"ما زالت تجربة الألم الشديد مختزَنة في ذاكرتي. فعندما أفقت من جراحة استئصال الثدي، كنت قد تهيأت نفسيًّا كي أواجه قدرًا من آلام ما بعد الجراحة. كنت فَرِحة وطاقم التمريض يصطحبني من غرفة العناية المركزة إلى غرفتي لأنني سأقابل ابنتي، لكن الشعور بالجروح وما يصاحبها من حرقان ظل يداهمني بشكل حاد وعنيف. لقد كان الأمر وحشيًّا لدرجة أنني شعرت أن الألم يخدِّر جسدي بأكمله كلما ركزت تفكيري على مكان البتر. أدركت أنها بداية الطريق لأن الشعور بأطياف مختلفة من الألم سوف يصاحبني طيلة رحلة التعافي وبصفة خاصة بعد جلسات العلاج الكيماوي والإشعاعي. فالألم واقع معقد في مرض السرطان، أستطيع القول إنه يعاش مع الألم".. هكذا روت فيرونيك تجربتها مع مرض السرطان على الموقع المخصص للإدلاء بشهادات حية من قِبَل أسرة مرضى السرطان، بمناسبة اليوم العالمي للألم الذي تطلقه منظمة الصحة العالمية في شهر أكتوبر من كل عام.

ووفق الجمعية الدولية لدراسة الألم Study of Pain  ، فإن هناك شخصًا من ضمن كل خمسة أفراد على سطح الكوكب يعاني آلامًا متوسطة وشديدة بشكل مزمن، وإن الألم يجعل واحدًا من بين كل ثلاثة أفراد غير قادر على إدارة شؤون حياته بشكل مستقل. فضلًا عن أن هناك شخصًا من بين كل أربعة أشخاص يؤكد أن الشعور بالألم يؤدي إلى توتر علاقاته مع أفراد أسرته أو أصدقائه.

ولعل تأوُّهات هؤلاء المتألِّمين قد رجع صداها في جامعة ليدز Leeds University في المملكة المتحدة، حيث توصل الباحثون هناك إلى طرح جديد للنظرية الخاصة بنقل الألم. لقد وجد العلماء دليلًا على وجود شبكة مخفية من "أدمغة صغيرة"، يمكنه أن يغيِّر من فهمنا لكيفية انتقال الألم في جميع أنحاء الجسم، وأن يُحدث ثورة في الطريقة التي نصمم بها أدوية جديدة بغرض التغلُّب على الألم.

تعطي الدراسة الجديدة -التي أجريت على الفئران في ليدز- أهميةً أكثر مما سبق في الشعور بالألم للجهاز العصبي المحيطي/ الطرفي peripheral nervous system على نحو يدفع فريق البحث إلى تصوُّر وجود شبكة من "الأمخاخ متناهية الصغر" Mini Brains موجودة على امتداده في كافة أنحاء الجسم. والافتراض القائم حاليًّا هو أن الإحساس بالألم يجري تفسيره فقط من قِبَل الجهاز العصبي المركزي، أي من قِبَل كلٍّ من الدماغ والحبل الشوكي. إلا أن الأبحاث الجديدة تذهب إلى أن الجهاز الطرفي يؤدي دورًا أكثر أهمية، تجاهلناه عدة قرون.

والجهاز العصبي الطرفي هو الاسم الذي يُطلَق على مجموع الأعصاب التي تغذي الجهاز العصبي المركزي من جميع أنحاء الجسم، وتشمل كلًّا من الأعصاب الحسية التي تحمل المعلومات إليه، والأعصاب الحركية التي تنقل التعليمات عنه.

ويعتقد الفريق البحثي أن تلك "الأمخاخ" يمكنها أن تؤدي دورًا في تثبيط الرسالة الخاصة بالألم بدلًا من نقلها بشكل كامل للمخ، كما هو سائد في النظرية التقليدية لتفسير الشعور بالألم وحدَّته، والمعروفة باسم «بوابة التحكم في الألم» .Gate Control Theory of Pain وتفسر هذه النظرية كيفية انتقال الإحساس بالألم نتيجةً لمؤثر خارجي بوجود بوابات بين الجهازين الطرفي والمركزي تسمح بمرور إشارات عصبية (نتيجةً لاستثارة الخلايا) من الأول إلى الثاني، وتعطيه أوامر تتصل بردود أفعال لرسالة الألم.

