لا تزال الملاريا أكثر الأمراض الشائعة خطرًا في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية؛ حيث تحصد حياة أكثر من 400 ألف شخص حول العالم بشكل سنوي، أكثر من نصفهم فى 6 بلدان من جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. أكثر من ثلثي الوفيات من الأطفال دون الخامسة، فالملاريا تودي بحياة طفل كل دقيقتين في تلك المنطقة، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

وفي الوقت الذي يواصل فيه العلماء جهودهم لتطوير لقاح للوقاية من هذا المرض الفتاك، تبقى مكافحة انتشار البعوض الذي ينقل طفيلي الملاريا، عن طريق المبيدات، الحل الأمثل لمواجهة المرض.

وتشير دراسة حديثة نشرتها دورية "بلوس بيولوجي" (PLOS Biology) إلى أن مقاومة البعوضة الناقلة لمرض الملاريا للمبيدات الحشرية ازدادت بشكل مُخيف بمرور الوقت، مع وجود اختلافات شديدة وفقًا للموقع الجغرافي؛ إذ انخفضت نسبة وفيات البعوض بعد التعرض للمبيدات من 100% إلى 30% في بعض المناطق.

رصد الباحثون 6423 ملحوظة لمدى انتشار مقاومة خمسة أنواع مختلفة من أهم المبيدات الحشرية المُستخدمة ضد البعوض الناقل للملاريا خلال الفترة بين عامي 2015 و2017، وذلك لوضع خرائط تنبُّئية دقيقة لأنماط المقاومة عبر إفريقيا؛ بهدف التخفيف من حدة هذا الخطر من خلال جمع معلومات شاملة حول مكان حدوث المقاومة، ودرجاتها، وكيف تتغير بمرور الوقت ومن مكان إلى آخر.

تقول كاثرين مويس -أستاذ مشارك في معهد البيانات الضخمة التابع لمركز لي كا شينج للمعلومات والاكتشافات الصحية بجامعة أكسفورد، وقائدة الفريق البحثي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": بدأت التقارير عن مقاومة البعوض للمبيدات الحشرية من خمسينيات القرن الماضي، وكانت هناك حاجة إلى تحديد اتجاهات هذه المقاومة عبر الزمان والمكان، وهذا ما دفعني لبدء هذا المشروع في عام 2013.

توضح الدراسة أن تحديد هذه الاتجاهات سيؤدي إلى تحسين فهم أنماط انتشار المقاومة، والمساعدة في تصميم إستراتيجيات أفضل لمكافحة المرض، إذ تعتمد إفريقيا في مكافحة الملاريا على استهداف البعوض بالمبيدات الحشرية، والتي قد يؤدي عدم فاعليتها إلى انخفاض فاعلية التدخلات الوقائية، مثل الناموسيات المُعالَجة بالمبيدات.

وتُعد الناموسيات المُعالَجة بالمبيدات الحشرية الدِّعامة الأساسية للوقاية من الملاريا في جميع أنحاء القارة السمراء، حيث أدت الناموسيات المُعالَجة بالبيريثرويدات دورًا رئيسيًّا في خفض انتشار الملاريا في أفريقيا خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2015.

تقول "مويس": تُستخدم المبيدات الحشرية فى مُعالَجة الناموسيات التي ينام تحتها الناس، أو في رش الجدران الداخلية للمنازل، وتقتل هذه المبيدات البعوض القادم إلى المنزل وتمنع أي شخص ينام تحت الناموسية من التعرُّض للعض. كما أنها تقلل من عدد البعوض ككل، وبالتالي توفر هذه المُركبات الحماية للأفراد والمجتمعات.

يُعتبر عدد المبيدات المتاح للاستخدام فى معالجة الناموسيات محدودًا للغاية، وحتى وقت قريب كانت البيروثرويدات هي الفئة الوحيدة من المبيدات الحشرية التي تُستخدم في تلك العملية، ولكن ظهر مؤخرًا جيل جديد من الناموسيات يستخدم البيروثرويدات إلى جانب مادة كيميائية تنظم نمو الحشرات، أو مواد تمنع آلية التمثيل الغذائي المسؤولة عن مقاومة البيروثرويدات لدى البعوض.

ولسوء الحظ، زادت مقاومة البعوض للبيروثرويدات بصورة كبيرة في غرب إفريقيا، حيث كانت المناطق مأهولة بالبعوض المُقاوِم تُمثل 15% فقط وذلك في عام 2005، ولكن بحلول عام 2017 ارتفعت هذه النسبة إلى 98٪ من المناطق، أما في شرق إفريقيا، فقد زادت مُقاومة البيروثرويدات من 9٪ إلى 45٪ من المناطق، كذلك لاحظ الفريق البحثي زيادات مماثلة في انتشار البعوض المُقاوِم لمادة "دي. دي. تي" (DDT)، وهي مادة كيميائية غالبًا ما تُستخدم لرش الأماكن المغلقة من أجل قتل البعوض الناقل للملاريا.

تضيف "مويس": لا تزال العلاقة بين مقاومة المبيدات الحشرية وانتشار الملاريا غير مفهومة بشكل كامل حاليًّا، لكن هناك أدلة على ارتباط فشل مكافحة الملاريا بمقاومة البعوض للمبيدات، ونطمح إلى العمل على تحديد تأثير ذلك على العدوى في البشر من خلال أبحاثنا التالية.