أعادت ثورات الربيع العربي رسم خريطة الحياة السياسية من جديد، وأعقبتها تغيُّرات جيوسياسية هائلة، لم يمتد أثرها إلى دوائر الحكم فحسب؛ بل كان لها تداعيات ملموسة على العلوم والتكنولوجيا، وذلك انطلاقًا من مصر التي نص دستورها لعام 2014، على تخصيص 1% من إجمالي الناتج المحلي ميزانيةً للبحث والتطوير، مرورًا بتونس التي جلبت لها الثورة المزيد من الحرية الأكاديمية، والعلاقات الدولية.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" رصدت ما آلت إليه سياسات العلوم والتكنولوجيا في بلدان العالم، خلال الأعوام الخمسة الماضية من 2010 وحتى 2015، وأفسحت المجال أكثر للتغيُّرات الجذرية التي حدثت في سياسة العلوم، فيما بعد ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس منتصف ديسمبر 2010، ثم أعقبتها مصر مطلع 2011، ولم تنس ليبيا التي واجهت حركة تمرد قتالية، أضعفت الأمل في الإحياء السريع للعلوم والتكنولوجيا، وهكذا الحال في سوريا التي تعاني حروبًا أهلية.

مجلة "للعِلم" تلقي الضوء على تقرير "اليونسكو للعلوم 2030" الذي خلص إلى أنه رغم الفجوة التي كانت موجودة بين الدول في مجال البحوث والابتكار، فهناك حاليًّا عدد كبير من البلدان تدمج بين العلوم والتكنولوجيا والابتكار في جدول أعمال التنمية الوطنية؛ من أجل اقتصاد أقل اعتمادًا على المواد الخام.

وخلص التقرير أيضًا إلى أن التنمية المستدامة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الخطط الوطنية للحكومات للسنوات الـ20 المقبلة، حتى في البلدان ذات الدخل المنخفض، لكن لا تزال المساواة بين الجنسين تحديًا للمستقبل، فبالرغم من وجود التكافؤ في تحقيق التعليم العالي لدى العديد من البلدان، لا تزال المرأة أقلية في وظائف البحوث في جميع أنحاء العالم.

وبمناسبة عرض التقرير في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في مقر اليونسكو، في اليوم العالمي للعلوم، صرحت المديرة العامة لليونسكو، <إيرينا بوكوفا>، قائلة: "إثر اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة المُزمَع تحقيقها بحلول عام 2030، يُظهِر تقرير اليونسكو عن العلوم أن البحوث باتت تمثل عاملاً مسرِّعًا للتنمية الاقتصادية، وأداةً بالغة الأهمية في بناء مجتمعات أكثر استدامةً وأكثر احترامًا لكوكب الأرض، في آن واحد".

ووفق أرقام اليونسكو، تحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الأولى في العالم بإنفاق 28% من دخلها على البحث العلمي، تليها الصين بحوالي (20%) التي تفوقت على بلدان الاتحاد الأوروبي (19%)، واليابان (10%)، ومع أن البلدان المتبقية تضم 67% من سكان العالم، فإنها لا تمثل إلا 23% من جملة ما يتم إنفاقه على البحوث والتطوير في العالم، ولا بد من الإشارة إلى أن الجهود التي تبذلها بلدان مثل البرازيل والهند وتركيا في هذا الصدد تزداد بوتيرة سريعة.

تقرير "اليونسكو" ذهب أيضًا إلى أن كثافة البحث والتطوير لا تزال منخفضة في الدول العربية، ففي المغرب وتونس تبلغ النسب حوالي 0.7% من الناتج القومي، فيما ارتفع هذا المعدل منذ بداية الربيع العربي في مصر من 0.43% في 2009 إلى 0.68% من إجمالي الناتج المحلي عام 2013.

تقليص الفجوة

وأكد الدكتور أشرف الشيحي -وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، ورئيس اللجنة الوطنية المصرية لليونسكو- خلال إطلاق التقرير أواخر يونيو الماضي بالقاهرة، أن مصر تدرك تمامًا أن البحث العلمي قاطرة التنمية. وأضاف أن الوزارة انتهت من وضع الخطة الاستراتيجية القومية للبحث العلمي حتى عام 2030، والتي تتفق مع الخطة القومية للتنمية المستدامة (رؤية مصر 2030).

