هل تعرف الممثلة الأمريكية الشهيرة أنجلينا جولي؟ ربما تعرفها لأنك شاهدت أحد أفلامها، أو لحصولها على جائزة الأوسكار، وربما يكون سبب معرفتك بها هو الأعمال الخيرية التي تقوم بها في أماكن مختلفة من العالم.

لكن ربما كان هناك سببٌ آخر لشهرة "جولي"، فبعد أن ثبت حملها لإحدى الطفرات في الجين المسمى "بي آر سي إيه 1" (BRCA1)، وهو الجين الذى يرتبط ببعض أنواع السرطان الوراثي لدى السيدات، اتخذت إجراءً شديد الصعوبة على أي سيدة، فقد خضعت لعملية جراحية لاستئصال الثديين؛ لتحمي نفسها من خطر الإصابة بسرطان الثدي. لم تكتفِ "جولي" بهذه العملية، بل أجرت فيما بعد جراحةً أخرى لإزالة المبيضين وقناتي فالوب، لحماية نفسها من خطر الإصابة بسرطان المبيض.

التاريخ الوراثي

يُعَد التاريخ المرضي العائلي أحد أهم عوامل التنبؤ باحتمالات الإصابة بسرطان الثدي لدى السيدات؛ إذ توصل العلماء إلى أن حدوث طفرات في اثنين من الجينات التي تنتقل عبر الأجيال قد يتسبب في الإصابة بنوع وراثي من سرطان الثدي وسرطان المبيض. وهذه الجينات هي جين سرطان الثدي رقم 1، أو ما يُعرف اختصارًا بـ"بي آر سي إيه 1" (BRCA1)، وجين سرطان الثدي رقم 2 أو "بي آر سي إيه 2" BRCA2. الأول كان اكتشافه عام 1994، ثم جرى اكتشاف الثاني في العام التالي مباشرة.

تعمل هذه الجينات كجينات مثبطة للأورام، ولكن حدوث طفرات فيها يسبب أضرارًا جسيمة في الحمض النووي، لتتراكم الطفرات، وهو ما يؤدي في النهاية إلى حدوث السرطان. ويزيد وقوع هذه الطفرات ليس فقط من خطر إصابة الشخص بالسرطان، بل من احتمالات الإصابات العائلية بنسبة كبيرة.

تشير نتائج الأبحاث إلى أن 72% من السيدات اللاتي يرثن طفرةً في جين بي آر سي إيه 1، و69% من اللاتي يرثن طفرةً في جين بي آر سي إيه 2، سيصبن بسرطان الثدي في عمر 80 عامًا. ليس هذا فحسب، فالسيدات اللاتي يحملن هذه الطفرات لديهن احتمالات عالية للإصابة بالسرطان في الثدي الآخر إذا حدثت إصابة في أحد الثديين.

تبدو الأرقام أقل حدةً فيما يخص سرطان المبيض؛ إذ تبلغ احتمالات الإصابة 44% في عمر الثمانين في حالة طفرات بي آر سي إيه 1، و17% في حالة بي آر سي إيه 2. وتفسر هذه الأرقام الإجراءات التي فعلتها "جولي"، خاصةً مع إصابة عدد من أفراد عائلتها بالمرض.

أنواع أخرى من السرطان

علي الرغم من أن هذه الجينات ارتبطت أساسًا بسرطان الثدي حتى إنها سميت باسمه، إلا أنها لا ترتبط فقط به أو بسرطان المبيض. فقد كشفت نتائج العديد من الدراسات أن وجود طفرات في هذين الجينين يرتبط أيضًا بسرطان قنوات فالوب وسرطان البنكرياس وسرطان الغشاء البريتوني.

ليس هذا فحسب، فقد ثبت أن هذه الجينات ترتبط بالإصابة بسرطان البروستاتا لدى الرجال، وفق دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين البريطانيين، استهدفت تقييم الخطر المستقبلي للإصابة بهذا النوع من السرطان لدى حاملي تلك الطفرات.

دراسة مستقبلية

الدراسة، التي نشرتها مجلة "يوربيان يورولوجي" (European Urology)، شملت أكثر من 800 شخص من حاملي هذه الطفرات في كلٍّ من بريطانيا وأيرلندا، تمت متابعتهم عدة سنوات لدراسة احتمال إصابتهم بهذا الورم.

وجدت نتائج الدراسة أن خطر الإصابة بسرطان البروستاتا عند عمر يناهز 85 عامًا يبلغ 60% في حالة وجود طفرات في "بي آر سي إيه 2"، ويقل إلى 29% في طفرات "بي آر سي إيه 1".

يقول تومي نايبرج -باحث الدكتوراة بمركز علم الأوبئة الوراثية للسرطان في قسم الصحة العامة بجامعة كامبريدج، والباحث الأول في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة هي الأكبر من نوعها كدراسة مستقبلية استشرافية للمرض؛ إذ إن الدراسات السابقة كانت تتم بالعكس، يتم فحص أشخاص مصابين بسرطان البروستاتا لمعرفة إصابتهم بالطفرات في هذه الجينات.

ويتابع أنه من المثير للاهتمام أن تتفق نتائج دراستنا مع نتائج الدراسات السابقة، قائلًا: وجدنا أيضًا أن الارتباط بين حدوث الأنواع الأكثر عنفًا من سرطان البروستاتا ووجود طفرات في جين "بي آر سي إيه 2" أقوى من ارتباط حدوث هذه الأنواع بطفرات "بي آر سي إيه1".

