تنقذ المضادات الحيوية الكثير من الأرواح؛ إذ تُستعمل للوقاية من عدوى الالتهابات البكتيرية وعلاجها، وتُعتبر ضروريةً في كثير من الحالات، ولكن يجب توخِّي الحذر عند تناولها، خاصةً إذا لم تكن الحالة المرضية تستدعي استخدامها، في أوروبا والولايات المتحدة يُصدِر الأطباء ما يقرب من 90٪ من وصفات المضادات الحيوية في العيادات الخارجية، ولقد وجدت أبحاث أُجريت حول الأمر أن ما يقرب من 30٪ من هذه الوصفات يعتبر غير ضروري أو غير مناسب.

وفي السنوات الأخيرة، أطلقت منظمة الصحة العالمية العديد من النداءات والحملات الإعلامية التي تشدد على ضرورة الحد من استهلاك المضادات الحيوية، لمنع البكتيريا من تطوير مقاومة ضدها، ما قد يترتب عليه عواقب وخيمة، ويبدو أن هناك المزيد من المحاذير التي تدفعنا إلى الحرص عند تناول هذه العقاقير، وفق نتائج دراسة حديثة -نشرتها دورية المعهد الوطني للسرطان- أفادت بأن المضادات الحيوية قد تزيد خطر الإصابة بسرطان القولون في المستقبل.

وفقًا للدراسة التي أجراها باحثون من جامعة أوميو السويدية، على أكثر من 40 ألف مريض بالسرطان، فإن تأثير المضادات الحيوية على الميكروبات التي تعيش في الأمعاء قد يكون السبب وراء زيادة خطر الإصابة بالسرطان؛ إذ وجد الباحثون أن كلًّا من النساء والرجال الذين تناولوا المضادات الحيوية أكثر من ستة أشهر معرضون لخطر الإصابة بسرطان القولون الصاعد -وهو الجزء الأول من القولون الذي ينتقل إليه الطعام بعد الأمعاء الدقيقة- بنسبة 17٪، مقارنةً بأولئك الذين لم يتناولوا مضادات حيوية، واقتصرت الدراسة على تغطية المضادات الحيوية التي يتم تناولها عن طريق الفم فقط، على الرغم من أن المضادات الحيوية التي تؤخذ عن طريق الوريد قد تؤثر أيضًا على الميكروبات التي تعيش في الأمعاء.

تحليل بيانات سويدية

تقول صوفيا هارليد، باحثة السرطان في جامعة أوميو، والمشرفة على الدراسة: "بدأت الدراسة في عام 2017 استنادًا إلى معلومات سابقة حول تورُّط المضادات الحيوية كعامل خطر في الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، للتحقق من صحة هذه العلاقة والحصول على المزيد من التفاصيل".

حلَّل الفريق البحثي بيانات أكثر من 40.000 مريض من السجل السويدي لسرطان القولون والمستقيم في الفترة من عام 2010 وحتى عام 2016، ثم قارنوها ببيانات أخرى من سجل الأدوية الموصوفة للمضادات الحيوية، تعود إلى أكثر من 200 ألف من السكان السويديين، من الأصحاء، في الفترة ما بين عام 2005 إلى عام 2016.

أفادت نتائج الدراسة أن خطر الإصابة بسرطان القولون زاد بشكل واضح بعد مرور خمس إلى عشر سنوات من تناوُل هؤلاء الأفراد للمضادات الحيوية، وعلى الرغم من أن زيادة المخاطر كانت أكبر بالنسبة لأولئك الذين يستهلكون المضادات الحيوية بشكل مكثف، إلا أن الباحثين لاحظوا زيادةً صغيرةً -ولكنها ذات دلالة إحصائية- في خطر الإصابة بالسرطان بعد الاستخدام المعتدل للمضادات الحيوية أيضًا.

تشدد "هارليد" على أن "خطر الإصابة بسرطان القولون زاد حتى في حالة تناول وصفة طبية واحدة من المضادات الحيوية".

وصفة طبية عند الحاجة فقط

الدراسة السويدية التي أُجريت على نطاق واسع، تؤكد نتائج دراسة بريطانية سابقة كانت قد نُشرت في ديسمبر الماضي، ولكن على نطاق أصغر.

