ذكرت دراسة علمية حديثة أن التعرُّض للمضادات الحيوية في مرحلة الطفولة المبكرة -أو المرحلة الجنينية- يُمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في الدماغ في مرحلة الطفولة المتأخرة.

وتؤكد الدراسة، التي نشرتها دورية "آي ساينس" (iScience)، أن التعرُّض للمضادات الحيوية في وقت مبكر من الحياة يُمكن أن يؤدي إلى تغيير نمو المناطق المسؤولة عن الوظائف الإدراكية والعاطفية في الدماغ البشري.

يوضح "مارتن بليزر" -مدير مركز التكنولوجيا الحيوية المتقدمة والطب في جامعة "روتجرز"، والمؤلف الرئيسي للدراسة- أن "تعرُّض الفئران الصغيرة للمضادات الحيوية -من فئة البنسلين- أدى إلى تغيُّر في نشاط الجينات المسؤولة عن نمو أدمغة الفئران الصغيرة".

يقول "بليزر" في تصريحات لـ"للعلم": معظم الدول المتقدمة حظرت استخدام المضادات الحيوية من دون وصفة طبية، ولكن، في الدول النامية -ومصر تحديدًا- ومع شعور كثير من الآباء والأمهات الذين لديهم أطفال بالقلق على صحتهم ووجود العديد من الصيادلة الذين يسعدهم بيع مضاد حيوي لهم ترتفع الكُلفة الصحية للاستخدام غير المنضبط لتلك الأدوية.

يضيف "بليزر": الدراسة واحدة من دراسات عدة أجراها العديد من الباحثين للإشارة إلى أن التعرُّض للمضادات الحيوية في وقت مبكر من الحياة له عددٌ من التأثيرات الجانبية غير المتجانسة على الميكروبيوم؛ ففي نماذج حيوانية، أظهرت هذه الدراسات زيادة معدلات السمنة والربو والحساسية وأمراض الأمعاء الالتهابية والسكري.. والآن تُظهر تغيُّر نشاط الجينات المسؤولة عن نمو أدمغة الفئران.

تشير الدراسة إلى أن البنسلين -أحد أكثر المضادات الحيوية انتشارًا على مستوى العالم- يغير الميكروبيوم (الكائنات الحية الدقيقة المفيدة التي تعيش في أجسامنا وعلى أجسادنا)، وكذلك التعبير الجيني، الذي يسمح للخلايا بالاستجابة لبيئتها المتغيرة، في المناطق الرئيسية من الدماغ النامي.

وتشير النتائج إلى أن تقليل استخدام المضادات الحيوية على نطاق واسع أو استخدام البدائل عندما يكون ذلك ممكنًا يُمكن أن يمنع مشكلات النمو العصبي عند الأطفال.

في الولايات المتحدة، يتلقى الطفل العادي ما يقرب من ثلاث دورات من المضادات الحيوية قبل سن الثانية، وتحدث معدلات تعرُّض مماثلة أو أكبر في العديد من البلدان الأخرى.

يقول "بليزر": معظم هؤلاء الأطفال لا يحتاجون إلى أي مضادات حيوية، ويجب فحصهم بعناية من قِبل الطبيب واتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت هناك حاجة إلى المضادات الحيوية أم لا؛ إذ إن المضادات الحيوية يجب أن يستخدمها الأطباء والصيادلة في حالة عدم وجود بديل لها، أو في حالة عدم وجود تكلفة بيولوجية من جَرَّاء استخدامها.

يوضح "بليزر" تلك التكلفة البيولوجية الكبيرة، مشيرًا إلى أن "الدراسات السابقة أظهرت أن تعريض الحيوانات الصغيرة للمضادات الحيوية يغير عملية التمثيل الغذائي والمناعة، الدراسة الحالية تُظهر أيضًا ارتباطًا بين تغيُّر الميكروبيوم وحدوث تغيُّرات في الدماغ".

قارنت الدراسة الفئران التي تعرضت لجرعة منخفضة من البنسلين في الرحم أو بعد الولادة مباشرةً بتلك التي لم تتعرض لأيّ مضادات حيوية، ووجدوا أن الفئران التي أُعطيت البنسلين شهدت تغيُّرات جوهرية في الميكروبات المعوية وتغيُّرات في التعبير الجيني في القشرة الأمامية واللوزة الدماغية، وهما منطقتان رئيسيتان في الدماغ مسؤولتان عن تنمية الذاكرة بالإضافة إلى استجابات الخوف والتوتر.

اختصت الدراسة بتقييم آثار البنسلين، فماذا عن باقي عائلات المضادات الحيوية؟

يجيب "بليزر" عن تساؤل لـ"للعلم" بقوله: درسنا البنسلين فقط، لذلك لا يمكننا الإجابة عما يخص المضادات الحيوية الأخرى، لكننا نعلم أن العديد منها له تأثيرات كبيرة على ميكروبيوم الأمعاء المبكر في الحياة، وقد اخترنا  البنسلين على وجه التحديد لكونه من المضادات الحيوية الأكثر شيوعًا لعلاج الأطفال الصغار.

وإذا ما حدث تغيُّر في هذا المسار، فقد يؤدي إلى تغيُّر دائم في بنية الدماغ ووظيفته، وربما يؤدي إلى اضطرابات عصبية نفسية أو تنكسية عصبية في مرحلة الطفولة المتأخرة أو مرحلة البلوغ.

يقول "بليزر": الحياة المبكرة هي فترة حرجة للنمو العصبي، وفي العقود الأخيرة شهدنا ارتفاعًا في حدوث اضطرابات النمو العصبي لدى الأطفال، ومن ضمنها اضطراب طيف التوحد واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط وإعاقات التعلم، وعلى الرغم من أن زيادة الوعي والتشخيص من العوامل المساهمة في زيادة تشخيص تلك الأمراض، إلا أن الاضطرابات في التعبير الجيني الدماغي في وقت مبكر من التطور يمكن أن تكون مسؤولةً أيضًا عن تلك الزيادات.

قضى "بليزر" عشرين عامًا كاملة في دراسة الميكروبيوم والعوامل المؤثرة عليه، مؤكدًا أن "المضادات الحيوية لها آثارٌ جانبيةٌ كبيرة، خاصةً عند الأطفال الصغار، وأن الآثار الجانبية يُمكن أن تأتي بعد أشهر أو سنوات من إعطاء العلاج".

يقول "بليزر": أعتقد أن إعطاء الأطفال المضادات الحيوية يُسهم في الزيادات العالمية في معدلات السمنة والسكري والربو والحساسية، لذلك ينبغي عدم إعطاء الأطفال المضادات الحيوية إلا في حالة الضرورة القصوى وبعد استشارة الطبيب وعمل تقييم شامل لمخاطر تناول أو حقن المضاد الحيوي مقارنةً بفوائده.