وأوضح الوزير أن الخطة تتضمن مسارين رئيسيين. يختص المسار الأول بتهيئة البيئة المناسبة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار، ويشمل كافة الإصلاحات الهيكلية والتشريعية والتنظيمية اللازمة لذلك. في حين يختص المسار الثاني بالعمل على إنتاج المعرفة ونقل التكنولوجيا وتطويرها، ويشمل هذا المسار الآليات التي تضمن قيام البحث العملي بالدور المرجو منه في تطوير الصناعة وتشجيع الابتكار ودعم إنشاء الشركات القائمة على مُخرَجات البحث العلمي، مع مراعاة توجيه الموارد المتاحة نحو المجالات البحثية ذات الأولوية القومية، ويأتي على رأسها إدارة الموارد المائية والطاقة والزراعة والغذاء والصحة.

مجلة "للعلم" التقت عددًا من الخبراء لتحليل نتائج التقرير فيما يتعلق بالمنطقة العربية، ومصر خاصة، وكيف يمكن الاستفادة من توصياته في دعم مستقبل البحث العلمي والابتكار في مصر والمنطقة العربية.

وعن كيفية تقليص الفجوة بين مصر والدول التي حققت تقدمًا ملموسًا في السنوات الأخيرة، كالبرازيل وتركيا وماليزيا والهند وجنوب أفريقيا، وفق التقرير، قال الدكتور محمود صقر -رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا-: إن هذا لن يتم إلا من خلال تعاون مشترك بين الأطراف الفاعلة في منظومة العلوم والتكنولوجيا، وإنتاج المزيد من الأبحاث التطبيقية والابتكارات التي يمكنها أن تُحدِث قفزات نوعية في الاقتصاد المصري.

وأضاف صقر: "على سبيل المثال في الأكاديمية هناك الكثير من البرامج التي تدعم الابتكارات وتقدم الحلول الذكية لمشاكل البحث العلمي، بالإضافة إلى دعمنا للشباب من خلال خلق شركات ناشئة لهم وتشجيعهم، ولكن يبقى الدور المهم للقطاع الخاص في الاستثمار في البحث العلمي.

ويرى صقر أن مصر شهدت فى الآونة الأخيرة بعض التغيُّرات الإيجابية، منها وجود استراتيجية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار، قائلًا إن هذا لم يكن موجودًا من قبل.

ومن ناحيته، يقول الدكتور دسوقي عبد الحليم -عميد معهد الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية بمدينة الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية ببرج العرب بالإسكندرية-: إن قوة اقتصاد أي دولة تعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية، أولاً: أن تكون الدولة قادرة على تقديم خدمة فريدة من نوعها (البنوك السويسرية، السياحة الإسبانية)، ثانيًا: أن تكون الدولة غنية في الموارد الطبيعية (الدول الغنية بالنفط)، ثالثًا: أن تكون دولة تنافس في الصناعات التحويلية وقادرة على ابتكار واختراع منتجات جديدة، أو تطوير منتجات قديمة تكون منخفضة السعر وعالية الكفاءة (الدول المتقدمة).

وأضاف عبد الحليم أن العوامل الثلاثة تنطبق على مصر، لكن السيناريو الأخير هو الأفضل؛ إذ من شأنه أن يجعل من مصر دولة ذات اقتصاد قوي ومستوى معيشي مرتفع. والشرط الأساسي لتحقيق النجاح الاقتصادي هو توفير تعليم عالي الجودة، وقاعدة قوية للصناعة الوطنية، مادتها الخام هي الابتكار والاختراع، وهذا يستلزم قاعدة قوية للبحث العلمي الوطني.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور حامد عيد -أستاذ الكيمياء بعلوم القاهرة، ومدير مركز دراسات التراث العلمي بالجامعة-: إن الدول الفقيرة لن تستطيع سد هذه الفجوة؛ لأن الفقير لا يستطيع الاستثمار في البحث العلمي واستخراج نتائج إلا بعد سنوات من العمل، علاوة على أن المناخ السياسي والتعليمي والثقافي لا يساعد على استخراج تلك العقليات التي يُعتمد عليها، وما قامت به مصر من خطوات لم يكن كافيًا للوصول لهذا الهدف، لأسباب تتعلق بالاقتصاد المتردي، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من الطلاب التي تلتحق بالجامعات، والتي لا يتم الاستفادة منها.

