في عام 2018، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على استخدام دواء "السيلوسيبين" المستخرج من "فطر المشروم" في علاج العديد من الأمراض العقلية والنفسية.

يوجد "السيلوسيبين" في نحو 200 نوع من أنواع "فطر المشروم"، الذي طالما وُصف بأنه "الفطر السحري"؛ بسبب مركباته القادرة على علاج الاكتئاب والتغلُّب على ضغوط الحياة.

واستمرارًا لتلك الحالة السحرية التي اقترن بها "السيلوسيبين"، كشفت دراسة نشرتها مجلة "سيكوفارماكولوجي" (Psychopharmacology)، اليوم "الثلاثاء"، 28 يناير، أن تناوُل جرعة واحدة منه –بالتزامن مع جلسات العلاج النفسي- يساعد على تحسُّن الحالة النفسية لمرضى السرطان.

وتضيف الدراسة، التي أجراها باحثون أمريكيون، أن "تأثير هذا المخدر الموجود في فطر عيش الغراب قد يستمر لنحو خمس سنوات في حالات الاكتئاب الناجمة عن الخوف من الموت، والتي تصيب مرضى السرطان"، مشيرةً إلى أن "حصول المرضى على جرعة واحدة منه ارتبط بانخفاض مستمر في مستوى القلق، والاكتئاب، واليأس، والإحباط، والخوف من الموت في كل نقطة من نقاط المتابعة التي أُجريت في المرة الأولى بعد ثلاث سنوات من حصول المريض على تلك الجرعة، وفي المرة الثانية بعد مرور أربع سنوات ونصف على تناول الدواء".

يقول ستيفن روس -أستاذ مساعد بجامعة "نيويورك لانجون هيلث"، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": هناك حاجة ماسة إلى وسيلة بديلة لعلاج القلق والاكتئاب المرتبطَين بالسرطان. ووفقًا لإحصاءات من عدة مصادر، فإن نحو 40% من سكان العالم قد يصابون بالسرطان على مدار حياتهم، وإن ثلث هؤلاء الأفراد يعاني من القلق والاكتئاب، وغيرها من أشكال الضيق بسبب إصابته بالمرض.

يضيف "روس" أن "هذه الظروف ترتبط بنوعية حياة رديئة، وزيادة معدلات الانتحار، وانخفاض معدل البقاء على قيد الحياة، كما أن طرق العلاج الدوائية التقليدية -مثل مضادات الاكتئاب- قد تكون فعالةً لأقل من نصف مرضى السرطان، ولا تعمل بشكل أفضل من الدواء الوهمي. بالإضافة إلى ذلك، قد لا يكون لهذه العقاقير أي تأثير على التخلُّص من هذه الاضطرابات، التي عادةً ما تصاحب تشخيص السرطان، وترتبط بالرغبة المتسارعة في الموت، وزيادة التفكير في الانتحار".

تُعد هذه الدراسة امتدادًا لدراسة سابقة أُجريت عام 2016 على 29 مريضًا بالسرطان؛ إذ حصل كلٌّ منهم على تسع جلسات للعلاج النفسي، بالإضافة إلى جرعة واحدة من مخدر "السيلوسيبين"، أو جرعة من دواء وهمي يُدعى "النياسين"، يمكن أن ينتج إحساسًا بدنيًّا بطيئًا يحاكي تجربة مخدر "السيلوسيبين".

وبعد سبعة أسابيع، تبادل جميع المشاركين العلاجات، وجرت مراقبتهم لقياس المؤشرات المرضية للقلق والاكتئاب ضمن عوامل أخرى، وفي التقييم النهائي الذي استمر لمدة ستة أشهر ونصف، وجد الباحثون أن السيلوسيبين يرتبط بتأثيرات طويلة الأمد مضادة للقلق والاكتئاب.

ولم تكتفِ نتائج الدراسة بتأكيد استمرار التحسُّن في مستوى القلق والاكتئاب لدى حوالي 60 إلى 80% من المشاركين، بل أكدت أيضًا حدوث تحسُّن في نوعية الحياة وتعديل مواقف المرضى تجاه التفكير في الموت.

وإذا كانت الدراسة الأولى قد حاولت قياس التحسُّن في الحالة النفسية للمرضى في غضون ستة أشهر، فإن الدراسة الجديدة استهدفت قياس هذا التأثير على المدى الطويل من خلال متابعة لمجموعة فرعية من عينة البحث التي اشتملت عليها الدراسة الأولى؛ إذ جرى الاتصال بـ16 شخصًا هم إجمالي مَن بقوا على قيد الحياة ممن خضعوا للدراسة الأولى، وقد وافق 15 مريضًا منهم على المشاركة في الدراسة الجديدة لمدة تتراوح بين 3.2 أعوام إلى 4.5 أعوام بعد تعاطيهم دواء السيلوسيبين.

يقول "روس": إضافة إلى الأدلة التي يعود تاريخها إلى خمسينيات القرن الماضي، تشير نتائجنا بقوة إلى أن علاج السيلوسيبين هو وسيلة واعدة لتحسين الحالة العاطفية والوجدانية لمرضى السرطان، إذ يقدم هذا النهج نقلةً نوعيةً في الرعاية النفسية لهم، وبصفة خاصة لمَن يعانون من مراحل متأخرة من المرض.

توصلت نتائج الأطروحة الجديدة إلى أن ما بين 60 إلى 80% من المشاركين كانت لديهم استجابات كبيرة مضادة للاكتئاب والقلق خلال سنوات المتابعة، وأرجع غالبية المشاركين ذلك إلى التغيرات الإيجابية التي طرأت على حياتهم بعد تجربة العلاج بالسيلوسيبين، وهي التجربة التي وصفوها بأنها "إحدى أكثر التجارب الروحية ذات المغزى في حياتهم"، وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة.

ويضيف "روس": "يوفر دواء السيلوسيبين أداةً مفيدةً لتعزيز فاعلية العلاج النفسي وتخفيف هذه الأعراض في نهاية المطاف. وبالرغم من ذلك، تبدو الآليات الدقيقة التي يعمل بها الدواء غير مفهومة تمامًا، لكننا نعتقد أن الدواء يمكن أن يجعل الدماغ أكثر مرونةً وتقبلًا للأفكار وأنماط التفكير الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، تشير الأبحاث السابقة إلى أن الدواء يستهدف شبكة الوضع الافتراضي الموجودة في المخ، التي يتم تنشيطها عندما ننخرط في التفكير الذاتي، وتساعد على خلق إحساسنا بالذات. وفي المرضى الذين يعانون من القلق والاكتئاب، تصبح هذه الشبكة مفرطة النشاط، وترتبط بالجرأة والقلق. ويبدو أن السيلوسيبين يغير نشاط هذه الشبكة بشكل حاد ويساعد الناس على تبنِّي منظور أكثر اتساعًا بشأن سلوكياتهم وحياتهم".

وعلى الرغم من أن "جابي أجين-ليبيس" -المتخصصة في علم النفس السريري في جامعة بالو ألتو في كاليفورنيا، والباحثة الرئيسية في الدراسة الجديدة- تؤكد أن هذه النتائج تلقي الضوء على كيفية استمرار الآثار الإيجابية لجرعة واحدة من السيلوسيبين لفترة طويلة، لكنها تحذر من تناول هذا الدواء دون إشراف طبي من قِبَل المتخصصين في مجال الصحة النفسية.