تعلق سينثيا سيرز، أستاذة الطب والأورام في جامعة جونز هوبكينز -والمشرفة على الدراسة البريطانية- في حديثها مع "للعلم" على دراسة "هارليد" بقولها: "الاستخدام المناسب للمضادات الحيوية أمرٌ بالغ الأهمية، لتجنُّب النتائج غير المرغوب فيها، مثل تعزيز مقاومة البكتيريا لهذه المضادات أو لتجنُّب الإصابة بعدوى كلوستريديوديز ديفيسيل البكتيرية".

كلوستريديوديز ديفيسيل هي نوع من البكتيريا يتسبب في عدوى الأمعاء الغليظة، مسببًا ما يُعرف باسم "التهاب القولون الغشائي الكاذب"، وعادةً ما تحدث الإصابة بهذه البكتيريا بعد تلقِّي المضادات الحيوية.

تحتوي الأمعاء على ما يتراوح بين 500 و2000 نوع مختلف من البكتيريا، تعتبر العديد من هذه الأنواع (بكتيريا نافعة)؛ إذ تساعد على حماية الجسم من العدوى.

ولكن عند تعاطي مضادات حيوية لعلاج عدوى ما، تميل هذه الأدوية إلى تدمير بعض البكتيريا النافعة إلى جانب القضاء على البكتيريا المسببة للعدوى، دُونَ وجود هذه البكتيريا النافعة تنتهز أنواعٌ أخرى من البكتيريا -مثل كلوستريديوديز ديفيسيل- الفرصة لتنمو دون تقييد، بشكل سريع وخارج عن السيطرة.

نشرت "سيرز" مع أحد زملائها افتتاحيةً حول دراسة فريق "هارليد" في العدد نفسه من دورية المعهد الوطني للسرطان، تقول فيها: "مؤخرًا أظهرت العديد من الدراسات البحثية -ومن ضمنها دراسة هارليد وزملائها- وجود خطر جديد يرتبط باستخدام المضادات الحيوية، ألا وهو زيادة خطر الإصابة بسرطان القولون بعد سنوات من بدء هذا الاستخدام"، مضيفةً أنه وفقًا لهذه النتائج، يجب على الأطباء أن يتمسكوا بوصف المضادات الحيوية فقط عند الحاجة الطبية، وألا يتناول المرضى المضادات الحيوية دون حاجة إلى ذلك.

المضادات الحيوية والميكروبيوم

كوَّنت "هارليد" وفريقها فرضيةً حول الآلية التي تزيد بها المضادات الحيوية من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، ترتكز على أن "المضادات الحيوية التي تقلل من التنوع البكتيري في القناة الهضمية، تؤدي إلى زيادة نمو المزيد من الأنواع البكتيرية المسببة للأمراض، مما قد يؤدي إلى زيادة الالتهاب وتكوين الأغشية الحيوية المرتبطة بتطور سرطان القولون والمستقيم"، وفق قولها.

من أجل فهم كيف تزيد المضادات الحيوية من خطر الإصابة بالسرطان، درس الباحثون أيضًا تأثير عقار مبيد للجراثيم يُستخدم ضد التهابات المسالك البولية ولا يؤثر على الميكروبيوم (مجموع الميكروبات التي تستوطن الأمعاء)، لم يكن هناك اختلاف في وتيرة الإصابة بسرطان القولون لدى أولئك الذين استخدموا هذا الدواء، مما يرجح أن تأثير المضادات الحيوية على الميكروبيوم هو الذي يزيد من خطر الإصابة بالسرطان.

وصف رايموند دوبوا -مدير مركز هولينجز للسرطان وعميد كلية الطب بجامعة كارولينا الجنوبية الطبية- نتائج الدراسة بأنها مثيرةٌ للاهتمام، موضحًا أن أهمية الدراسة تكمُن في العدد الكبير للمرضى، والعلاقة التي تُشير إليها.

يقول "دوبوا": "فيما سبق كنا على علم بأن بعض البكتيريا الموجودة في الميكروبيوم تزيد من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم لدى بعض الأفراد، ومع ذلك، لم تكن هناك دراسات محددة ترصد تفاصيل الميكروبيوم الخاص بهؤلاء المرضى".

