حذرت ورقة بحثية نفذها باحثون من جامعة ستانفورد الأمريكية من أن انخفاض عدد إصابات الملاريا في أفريقيا جنوب الصحراء سيتزامن مع ارتفاع الأمراض الأخرى التي ينقلها البعوض، مثل حمى الضنك.

وقالت الدراسة التي نشرتها دورية "لانسيت بلانيتاري هيلث" (Lancet Planetary Health)، إن كارثة صحية عامة ستضرب تلك المنطقة إذا فشلت في تصميم إستراتيجيات تشمل مكافحة كل الأمراض التي ينقلها البعوض، وليس الملاريا فحسب.

ويشير الباحثون إلى أن التغير المناخي سيعيد ترتيب مشهد الأمراض المعدية، كفاشيات الشيكونغونيا (مرض فيروسي ينتقل إلى البشر عن طريق حشرات البعوض) وحمى الضنك (عدوى فيروسية ينقلها البعوض تؤدي إلى مرض شبيه بالإنفلونزا)، مؤكدين ضرورة استعداد العالم لهذا التهديد الناشئ.

من المعروف أن هناك أنواعًا مختلفة من البعوض، وتزدهر تلك الأنواع في درجات حرارة مختلفة، وتنقل مجموعات واسعة من الأمراض. فمثلًا، ينقل البعوض من نوع "الأنوفيلة الغامبية" الملاريا، التي تصيب أكثر من 200 مليون شخص في أفريقيا، وتقتل منهم 400 ألف شخص.

ولسنوات، كانت جهود الصحة العامة في المنطقة تستهدف ذلك النوع من البعوض، عن طريق الناموسيات المعالَجة بالمبيدات الحشرية، والرش، وتدابير أخرى.

ومع ذلك، فإن إستراتيجيات المكافحة التي تركز على الملاريا لا تفعل شيئًا يُذكر لمكافحة بعوضة "الزاعجة المصرية"، التي يُمكن أن تنقل مجموعةً من الأمراض المدمرة، مثل حمى الوادي المتصدع وحمى الضنك.

وقد أدى التوسع الحضري المتزايد إلى توسيع نطاق الزاعجة المصرية، من خلال توسيع مناطق التكاثر المفضلة لديها، التي تشمل الحاويات التي يصنعها الإنسان، مثل الإطارات المهملة والعلب وأباريق تخزين المياه.

في المقابل، يتكاثر البعوض الناقل للملاريا في أحواض مائية طبيعية أكثر شيوعًا في المناطق الريفية. وتشكل المناطق الحضرية الموسعة أيضًا جزرًا حراريةً أو مناخًا محليًّا أكثر دفئًا بعدة درجات من المناطق النباتية المحيطة، وهو عامل جذب آخر لبعوضة الزاعجة المصرية المعروفة علميًّا تحت اسم Aedes aegypti، التي تتكاثر بكفاءة أكبر في الطقس الدافئ.

وجدت الأبحاث السابقة أن درجات الحرارة الأكثر دفئًا تزيد من انتقال الأمراض المنقولة بالبعوض، كما أن البعوض يتكيف مع درجات حرارة متفاوتة. من المرجح أن تنتشر الملاريا عند 25 درجة مئوية، أما خطر الإصابة بحمى الضنك فيكون أعلى عند 29 درجة مئوية.

ونتيجةً لذلك، فإن ارتفاع درجة حرارة العالم يعني المزيد من حمى الضنك؛ إذ كان عام 2019 أسوأ عام على الإطلاق بالنسبة للمرض، مع وجود حالات في كل منطقة، بما في ذلك بعض البلدان التي لم تشهد حمى الضنك من قبل، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

وفي أفريقيا جنوب الصحراء، من المرجح أن تتزايد الأمراض التي يسببها البعوض الذي يحمل أمراضًا غير الملاريا مع تغيُّر المناخ، وفقًا للباحثين في تلك الدراسة. في حين أن الاحترار يمكن أن يزيد من عدد البعوض الحامل للملاريا في الأماكن الباردة نسبيًّا، مثل المرتفعات، فمن المرجح أن يقلل أعداد البعوض في المناطق المنخفضة الأكثر دفئًا، مثل العاصمة الغينية "أكرا"، لكن مع زيادة عدد البعوض الذي يحمل حمى الضنك وأمراض أخرى.

وفقًا للدراسة، ستصبح المناطق المحيطة ببحيرة فيكتوريا، مثل مدن كيسومو بكينيا وعنتيبي بأوغندا، معرضةً لخطر كبير بحلول عام 2050، مع انتشار هذا الخطر غربًا إلى مناطق تشمل مدن "مبارارا" بأوغندا و"موانزا"  بتنزانيا.

وتوضح الدراسة أن الدليل على حدوث انفجار محتمل في الأمراض المنقولة عن طريق الزاعجة المصرية موجود بالفعل في أفريقيا جنوب الصحراء؛ إذ شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا في إصابات حمى الضنك وأوبئة شيكونغونيا في كينيا والسودان.

ويقترح الباحثون أن نقص الوعي العام ببيئة بعوض الزاعجة المصرية ومخاطر التعرُّض لها يزيد من فرص الإصابة بأمراض أخرى ينقلها البعوض غير الملاريا، في حين أن النظم الصحية في هذه المناطق تفوِّت العديد من هذه الحالات؛ بسبب نقص الاختبارات والتشخيص أو خطأ في التشخيص على أنه ملاريا.

تقول "أنجيل ديزيريه لابود" -أستاذة طب الأطفال بجامعة ستانفورد، والمؤلفة الأولى للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن ثمة علاقة عكسية ستنشأ بين الملاريا وباقي الأمراض التي ينقلها البعوض؛ فحين تصبح الملاريا أقل شيوعًا، ستتزايد أعداد المصابين بحمى الضنك.

توضح "لابود" أن الفريق البحثي عمل على تلك الدراسة لعدة سنوات، بهدف إلقاء الضوء على كيفية تأثير درجة الحرارة على انتقال الأمراض المنقولة بالبعوض، مضيفةً: "أجرينا بحثًا ميدانيًّا إنسانيًّا عن الملاريا في كينيا، وانتهينا إلى إثبات أن عالمًا ساخنًا أكثر هو عالَمٌ مريض أكثر".