على الرغم من أن وظيفة النوم الأساسية لا تزال لغزًا عصيًّا على الحل، يحاول الباحثون بين الحين والآخر فهم العلاقة بين النوم والصحة العامة.

وتشير دراسة علمية نشرتها دورية "بلوس بيولوجي" إلى أن فهم آليات النوم أصبح مهمًّا للغاية مع تزايُد معاناة البشر من "اضطرابات النوم المزمنة" وتزايُد الأدلة حول وجود علاقة بين قلة النوم والتأثيرات الصحية السلبية على الإنسان.

يقول الباحثون، في الدراسة التي تُعَد الأولى من نوعها من حيث الربط بين اضطرابات النوم والإجهاد التأكسدي، إن "هناك علاقة متبادلة بين الإجهاد التأكسدي وتنظيم النوم، إذ تؤثر عملية الإجهاد التأكسدي سلبًا على النوم، وتسبب حالةً من الأرق، الأمر الذى ينجم عنه اضطرابات في النوم تؤدي إلى الإصابة بالعديد من الأمراض، وفي المقابل فإن النوم نفسه يُعطي الجسم آليات للدفاع عن الإجهاد التأكسدي".

ويُعرف "الإجهاد التأكسدي" بكونه زيادة المواد المؤكسدة في الخلية، وهو الأمر الذي يسبب أمراضًا عديدة مثل السرطانات والسكري وارتفاع ضغط الدم وتصلُّب الشرايين، ويساعد على توليد طفرات جينية تُدمر الحمض النووي والبروتينات.

أما عملية الأكسدة، فهي عملية طبيعية تحدث حين يتفاعل الجسم مع المواد الغذائية لإنتاج طاقة، وينتج عن ذلك التفاعل مجموعة من "الجذور الحرة"، وهي مركبات غير مستقرة تدخل الخلية، وعلى الرغم من أن للجذور الحرة دورًا مهمًّا في كثير من العمليات الحيوية، وبعضها مهم للغاية للحياة، مثل قتل البكتيريا داخل الخلايا، فخطورتها تكمن في إمكانية تفاعلها مع الأحماض الأمينية، التي تُعَد المشكِّل الرئيسي للمادة الوراثية للخلية، الـ(دي.إن.إيه) (DNA)، مما يؤدي إلى الإضرار بالخلية، وقد يسبب تدميرها.

ففي الوضع الطبيعي، تدمر الخلية بعضًا من تلك الجذور وتطردها خارج الجسم، ويتبقى البعض الآخر في حالة حرة، ويتفاعل مع محتويات بعض الخلايا مسببًا خللًا فيها، ما يجعل الجسم أكثر عرضةً للالتهابات والأورام.

ويشير الباحثون إلى أن تناول الأغذية الطبيعية المضادة للأكسدة يوفر حماية فعالة من "الجذور الحرة"، ويحمي الجسم من الإصابة بأعداد كبيرة من الأمراض. أما في حالة تراكم تلك الجذور، فيحدث ما يُعرف بـ"الإجهاد التأكسدي"، وهو أمر ظل العلماء مدةً طويلة يظنون أنه يُسبب عددًا من الأمراض.

فحص الباحثون الطفرات الموجودة في ذباب الفاكهة، وركزوا على فهم العلاقة ثنائية الاتجاه بين النوم والإجهاد التأكسدي؛ وانتهوا إلى أن الطفرات التي تحدث لدى ذباب الفاكهة وتسبب إجهادًا تأكسديًّا ينجم عنها اضطرابات في النوم لدى تلك الكائنات.

وتبنى الباحثون في الدراسة فرضية تقوم على أنه "إذا كان للنوم آثار على إنتاج مواد مضادة لعملية التأكسد، فمن المؤكد أن الإجهاد التأكسدي له دور في تنظيم عملية النوم، مشددين على أن "الحد من الإجهاد التأكسدي في الدماغ عن طريق زيادة الجينات المضادة للأكسدة يؤدي إلى تقليل مدة النوم".

تقول "ميمي شيراسوا-هيزا" -الباحثة في جامعة كولومبيا ومُعدة الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك علاقة ثنائية بين عملية الإجهاد التأكسدي والنوم، فكلما زاد الإجهاد التأكسدي زادت مدة النوم، وهو ما يفسر ميل المرضى بالإجهاد التأكسدي إلى النوم فترات طويلة".

وتشير "هيزا" إلى أن "إثبات تلك العلاقة استغرق أكثر من أربع سنوات من العمل الدؤوب، والنتائج تسلط الضوء على أمراض كثيرة كالشلل الرعاش وألزهايمر، كما أكدت أن للنوم وظيفة دفاعية عن الجسم ضد الإجهاد التأكسدي الذى يساعد بدوره على إحداث النوم نفسه"، مضيفةً أنه "بما أن النوم ضروري بالنسبة لجميع الكائنات، فإن نتائج الدراسة يُمكن أن تنسحب على البشر كذلك، والخطوة التالية تشمل تحديد الخلايا العصبية التي تنظم عملية الإجهاد التأكسدي"، على حد وصفها.