نتائج مثيرة للاهتمام

سرطان القولون والمستقيم (CRC) هو مرض متعدد العوامل، حددت الأبحاث الوبائية المكثفة العديد من عوامل الخطر الطبية وأخرى متعلقة بنمط الحياة، لكن المسببات لا تزال غير معروفة كليًّا، يقول "دوبوا": "يبدو أن هناك بعض الاختلافات في خطر الإصابة بالسرطان وفقًا لأنواع المضادات الحيوية المستخدمة، سيكون من الممتع فهم سبب هذه الاختلافات، ركزت الدراسة على ربط مكان تكوُّن الورم في الأمعاء بهذا الأمر".

لم يرصد الباحثون زيادةً في خطر الإصابة بسرطان القولون النازل لدى المرضى، وعلى الجانب الآخر رصدوا انخفاضًا في خطر الإصابة بسرطان المستقيم بشكل طفيف لدى النساء اللاتي تناولن المضادات الحيوية.

تقول "هارليد": "المثير للاهتمام أن الخطر بدا محصورًا في القولون القريب، وهو الجزء الأول والأوسط من القولون، أما بالنسبة لسرطان المستقيم، فقد وجدنا انخفاضًا في المخاطر المرتبطة باستخدام المضادات الحيوية لدى النساء، دون الرجال".

هل نتجنب المضادات الحيوية؟

يقول "دوبوا": "تحتوي دراسات "الحالات والشواهد" بشكل عام على بعض نقاط الضعف المتأصلة، تتمثل في أنه قد يكون من الصعب تحديد السبب أو النتيجة من الظواهر التي ترصدها، فمثلًا هل يعاني بعض المرضى الذين يتناولون المضادات الحيوية من حالات أخرى قد تزيد من خطر الإصابة بالسرطان والعدوى، مثل مرض التهاب الأمعاء، أو نوع من حالات نقص المناعة التي يمكن أن تزيد أيضًا من خطر الإصابة بالسرطان؟".

يُذكر أن دراسة الحالات والشواهد (Case–control study) هي نوع من الدراسات الرصدية التي تُستخدم للمساعدة على تحديد ما إذا كان التعرُّض لشيء معين يرتبط بحدوث نتيجة أم لا، تقارن بين مجموعتين، إحداهما تشمل المرضى الذين يعانون من حالة مرضية معينة "الحالات"، والأخرى تشمل أشخاصًا أصحاء "الشواهد".

يوضح "دوبوا": "الأشخاص المستهلكون للمضادات الحيوية قد يكون لديهم نمط حياة غير صحي -مثل قلة التمارين الرياضية وقلة الحركة، أو نظام غذائي سيئ، وما إلى ذلك- مما قد يؤثر بشكلٍ ما على خطر الإصابة بالسرطان".

قد يكون معظم الأشخاص الذين توصف لهم المضادات الحيوية بحاجة إليها فعلًا لعلاج عدوى نشطة من نوعٍ ما، يشير "دوبوا" إلى أنه سيكون من الصعب تجنُّب العلاج بالمضادات الحيوية في تلك المواقف، ويقترح: "يمكن للأطباء أن يفكروا في إعطاء المرضى نوعًا من "المُعينات الحيوية" بعد المضادات الحيوية، وذلك للمساعدة في استعادة الميكروبيوم الصحي في أمعائهم".

المُعينات الحيوية أو (Probiotic) هي كائنات حية دقيقة، عند تناوُلها بكميات مناسبة تعطي فائدةً صحيةً ذات صلة بالميكروبيوم الصحي، وعادةً ما يصفها الأطباء للمرضى بعد دورة من العلاج بالمضادات الحيوية.

من جانبها، تعتقد "هارليد" أن نتائج دراستها لا تزال بحاجة إلى تأكيد من خلال دراسات إضافية على مجموعات سكانية مختلفة ومتابعة طويلة المدى، وتضيف: "نحتاج إلى مزيد من البحث في إمكانية وجود علاقة سببية بين استخدام المضادات الحيوية وخطر الإصابة بسرطان القولون، لكن هذا سيتطلب دراسات ذات تصميم مختلف، بالإضافة إلى فهمٍ أفضل للتفاعل بين الميكروبات والمضيف"، مشددةً على أن دراستهم توفر سببًا إضافيًّا للحد من استخدام المضادات الحيوية قدر الإمكان، إلا أن السبب الرئيسي لذلك يظل خطر مقاومة البكتيريا، يُذكر أن السويد بصدد تطبيق الفحص الروتيني لسرطان القولون والمستقيم، ما يُتوقع له أن يُسهم في الكشف المبكر عن السرطان والوقاية منه.