طرح جديد

لكن -ووفقًا للنظرية الجديدة- هناك طرح آخر من قِبَل باحثي ليدز الذين قاموا بدراسة متخصصة للعُقَد العصبية الموجودة في الجهاز العصبي الطرفي في حيوانات التجارب، وأثبتوا بالدليل الملموس أن هناك اتصالًا يحدث بين هذه العُقَد عبر جزيء إشارات الدماغ، GABA، الذي يثبط النشاط العصبي، وكان يُعتقد وجوده فقط في المركزي. بل أكثر من ذلك عندما قام الفريق البحثي باستثارة الشعور بالألم لدى فئران التجارب، وجدوا ممرًّا عبر هذا الجزيء يؤكد أن العُقَد العصبية تتبادل وتعدل الإشارات الخاصة بالألم التي تقوم بإرسالها للجهاز العصبي المركزي.

ولكل خلية من مستقبِلات الألم ذراعان: الذراع الأولى وظيفتها كشف الإحساس، وتمتد إلى محيط الجسم حيث تعصّب بقعًا صغيرة من النسج، أما الأخرى فتمتد إلى الحبل الشوكي spinal cord؛ ويقبع جسم الخلية العصبية neuron في «عقدة عصبية» خارج العمود الفقري بين هذين الذراعين.

 استغرقت الدراسة خمس سنوات تعاون فيها فريق من العلماء الأمريكيين واليابانيين في كلٍّ من جامعتي ليدز Leeds وجامعة هيبي الطبية Hebei Medical University. لقد كان الهدف الرئيسي دراسة وجود كمية من جزيئات GABA في العقد العصبية، ربما تكون مسؤولة عن الانتقال المتشابك والمتتالي للرسائل. لكنّ الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات لمعرفة الكيفية التي تتواصل بها العُقَد العصبية على مستوى الجزيئات، علمًا بأن الباحثين اليوم بإمكانهم تجربة عقاقير قد يكون لها تأثير على هذا التواصل، وفق نيكيتا جامبرNikita Gamper، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة.

ورغم أن التجربة أُجريت على الجرذان فقط، لكن الفريق البحثي قدم أسبابًا مقنعة عن إمكانية وجود هذا التواصل بين جزيئات GABA في الجهاز العصبي الطرفي للإنسان، لا سيما وأن هناك تشابهًا كبيرًا بين الأجهزة العصبية لدى القوارض والبشر.

تستطرد جامبر: قمنا بتقديم النظرية التي توصلنا إليها لمجلة أبحاث الطب الحيوي Journal of Clinical Investigation، لكن الموضوع يحتاج إلى مزيد من البحوث والإثبات بالدليل من قِبَل المجتمع العلمي، وكذلك التجارب السريرية لإيجاد منهجٍ بديلٍ أو موازٍ لعلاج الألم. وأشارت إلى أنهم في أثناء البحث قاموا بتجريب هذا النهج بالفعل على ثلاثة من النماذج الأكثر شيوعًا للألم، وهي الألم الحاد، وألم الالتهابات، وألم الاعتلال العصبي لدى القوارض، تشدد بقولها: "لدينا نتائج ممتازة جدًّا"، ولكنه لا يمكن القول -في الوقت الراهن- إن جميع أنواع الألم يمكن معالجتها على نحو فعال بهذه الطريقة، وسوف تكون هناك حاجة إلى مزيد من البحوث.

تختتم جامبر حديثها للعلم بقولها: ربما تبزغ شمس جديدة فى مجال تسكين الألم، لكننا نحتاج إلى تطوير الجزيئات التي تعمل على مستوى العقد العصبية ولا تدخل الدماغ، الموضوع أصبح ممكنًا من الناحية النظرية، فهناك محاولات سابقة في مجال علم العقاقير بطريقة مماثلة لتحقيق أغراض أخرى، لكن قد يحتاج الأمر لمشروع ضخم ربما يأخذ سنوات حتى يرى النور"

تغيير للفكرة السائدة

يرى الدكتور عمرو السمان -أستاذ جراحة المخ والأعصاب بكلية الطب، جامعة القاهرة- أن هذا البحث قد يغير الفكرة السائدة عن كون الجهاز العصبي الطرفي مجرد أسلاك وما بين كل سلك وسلك عقدة عصبية تحمل إشارات ومعلومات من أعلى لأسفل عبر بوابات تفصل كلًّا من الجهازين العصبي الطرفي والمركزي. ويضيف: الدراسة تفترض أن المعلومة الخاصة بالألم لا تسير في اتجاه واحد عمودي، بل هناك اتصال بين العقد العصبية.

"لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الطرح الجديد يختص برسالة واحدة تنتقل بهذه الكيفية، ألا وهي الرسالة الخاصة بنقل الألم عبر الجسم"، يعتقد السمان أن هذا البحث لو تم إثباته على البشر فسيترتب عليه تصنيع عقاقير قد تتعامل بشكل مباشر مع الجهاز العصبي الطرفي، لا سيما وأن أضرار المسكنات التي تتعامل مع الجهاز العصبي المركزي كثيرة، بدايةً من الشعور بالخمول ووصولًا إلى الإدمان.

ويقترح السمان عدم قصر البحث على عملية نقل الألم عبر الجهاز العصبي، والبحث أيضًا في الكيفية التي تنتقل بها المعلومات الخاصة بالحركة، مما قد يفتح آفاقًا جديدة لعلاج أمراض كالشلل الرعاش والجلطات.

إدارة الألم المزمن

قد لا يقتصر الأمر على ذلك، فقد تساعد هذه الأطروحة أيضًا على كشف الغموض الذي يحيط بتوظيف بعض التقنيات لعلاج الألم في مجالات الطب البديل، تقول الدكتورة همت علام -أستاذ التخدير وعلاج الألم بالمركز القومي للبحوث-: إن هذه التجربة التي تعطي الجهاز العصبي الطرفي مزيدًا من الأهمية في هذا الشأن لو تم إثباتها على الإنسان فستفتح الطريق لابتكار وسائل وتقنيات قد تُحدِث طفرة في إدارة الألم المزمن بصفة خاصة.

وتشدد علام على قدرة الجسم على التعافي Healing Power كرد فعل على أية استثارة خارجية، فعندما يكون هناك ألم خارجي، إذ يفرز الجسم مسكناته الطبيعية، كذلك الحال مع الإبر الصينية التي يتم وخزها في نقاط معينة لاستدعاء عملية إفراز هذا المسكن الطبيعي. تقول علام: هذه الآلية تتعلق إذًا بتأثير الجهاز العصبي الطرفي وليس المركزي، كجزء من فاعلية آلية الوخز بالإبر في تسكين الألم. وتضيف: ربما ستساعد هذه الدراسة على تفهُّم المناطق الضبابية المتعلقة بالجهاز العصبي الطرفي، وتكشف عن بعض الغموض الذى قد لا نجد له تفسيرًا في استخدام بعض تقنيات العلاج.

فوفقًا للدكتورة همت علام، هناك علم يسمى Neuromodulation يعتمد على استثارة أو تعديل الإشارات الواصلة من الخارج في شكل ألم، بحيث يقوم الجسم بتعديل الإثارة العصبية وجعلها غير مؤلمة، وتُستخدم هذه الطريقة في تسكين ألم الأورام وحالات الألم المزمن.

وتستطرد علام: "فقد وُجِدَ أنه عندما نضع موصلات عصبية مثبطة للألم في منطقة العقدة العصبية والأعصاب الطرفية تستجيب ليس فقط للإشارة، ولكن الشعور بالألم يقل أيضًا، لقد أصبح من الممكن التوسع مستقبلًا في التعامل مع الألم عبر الجهاز العصبي الطرفي بدلًا من تركيز كل الجهود على المركزي".

وتضيف: لكن نتائج الدراسة قد تختلف من شخص إلى آخر، وربما يعطينا المزيد من البحث مزيدًا من التفسيرات، فنحن بحاجة إلى بحوث أخرى في مجال دراسة الألم، وبخاصة الألم المزمن الذي لا يجد حصة كافية في التمويل في ميزانيات البحث العلمي على مستوى العالم.