تمثل مقاومة العلم -بما في ذلك الآراء المشككة في فاعلية الأقنعة واللقاحات- تحديًا للتغلب على أزمة فيروس كورونا المستجد.

وفي السياق، أظهرت دراسة أجراها فريق من الباحثين بجامعة جنوب كاليفورنيا أن الآراء المعادية للعلم حول كوفيد-19 ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوجهات الأيديولوجية السياسية -خاصةً في أوساط المحافظين- بحيث توفر إمكانية التنبؤ بها إستراتيجيةً للمساعدة في حماية الصحة العامة.

وأثبتت الدراسة، التي نشرتها دورية "ميديكال إنترنت ريسيرش" (Medical Internet Research)، أن تتبُّع الخطاب العام حول كوفيد-19، ومقارنته بالنتائج الوبائية، يمكن أن يساعد في التوصل إلى "الارتباطات بين الخلفية الأيديولوجية والسياسية والموقف من العلم".

خوارزميات التعلم الآلي

تقدم الدراسة بمساعدة خوارزميات "التعلم الآلي" أدواتٍ جديدةً لصانعي السياسات ومسؤولي الصحة العامة لتوقُّع المواقف والتحولات في المواقف تجاه قابلية قبول تلقِّي اللقاحات أو رفضه، ما يساعد صانعي السياسات في الاستجابة لهذه التحولات بشكل استباقي، وذلك من خلال تتبُّع وسائل التواصل الاجتماعي.

فعلى سبيل المثال، يمكن للنتائج التي يتم الحصول عليها بمساعدة خوارزميات "التعلم الآلي" أن تساعد المسؤولين في رصد مدى تزايُد المشاعر المعادية للعلم في منطقة محددة من البلاد، وبالتالي تصميم رسائل للتخفيف من عدم الثقة بالعلوم في أثناء الاستعداد لمواجهة تفشِّي مرض محتمل.

رصد الباحثون تركيز المحافظين المناهضين للعلم على موضوعات سياسية، تتضمن حملات إعادة انتخاب الرئيس السابق دونالد ترامب والمؤامرات التي حاكتها مجموعة نظرية المؤامرة اليمينية المتطرفة المعروفة باسم "كيو آنون" (QAnon)، بينما اهتم المحافظون المؤيدون للعلم بالتفشي العالمي لفيروس "كورونا المستجد"، وركزوا بشكل أكبر على التدابير الوقائية.

الثقة بالعلم

وجد الباحثون أن المواقف المعادية للعلم التي عكستها تغريدات نُشرت في الفترة ما بين يناير وحتى أبريل من عام 2020 كانت عاليةً في الولايات الجنوبية التي تعرضت لاحقًا لطفرات قاتلة من كوفيد-19، في حين مالت المواقف المعادية للعلم بين "المحافظين" إلى الاعتدال قليلًا في الولايات الغربية.

ورغم ذلك، اكتشف الباحثون أيضًا أنه "حتى في حالة السكان المُستقطبين بشدة، فإن عدد المستخدمين المؤيدين للعلم والمعتدلين سياسيًّا يتفوق في النهاية على عدد الجماعات الأيديولوجية الأخرى، وخاصةً الجماعات المناهضة للعلم، وأن معظم الناس مستعدون لقبول الأدلة العلمية والثقة بالعلماء".

خطوات استباقية

توضح كريستينا ليرمان -الأستاذة في كلية الهندسة في جامعة جنوب كاليفورنيا، والكاتبة الرئيسية للدراسة- أن الآراء المعادية للعلم تتسق مع الأيديولوجية السياسية، وتحديدًا بين المحافظين.

تقول "ليرمان" في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: على الرغم من أن هذا ليس جديدًا تمامًا، إلا أن النتائج التي توصلنا إليها من خلال تتبُّع بيانات وسائل التواصل الاجتماعي تقدم أدلةً مفصلةً حول المكان الذي من المحتمل أن تنتشر فيه جائحة "كوفيد- 19" على سبيل المثال، وهذا يساعدنا على اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لمواجهة الجائحة.

وتتابع: نتائج الدراسة تساعد الباحثين على استخدام بيانات وسائل التواصل الاجتماعية المتعلقة بالعلم لإنشاء خرائط مكانية وزمنية للآراء العامة من حيث المواقف الأيديولوجية، والمواقف المؤيدة والمضادة للعلم، ويساعدنا هذا مستقبلًا في معرفة الموضوعات المهمة لهذه الشرائح من المجتمع، ما قد يُسهم في التخطيط بشكل استباقي لمنع تفشِّي الأمراض.