بدوره، يقول أنتونيس أنتونيو -أستاذ التنبؤ بخطر السرطان بمركز علم الأوبئة الوراثية للسرطان في قسم الصحة العامة بجامعة كامبريدج، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها إجراء هذا النوع من الدراسات المستقبلية على الأشخاص الذين يحملون هذه الطفرات، لكنهم غير مصابين بالمرض. واستخدام هذه الطريقة تطلَّب منَّا متابعة هؤلاء الأشخاص لمدة عشرين عامًا حتى تمكنَّا من جمع البيانات الخاصة بالدراسة. وأضاف أن النتائج التي توصلوا إليها تُظهر بوضوح أن الطفرات في جين "بي آر سي إيه 2" ترتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان البروستاتا بمقدار الضعف، مقارنةً بغير الحاملين لها.

سرطان البروستاتا

أظهرت العديد من الدراسات السابقة وجود علاقة بين هذه الطفرات والإصابة بسرطان البروستاتا، إذ كشف تحليل تجميعي لدراسات سابقة -نوع من الدراسات يقوم بتجميع البيانات من عدة دراسات وربطها معًا حتى يصل إلى استنتاجات عامة بخصوص نقطة معينة- أن وجود هذه الطفرات يرتبط باحتمالات تقارب الضعف للإصابة بسرطان البروستاتا، وهو ما يتطابق مع نتائج الدراسة الأخيرة.

من جهتها، تعلق غادة سعد -المدرس المساعد بقسم طب الأورام بالمعهد القومي للأورام في جامعة القاهرة- على الدراسة قائلةً: الوسائل المستخدمة للتشخيص المبكر لسرطان البروستاتا ليست دقيقةً بوجه عام حتى الآن، وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تقدم لنا عاملًا آخر من عوامل الخطر الذي يمكن استخدامه مع العوامل الأخرى من أجل تقييم احتمالات الإصابة بالمرض. وأضافت أن هناك عدة عوائق فيما يتعلق باستخدام هذه الطفرات مؤشرًا للكشف المبكر عن المرض، أولها ندرة هذه الطفرات، والثاني تكلفة التقنيات الخاصة بالبحث عنها، وثالثها مستوى دقة هذه التقنيات نفسها".

يتفق "نايبرج" مع الطرح الذي تتبناه "سعد"، مضيفًا أنه "على الرغم من إثبات ارتباط هذه الطفرات بسرطان البروستاتا، لا يمكننا استخدامها للكشف المبكر على نطاق واسع، إذ يبلغ معدل الإصابة بها في بريطانيا حالتين فقط لكل ألف شخص، قائلًا: لكن فهمنا لاحتمالات الإصابة من خلال دراسة الجينات المختلفة يمكِّننا من تقديم المشورة الجينية، خاصةً للأشخاص الذين ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بسبب إصابة فرد آخر في العائلة بالمرض. وأضاف: يمكننا أن نتعرف على هؤلاء الأفراد وأن نفحصهم جينيًّا من أجل متابعتهم.

أما "أنتونيو"، فيعلق قائلًا: إن التطبيق الموسع والمباشر لهذه الدراسة على العائلات التي تملك تاريخًا لوجود هذه الطفرات في سيدات العائلة قد يعود بالفائدة. ففي هذه العائلات من المهم أن يخضع الرجال أيضًا لفحص الطفرات، بعدها يمكن متابعتهم باستخدام اختبار المستضد الخاص بالبروستاتا، وهو من أهم دلالات الأورام المعروفة حاليًّا في سرطان البروستاتا.

التوصية الأخيرة

التوصية الأخيرة التي ذكرها "أنتونيو" هي نفسها التوصية التي خرجت بها دراسة ضخمة، شارك فيها عشرات الباحثين من عدة دول، واستهدفت تقييم فائدة استخدام المستضد الخاص بالبروستاتا في الاكتشاف المبكر لسرطان البروستاتا في الأشخاص الحاملين لطفرات الجينين بي آر سي إيه 1 و2.

نتائج الدراسة أوصت باستخدام المستضد الخاص بالبروستاتا في متابعة الرجال الذين يحملون طفرة في جين "بي آر سي إيه 2" من أجل الاكتشاف المبكر للورم، مشددةً على ضرورة إجراء مزيد من المتابعة؛ من أجل تقييم فائدة استخدام المستضد نفسه في الأشخاص الحاملين لطفرة في جين "بي آر سي إيه 1".

نموذج شامل للمرض

تقول "سعد": نحتاج إلى مزيد من الدراسات المستقبلية لدراسة ارتباط هذه الطفرات بالأورام المختلفة التى أشارت إليها الدراسة، قبل أن يتم تعميم هذه النتائج. وبدوره، يعلق "أنتونيو" بأن "استخدام هذه الطفرات في توقُّع خطر سرطان الثدي والمبيض في العائلات لدى السيدات صار أمرًا مستقرًّا في الأعراف الطبية. وأضاف أنه من أجل فهم أكبر لدور هذه الطفرات في الأنواع الأخرى من السرطان، عكفنا على جمع البيانات العائلية من الرجال والسيدات على حدٍّ سواء من خلال هذه الدراسة المحلية، أو من خلال المشاركة في مشاريع دولية تعمل على هذه الأبحاث بشكل موسع، مثل المشروع المسمى CIMPA، الذي يضم مجموعات بحثية من 80 دولةً في جميع القارات".

من جانبه، يضيف "نايبرج": في مشروعنا القادم نعمل بالتعاون مع المؤسسات المسؤولة عن السرطان في المملكة المتحدة على تطوير نموذج شامل لخطر الإصابة بسرطان البروستاتا، بحيث نستخدم جميع عوامل الخطر الوراثية والعائلية المعروفة.