاء (astrophysics) أيضًا: هل ثمة حياة، مثلًا، على المريخ أو على "أوروبا" (قمر المشترى)، هل ثمة ظروف مواتية للحياة هناك؟ وما تبعات ذلك على فهمنا للكواكب ولفرص الحياة على السواء. بالنسبة لي هذا أخطر تطور حدث في علم الكواكب والفضاء.

خلال العقدين الماضيين، تضاعف اهتمام عموم الجمهور بالمريخ، وصارت أخبار الماء على المريخ تتصدر واجهات الصحف الكبرى. ولكن من تبعات ذلك الاهتمام أن انتشرت أحيانًا خرافات عن المريخ ربما سببت إحباطًا للباحثين مثلك. هلا ذكرت لي نموذجًا أو اثنين من تلك الخرافات؟

أولًا، أؤكد لك أنه لا شيء من هذا يصيبني بالإحباط. فاهتمام الناس بالمريخ شيء جدير بالتقدير، حتى وإن لم يخلُ الأمر أحيانًا من أفكار مغلوطة. فيما يخص سؤالك، عندك مثلًا موضوع الوجه على المريخ. هل رأيت صورًا لذلك؟ لست أستطيع أن أنفي جازمًا أن كائنات عاقلة هي التي نحتت ذلك الوجه. ولكني أستطيع أن أقول لك مطمئنًّا إن ثمة تفسيرات معقولة وعلمية لذلك "الوجه" من غير أن يكون في الأمر كائنات عاقلة. وكنت قد قرأت أيضًا على أحد المواقع ذائعة الصيت والمهتمة بالفضاء عن أن مسبارًا متحركًا على المريخ التقط صورة لكائن فقاري أو لفطر عيش الغراب. وهذا بطبيعة الحال غير صحيح. (مبتسمًا) نعم، ربما أصابني ذيوع ذلك بشيء من الإحباط.

قلت منذ قليل إن تراكُم معارفنا عن الحياة في البيئات العصيّة على الأرض قد فتح آفاقًا للبحث عن الحياة على الكواكب الأخرى، ومن ثم ربما يعزِّز فهمنا لتلك الكواكب. بالمقابل، هل يجوز القول إن فهمًا أفضل لتلك الكواكب -لتاريخ المناخ أو الغلاف الجوي مثلًا- قد يُسهم في فهم أفضل لنشأة الحياة على الأرض؟

هذا سؤال جيد، ولكن الإجابة عنه صعبة للغاية؛ لأنها تعتمد على ما سنُحصّل من معلومات جديدة من المريخ. مثلًا، لو توصلنا إلى أنه لا حياة على المريخ رغم أن ظروفه تسمح بإمكانية الحياة، سيكون السؤال مباشرة: لمَ ذلك؟ ما الذي يعوز فهمنا لمقومات الحياة؟ ولو وجدنا دليلًا على حياة مستقلة عن الحياة على الأرض [أي حياة غير ناتجة عن وجود بشري]، فهذا سيكون أمرًا بالغ الأهمية، وسنتطلع حينئذٍ إلى طبيعة تلك الحياة: هل تعتمد على شفرة الدنا الوراثية (DNA) كما في البشر، أم الرنا (RNA)؟ هل تعتمد تلك الحياة على أنماط تفاعلات كيميائية تشبه ما نعرف في البشر أم تفارقها؟ مجددًا ستكون تلك أسئلة بالغة الأهمية؛ لأنها ستُنَوّرنا حول مدى انتشار الحياة في الكون، وكذا ربما عن نشأة الحياة في الكون.

أخيرًا، وعودةً إلى المريخ، متى تظن أننا سنحصل على إجابة يقينية أو شبه يقينية عن الحياة على المريخ؟

ربما نحصل على إجابة من المسبار المتحرك برسيفيرانس (Perseverance)، أو من العينات التي يجمعها من تربة المريخ ليعود بها إلى الأرض. ربما نحصل على إجابة من الطَّوّاف المتعقب للغاز (Trace Gas Orbiter) الذي يدور في مدار حول المريخ الآن. لم نرَ بعد غازات تدل على الحياة من هذا الطواف، ولكننا ما زلنا ننتظر بياناتٍ جديدةً منه. ومن ثمّ، أقول لك إننا غالبًا سنحصل على إجابة شافية خلال 15 عامًا –ليس بعد 15 عامًا، بل خلال 15 عامًا. وخلال الفترة الزمنية ذاتها سنرسل طوافًا إلى القمر "أوروبا"، واسمه "يوروبا كليبر" (Europa Clipper). وسيرسل إلينا بيانات قد تجيب عن سؤال الحياة على ذلك الجسم الفضائي.

أما فيما يتجاوز المريخ، فاعتقادي هو أن الأعوام القادمة ستشهد تطورًا متسارعًا في رصد وفهم بنى الأغلفة الجوية ومكونات المناخ على كواكب نائية حول نجوم أخرى. فإذا اكتشفنا في واحد من هؤلاء غلافًا جويًّا غنيًّا بالأكسجين أو الميثان، فسيكون ذلك إشارةً قويةً على وجود حياة هناك.

إننا نعيش في لحظة مفتوحة الأفق في استكشافنا للحياة خارج كوكبنا. ومن حسن حظي، ومن حسن حظنا جميعًا، أن نكون شهودًا على هذا الاستكشاف أو في خطوطه الأولى.