في إحدى حلقات مسلسل "توم وجيري" الكارتوني الشهير، يعثر الفأر "جيري" على وسيلة تُمكّنه من الاختفاء تمامًا عن ناظري القط "توم"؛ وهو الاختفاء الذي يثير تعجّب القط وحفيظته، ما يجعله يسعى -بكل الطرق- لرؤية الفأر من أجل التهامه.

المشهد السابق، والذي ربما اعتبره كثيرون ضربًا من الخيال، يُجسِّد باختصار ما يجري داخل الجسم البشري، إذ تلعب خلايا السرطان دور الفأر، فيما يؤدي جهاز المناعة دور القط.

وتشير إحصائيات "منظمة الصحة العالمية" إلى أن السرطان لا يزال يمثل أحد أهم الأمراض القاتلة، إذ تسبب في وفاة نحو 9.6 مليون شخص في عام 2018، وهو ما يمثل واحدًا من كل 6 وفيات حول العالم.

ويمثّل وجود أنواع عديدة من السرطان أحد التحديات التي تواجه الأطباء والباحثين لإيجاد علاج للمرض، خاصة أن هذا التنوع يؤدّي إلى عدم وجود حل سحري يصلح لجميع الأورام.

خداع لا ينتهي

الأكثر مما سبق أن خلايا السرطان مراوغة وعنيدة، ولديها من الأدوات ما يُمكِّنها من خداع جهاز المناعة والبقاء على قيد الحياة، في صورة لا تختلف كثيرًا عن لعبة القط والفأر.

تتعرّف خلايا المناعة على الخلايا والأجسام الغريبة عن طريق مستضدات (Antigens) معينة توجد على سطح الخلية، ومن ثم تهاجمها وتقضي عليها، مثل لص يجيد التخفي، قد تتمكن خلايا السرطان من التخلص من هذه المستضدات باتباع سياسة "الاختفاء"، وتجنّب هذا التأثير المناعي.

ولا تكتفي بهذا، فقد تنجح في تحييد خلايا المناعة بإفراز بعض الرسائل الكيميائية التي تحوِّل "الخلايا التائية القاتلة" من نوع CD4 -التي تلعب دورًا مهمًا في نظام المناعة- إلى "الخلايا التائية التنظيمية" (regulatory T cells) التي لا تقوم بالوظيفة نفسها.

وأحيانًا تتشبه الخلايا السرطانية بخلايا الجسم وترتدي عباءتها حتى تتجنّب الأذى؛ إذ تضع كل أنواع خلايا السرطان "تقريبًا" على سطحها نوعًا من البروتينات يُسمى CD47، يوجد هذا البروتين بشكل طبيعي على خلية الجسم الطبيعية، وكأنه يقدّم رسالة قصيرة لـ"الخلايا البلعمية" مفادها "لا تلتهمني"، ومن ثمَّ يحمي الخلية من أثر جهاز المناعة نفسه، لكن خلايا السرطان قد تُغطّي نفسها بهذا البروتين حتى تتجنَّب الالتهام، وتتمكَّن من البقاء على قيد الحياة.

ومن أجل القضاء على خلايا السرطان التي تمارس هذا الخداع، حاول الباحثون ابتكار أجسام مضادة تُغلق تأثير هذا البروتين، وتحوّل رسالة "لا تلتهمني" إلى رسالة جديدة مفاداها "التهمني".

ووفق دراسة نشرتها مجلة "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن" (The New England Journal of Medicine)، تمكَّن باحثون بجامعة "ستانفورد" الأمريكية من بلوغ مرحلة التجارب السريرية لتقييم هذه الأجسام المضادة والمعروفة بـ5F9 مع دواء آخر اسمه "ريتوكسيماب"، وهو دواء معروف يُستخدم كمضاد لبروتين CD 20 في حالات معينة من مرضى الليمفوما، أحد أخطر أنواع سرطانات الدم.

التجربة شملت مرضى مصابين بـ"ليمفوما الخلايا البائية الكبيرة المنتشرة" (Diffuse large B-cell lymphoma)، وكذلك "سرطان الغدد الليمفاوية الجريبي" (Follicular lymphoma)، تعرَّضوا لانتكاس أو أصبح السرطان لديهم مقاومًا للعلاج.