الإنفاق على البحث العلمي

نص الدستور المصري الذي تم إقراره في 2014 على تخصيص 1% من الناتج القومي الإجمالي للبحث العلمي، لكن الدكتور محمود صقر يرى أن نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الدخل القومي في جميع الدول، وفقًا للمعايير الدولية المستخدمة من قِبَل اليونسكو، تنقسم إلى إنفاق حكومي وإنفاق لقطاع التعليم العالي، وإنفاق من القطاع الخاص.

وأضاف صقر: "في مصر يقارب الإنفاق الحكومي والتعليم العالي النسب الدولية لكثير من البلدان المتقدمة، ولكن تكمن المشكلة في ضعف الإنفاق في القطاع الخاص بمصر، بينما تعتمد الدول المتقدمة على القطاع الخاص في الإنفاق على البحث العلمي، مشيرًا إلى أن الحل يكمن في تحفيز القطاع الخاص على إنفاق المزيد في البحث والتطوير، مع تحقيق نسبة الإنفاق على البحث العلمي المذكورة فى الدستور (لا تقل عن 1% من الدخل القومي).

فيما رأى الدكتور حامد عيد أن نسبة 1% من الدخل القومي لا يُستهان بها إذا وصلنا إليها، لكنها لن تقود إلى تحسن ملموس لعدد البحوث العلمية ونوعيتها والمستوى التقني.

واعتبر عيد أن إنفاق الدول العربية على البحث العلمي ضعيف، مما يحول دون تقدمها الصناعي، مشيرًا إلى أن الدساتير نصت على مبدأين: تشجيع البحث العلمي، وضمان حريته، وتبنت تونس ومصر والكويت والسودان وسوريا والبحرين هذين المبدأين، فيما اكتفت السعودية والعراق بالمبدأ الأول، ولا توجد أي إشارة إلى البحث العلمي في دساتير الجزائر والأردن ولبنان، وفق رأيه، علمًا بأن غياب النص الدستوري لا يعني بالضرورة عدم الاهتمام، ولكن وجود النص يُلزم مبدئيًّا جميع الجهات -بما فيها الحكومة- باحترام أحكامه والعمل على تطبيقها.

فيما قال عبد الحليم: إن زيادة الإنفاق على البحث العلمي بنسبة 1% من الدخل القومي يجب أن يقابلها رؤية وخطة استراتيجية واضحة لكيفية استثمارها استثمارًا فعالًا، يحقق منها عوائد تفوق هذا الإنفاق.

وتنص المادة (23) من الدستور المصري على أن تكفل الدولة حرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته، باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة، وترعى الباحثين والمخترعين، وتخصص له نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 1% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. كما تكفل الدولة سبل المساهمة الفعالة للقطاعين الخاص والأهلي، وإسهام المصريين فى الخارج في نهضة البحث العلمي.

الحقيقة الغائبة

يغطي تقرير اليونسكو عددًا من الدول والمناطق أكثر من أي تقرير سابق، ما يعكس تزايد الإقبال على الابتكار العلمي والتكنولوجي كقاطرة للتنمية حول العالم، خاصة في غير دول منظمة التعاون الاقتصادي، ونتج عن ذلك ظهور المبادرة الأفريقية لمؤشرات العلوم والتكنولوجيا، التي أفرزت محطة رصد مقرها غينيا الاستوائية، وقد بدأ عدد من الاقتصادات العربية في إنشاء مراصد للعلوم والتكنولوجيا، ومن بين تلك الدول مصر والأردن ولبنان وفلسطين وتونس.

في المقابل، رصد التقرير اتجاه الحكومات التي تعتمد على الصادرات النفطية كدول الخليج والجزائر، وعلى الواردات النفطية كالمغرب وتونس، لتعزيز تطوير اقتصاديات المعرفة، عبر مجموعة واسعة من المبادرات الحديثة لتسخير العلم والتكنولوجيا والابتكار، في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وفي مجال الطاقة.

ومن أمثلة ذلك إحياء مشروع مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا بمصر، وإنشاء مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة لتشغيل الأقمار الصناعية لرصد كوكب الأرض، وافتتحت المملكة المغربية أكبر مزرعة رياح في أفريقيا عام 2014، وتعمل على تطوير ما قد يتحول إلى أكبر مزرعة للطاقة الشمسية بأفريقيا.