تتبُّع التغريدات

تناولت الدراسة مواقف المغردين من قضايا الصحة العامة بناءً على تغريداتهم في الفترة ما بين 21 يناير وحتى 1 مايو 2020، وصنف الباحثون المغردين إلى ثلاث مجموعات، هي: ليبرالي مقابل محافظ، ومؤيد للعلوم مقابل مناهض للعلم، ومتشدد مقابل معتدل.

وربط الباحثون بين تلك التغريدات ومواقع إقامة المغردين، بهدف قصرها على سكان الولايات المتحدة الأمريكية، ما ساعدهم على تقليل عدد التغريدات من 115 مليون تغريدة في جميع أنحاء العالم إلى 27 مليون تغريدة نشرها 2.4 مليون مستخدم في الولايات المتحدة، وقام الباحثون بتحليل البيانات وفق التركيبة السكانية والجغرافية وتتبُّعها على مدار فترة الدراسة التي استمرت أكثر من ثلاثة أشهر.

تقول "ليرمان": أتاح هذا النهج مراقبةً شبه فورية للمواقف الحزبية تجاه العلم، والتي تم صقلها بتفاصيل عالية بمساعدة تقنيات الحوسبة المتقدمة.

استقطاب متعدد المحاور

من جهتها، تقول أشوين راو، باحثة الدكتوراة في علوم الكمبيوتر في معهد علوم المعلومات بجامعة جنوب كاليفورنيا، والمشاركة في الدراسة: تلقي دراستنا الضوء على وجود استقطاب أيديولوجي متعدد الأبعاد على وسائل التواصل الاجتماعي، لقد وجدنا أن المتشددين السياسيين لديهم مشاعر مناهضة للعلم أعلى، بينما يميل المعتدلون إلى أن يكونوا مؤيدين للعلم، الأمر الأكثر إثارةً للاهتمام هو أننا تمكنَّا من استخلاص هذه الارتباطات من بيانات الشبكات الاجتماعية فقط.

تضيف "راو" في تصريحات لـ"للعلم": بالإضافة إلى ذلك، تمكنَّا من تحديد بعض المراكز الجغرافية لتجمعات التيار المحافظ المناهض للعلم في الولايات الجنوبية والشمالية الغربية في الولايات المتحدة، لقد أثارت جائحة "كوفيد-19" آراءً متناقضة فيما يتعلق بمنشئه، وجهود التخفيف الفوري لآثاره وتلقِّي التطعيمات، مما أدى إلى بروز المشاعر المعادية للعلم.

وتتابع: بينما كان هناك ارتباطٌ ملحوظٌ بين المحافظين السياسيين والأيديولوجيا المناهضة للعلم، كنا متحمسين لاستكشاف ذلك في بيئة وسائل التواصل الاجتماعي، حاولنا دراسة التفاعل بين الأيديولوجية العلمية والاصطفاف السياسي والتطرف السياسي، وأعتقد أن القدرة على استخلاص مثل هذه الارتباطات التي تعكس الظروف الحالية من بيانات وسائل التواصل الاجتماعي أمرٌ مهم، لقد تصدت الدراسات السابقة للبحث في الاستقطاب السياسي، لكن القليل منها غامر باستكشاف الأبعاد الأيديولوجية المتعددة.

التردد في تلقي التلقيح

تضف "راو": التردُّد في تلقي اللقاح يمثل الآن عقبةً رئيسيةً أمام جهود التلقيح في البلاد، ويمكن لصانعي القرار الاستفادة من أبحاثنا لتحديد المناطق التي تنتشر فيها المشاعر المعادية للعلم، وإنشاء حملات توعية مركَّزة لمعالجة مخاوف محددة في مناطق محددة وبين أوساط محددة.

ما تقوله "راو" يتفق مع ما انتهت إليه هايدي لارسون -عالمة الأنثروبولوجيا، ومديرة "مشروع الثقة باللقاحات"- في كتابها "عالقون" (Stuck)، الذي كُتب قبل أن تجتاح جائحة "كوفيد-19" العالم، وحذرت فيه من تنامي الجماعات المناهضة لتلقِّي اللقاحات، مشددةً على أن "الإعلام الرقمي أسهمَ في تضخيم مخاطر التحصين في نظر المجتمع، لكن لا يمكن إلقاء اللوم على طرفٍ واحدٍ في ظهور هذه الموجة مِن رفْض تلقِّي اللقاحات".