ويبدو من نتائج الدراسة أن المعالجة المناعية الجديدة آمنة للاستخدام في المرضى المصابين بنوع من سرطان الدم يدعى ليمفوما اللاهودجكين، طبقًا للتجارب السريرية متعددة المراحل.

ورغم أن بعض المرضى أظهروا علامات على وجود فقر دم مؤقت، أو ردود فعل في موقع الحقن، فإنه لم تكن هناك سوى بعض الآثار الجانبية الأخرى للعلاج، كما قال الباحثون.

واللِّمْفومَة اللاهودْجِكينِيَّة (Non - Hodgkin lymphoma) هي مجموعة أمراض خبيثة وشائعة تصيب الجهاز اللِّمْفي -أكثر شيوعًا في أوساط الرجال منها لدى النساء- وتتزايد احتمالات الإصابة مع التقدّم في السّن. تبلغ نسبة الإصابة بمرض اللمفومة اللاهودجكينية 15 لكل 100000 شخص.

تقول "رانجانا أدفاني" -أستاذة الليمفوما بمعهد ستانفورد للسرطان بجامعة ستانفورد، وإحدى الباحثات الرئيسيات في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "نتائج الدراسة كانت واعدة، إذ استجاب عدد من المرضى المشاركين فيها للعلاج بنسب متفاوتة، كما أن الأعراض الجانبية كانت محدودة".

وتضيف: "هدفنا الأساسي من هذه التجربة تقييم أمان استخدام 5F9 مع ريتوكسيماب في هذه المجموعة من المرضى، وهو ما يعرف بالمرحلة 1b من التجارب السريرية، واستهدفنا أيضًا تحديد الجرعة التي يجب أن يُوصى بها من الدواء مع دواء آخر، ومدى قدرة المريض على تحمّل هذا المزيج العلاجي"، موضحة: "بشكل عام، يمكن القول إن المرضى تحملوا المزيج بشكل جيد، واقتصرت أغلب الأعراض الجانبية على فقر دم محدود ومؤقت، تعاملنا معه، وكانت استجابة نصف المرضى في نوعَي المرض جيدة؛ كما أن الاستجابة كانت كاملة في 36% منهم، واستمرت الاستجابة في بعضهم حتى هذه اللحظة".

التجارب السريرية

تنقسم التجارب السريرية للأدوية إلى ثلاث مراحل، تسبقها مرحلة تُسمَّى بالمرحلة الصفرية التي يُقيَّم فيها إذا ما كان الدواء يعمل فعلًا، وكيف يعمل داخل الجسم، إذ جُرِّب على عدد محدود من المرضى بجرعات صغيرة.

وتهدف المرحلة الأولى إلى تقييم أمان استخدام الدواء والأعراض الجانبية التي تسببها جرعاته المختلفة.

وإذا مرَّ الدواء من المرحلة الأولى، يدخل المرحلة الثانية حيث تدرس فاعليته، قبل أن تحل المرحلة الثالثة وهي مقارنته بالعلاجات المتاحة.

توضّح "أدفاني" طريقة عمل المزيج العلاجي الجديد قائلة: "أهم ما يميّز هذا العلاج أنه لا يؤثر بشكل كبير على الخلايا الطبيعية التي تحمل رسالة (لا تلتهمني)".

فبينما تحمل هذه الخلايا تلك الرسالة فقط، تحمل خلايا السرطان رسالتين، الأولى: "لا تلتهمني"، والثانية: "التهمني". وحين نُغلِق الرسالة الأولى بالأجسام المضادة لـCD47، تعمل الرسالة الأخرى؛ ومن ثمَّ يمكن التخلص من هذه الخلايا بشكل طبيعي عن طريق "الخلايا البلعمية" وفق أدفاني.