لكن يظل "الالتزام بتعزيز الروابط بين القطاع الخاص والجامعات ومعاهد البحث العامة هدفًا أساسيًّا وحقيقة غائبة، لجني ثمار البحث العلمي"، وفق عيد، الذي استطرد قائلًا: "لكن هذا الالتزام يبقى حبرًا على ورق في الكثير من الأحيان".

 وأضاف عيد، أن ارتباط هذا الإنفاق على البحث العلمي بالموازنة العامة، يقطع الصلات بين مؤسسات البحث العلمي الحكومية والمشاريع الصناعية بالقطاع الخاص، وبالتالي تتراجع التنمية التكنولوجية العربية، في حين تتكفل الشركات الخاصة في الدول الصناعية بالقسط الأكبر من الإنفاق على البحث العلمي الموجه مباشرة للتصنيع.

وعن تداعيات ذلك، رأى عبد الحليم أن افتقارنا إلى صناعة وطنية تتبنى إنتاج مخرَجات البحث العلمي من براءات الاختراع والابتكارات التي تملأ الأرفف، يدفع الكثيرين لعدم الشعور بمخرجات ملموسة للبحث العلمي في مصر، فالصناعة هي التي يجب أن تبحث عن البحث العلمي وليس العكس، فمعظم الصناعات الوطنية مستوردة من الخارج (تقفيل مفتاح) إلى جانب قلة عدد رجال الصناعة الذين يتبنون الأفكار المبتكرة المحلية، لما فيها من أخطار ومغامرة في حسابات الربح والخسارة، وفق تعبيره.

وانتقد عبد الحليم افتقار مصر إلى صناعة تشغيل البحث العلمي، وهى مستلزمات تشغيل المعامل من كيماويات وأجهزة، والتي نستورد 99% منها من الخارج، وأضاف أن بعض الدول مثل تركيا وإيران تصنع هذه المنتجات ذاتيًّا، وكذلك الصين وكوريا الجنوبية، فالاعتماد على الاستيراد يمنع مصر من امتلاك هذه المعارف وهذه التكنولوجيا.

كما انتقد ضعف الاستقرار الإداري، وكثرة وتكرار وضع الرؤى والاستراتيجيات؛ إذ كشفت دراسة أجريت بالمجالس القومية المتخصصة عن البحث العلمي المصري من عام 1950 وحتى 2010، أن نظام وهيكل وزارة البحث العلمي يتغير تقريبًا مرة كل سنتين، كذلك نظام ترقيات الأساتذة يركز على النشر العلمي والأوراق البحثية أكثر من الابتكار وبراءات الاختراع، ما أدى لعزوف الباحثين عن هذا النشاط العلمي والتكنولوجي إلا فيما ندر.

عين على أفريقيا

ورغم التنافس الشديد في الإنفاق على البحث العلمي بين الدول ذات الدخل المرتفع، ومنها أستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، رصد التقرير توافر هذا المبدأ أيضًا في الدول الأقل دخلًا، والأسرع نموًّا في أفريقيا، فعلى سبيل المثال نجد أن إثيوبيا لجأت إلى رفع إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير لديها من 0.24% في 2009 إلى 0.61% من إجمالي ناتجها القومي في 2013، ورفعت ملاوي هي الأخرى معدلاتها إلى 1.06%، كما رفعتها أوغندا من 0.33% عام 2008 إلى 0.48% عام 2010.

ورأى حامد عيد أن أنشطة البحث العلمي والتطوير تعتبر عاملاً رئيسيًّا في النمو الاقتصادي والتنمية، ولذا، أضحت مجموعة كبيرة جدًّا من الدول، بصرف النظر عن مستوى دخلها، تراهن على البحث والابتكار للحفاظ على موقعها، أو لمحاولة إيجاد موقع لها في عالم يتسم بتنافس شديد، وهذا ما يحدث في أفريقيا، حيث يجري الآن بصورة متزايدة إنشاء بنى أساسية حديثة (مستشفيات، وشبكات للسكك الحديدية والطرق)، كما يحدث تنويع للأنشطة الاقتصادية، مما يساعد على الاستثمار في مجال العلوم والابتكار، وتدريب العمال المؤهلين.

 وعلى سبيل المثال، فقد خصصت كينيا 0.79% من ناتجها المحلي الإجمالي لأغراض البحث والتطوير في عام 2010، مقابل 0.36% فقط في عام 2007، كما شهدت نفقات البحث والتطوير ارتفاعًا في كل من إثيوبيا وغانا وملاوي ومالي وموزمبيق وأوغندا.