تشير "راو" إلى أن "هناك أشخاصًا يؤمنون بجوانب معينة من العلم ولا يؤمنون به في جوانب أخرى؛ فعلى سبيل المثال، قد يؤيد الناس إجراءات الحجر الشامل والتباعد الاجتماعي، لكنهم قد يترددون في تلقِّي اللقاحات أو أنواع معينة منها، وبينما لا يتعمق عملنا في دراسة مدى الاعتقاد المؤيد للعلم، إلا أنه سعى لاستكشاف الارتباطات الاجتماعية والاقتصادية وعلاقتها بالتردد في تلقي اللقاح.

تغريدات "كوفيد-19"

تضيف "راو": حاولنا الاستفادة من التغريدات المتعلقة بكوفيد-19 والمتاحة لعموم الجمهور عبر هذا الرابط، ووجدنا أن المغردين يميلون إلى مشاركة المحتوى الذي يؤمنون به، والتفاعل بين الأيديولوجية السياسية والعلم ليس أبيض وأسود في رأيي، إذ يؤدي التعليم دورًا حيويًّا في الهوية العلمية، كما استفدنا بالمعلومات المتعلقة بمعاداة العلم من خلال تتبُّع منصة "إم دي بي آي فيوتشر إنترنت"، التي تتعمق أكثر في أسباب ذلك التفاعل وتنوُّعه.

وتتابع: تميل مواقع التواصل الاجتماعي إلى تعريف المستخدمين بالمحتوى بناءً على تفضيلات أصدقائهم، وفي الدوائر المناهضة للعلم، لا يؤدي هذا إلى تعزيز المعتقدات والقناعات فحسب، بل يعرِّض المستخدمين أيضًا لمحتوى تآمري يؤيده أصدقاؤهم.

سجن الخوارزميات

من جهته، يرى ياسر عبد العزيز –الخبير الإعلامي، ومدير مكتب صحيفة الشرق الأوسط بالقاهرة- أن "هذه الدراسة على جانب كبير من الأهمية؛ لأنها تدرس الارتباط بين الأيديولوجيا السياسية والموقف من العلم، علاوةً على ربط ذلك بوسائل التواصل الاجتماعي وتحديد مناطق تمركُز الأيديولوجيات جغرافيًّا على أرض الواقع، ما قد يُسهم في محاولة التواصل مع السكان بشكل مباشر ومحاولة تعديل مواقفهم وإقناعهم بضرورة تلقِّي اللقاح". 

يقول "عبد العزيز" في تصريحات لـ"للعلم": ثمة شيءٌ آخر مهم تثبته الدراسة، وهو أن مواقع التواصل الاجتماعي تعمل على سَجن الناس في أفكارهم ومعتقداتهم وأيديولوجياتهم من خلال الخوارزميات الثابتة التي تتبناها تلك الشركات الكبرى، والتي لا تهدف إلى تثقيف الناس وتقديم المعلومات الصحيحة لهم، وكل ما تريده تلك الشركات من خلال تلك الخوارزميات هو إبقاء الناس على مواقعهم ومنصاتهم لأطول فترة ممكنة.

نظرية المؤامرة

بدوره، يقول كمال المصري، الحاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة إكستر البريطانية: أعتقد أن المواقف الرافضة لتلقي اللقاح ليست مبنيةً على معاداة العلم بالأساس، وأرى أن هناك أسبابًا أخرى لرفض تلقي التطعيمات؛ فالناس في العالم الثالث -والمنطقة العربية جزءٌ منه- مولعون بنظرية المؤامرة والتفسيرات غير العلمية للظواهر المختلفة، لذلك نرى العديد من التأويلات التي ترفض الاستماع إلى منطق العلم والضرورة الطبية، بل وأحيانًا تصوغ منطقها (شبه العلمي) لتسويغ هذا الرفض، ما يهدد نجاح بعض الإجراءات التي ربما كانت الحل الوحيد للقضاء على الوباء، أو على الأقل الحد من انتشاره.

يقول "المصري" في تصريحات لـ"للعلم": الدعوات التي تروِّج للامتناع عن التطعيم ترتبط بمواقف أيديولوجية بالأساس، وتستخدم قنوات تواصل (غير رسمية في الأغلب) لبناء قواعد تتفق معها، ومما يزيد الأمر تشددًا أن التوجهات الرافضة لتلقي التطعيم تجد صدى لها لدى شخصيات أو حركات تتمتع بقواعد كبيرة داخل المجتمعات، وهو ما يعظِّم مصداقيتها ويروج لمقاطعة عملية مثل تلقِّي التطعيم.