رحلة لا تتوقف

الدراسة الجديدة ليست "الأولى" التي ينفِّذها الباحثون في جامعة "ستانفورد" في هذا المجال، إذ إنهم يعملون على هذا الطرح العلاجي منذ عام 2009. وأول الأبحاث المتعلقة بهذا المجال نشرتها مجلة "سل" (Cell)، حيث وجد الباحثون أن البروتينCD47 يزداد في خلايا سرطان الدم، وهو ما يساعد هذه الخلايا على تجنب الالتهام.

وفي العام نفسه، نشرت المجلة ذاتها دراسة أخرى ذكرت أن بروتينCD47 يزداد في الخلايا الجذعية السرطانية في "ابيضاض الدم النقوي الحاد" (Acute Myeloid leukemia) ، وهو ما يؤدي إلى تنبؤ أسوأ بالمرض.

 ففي هذا البحث طُرحت فكرة استخدام الأجسام المضادة ضد هذا البروتين من أجل العلاج، لتتوالى الجهود البحثية حتى بلغت مرحلة التجارب السريرية في الدراسة الحديثة.

وابيضاض الدم النقوي الحاد (AML) هو سرطان يحدث في الدم ونخاع العظم، النسيج الإسفنجي الموجود داخل العظم الذي تُصنع فيه خلايا الدم، وتشير كلمة "الحاد" إلى التقدم السريع للمرض، ويطلق عليه ابيضاض الدم النقوي نظرًا إلى أنه يؤثر في مجموعة من خلايا الدم البيضاء، تتطوّر بشكل طبيعي داخل الأنواع المختلفة من خلايا الدم الناضجة، كخلايا الدم الحمراء وخلايا الدم البيضاء والصفائح الدموية.

ويُعرف ابيضاض الدم النقوي الحاد أيضًا باسم ابيضاض الدم النخاعي الحاد، والابيضاض نقوي الأرومات الحاد، وابيضاض المحببات الحاد، وابيضاض الدم الحاد اللالمفاوي.

من جهتها، تقول "غادة سعد" -مدرس مساعد طب الأورام بمعهد الأورام القومي بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "الدراسة تقدّم خيارًا علاجيًّا جديدًا للمرضى الذين يقاومون الطرق المختلفة للعلاج، أو الذين ينتكسون بعده، لكن بعض الناس لديهم تحفظ على اختيار المرضى المشاركين في الدراسة، إذ اُختِير مرضى حالتهم الصحية العامة جيدة، حتى إن كانوا مصابين بالمرض".

وشدّدت على أنه يجب تجاوز هذه النقطة في مراحل التجارب التالية، وإشراك مجموعات مختلفة من المرضى مستقبلًا.

تُعلِّق "أدفاني" على هذا التحفظ قائلة: "بدأنا بالفعل تسجيل المرضى للمشاركة في المرحلة الثانية من التجارب السريرية، وسنُدرج المرضى المصابين بـ"ليمفوما الخلايا البائية الكبيرة المنتشرة" في مجموعة، والمرضى المصابين بأنواع أخرى من الليمفوما بطيئة النمو في مجموعة أخرى.

وشدّدت على أن كلا المجموعتين ستشمل المرضى الذين تعرَّضوا لانتكاس أو مقاومة للعلاج، وتابعت: "نأمل أن ننشر البيانات الخاصة بهذه التجربة قريبًا".

تضيف أدفاني أنه إذا أُثبت هذه النتائج على عدد كبير من المرضى، فقد يكون هذا خيارًا جديدًا في مجال العلاج المناعي، ليس فقط في الليمفوما، ولكن في أنواع الأورام المختلفة.

بدورها، تُعلِّق "سعد" بأنه "رغم الأمل الذي يقدِّمه هذا النوع من العلاج للمرضى بشكل عام، فإن علينا التعامل بحذر مع إعطاء الأمل السريع للمرضى في بلادنا، إذ تقف التكلفة عائقًا أمام تجربة كثير من الأدوية -خاصة المناعية- في البلاد النامية، كما ينبغي أن نكون واقعيين قدر الإمكان حتى لا يُصاب المرضى بخيبة الأمل، خاصة إذا كانوا يعانون بالفعل من وطأة المرض جسديًّا ونفسيًّا".