في الشهور القليلة الماضية، اضطر ملايين البشر إلى البقاء في منازلهم وتطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي، تجنبًا لخطر الإصابة بفيروس كورونا المستجد. ومع ذلك، نشهد يوميًّا –وعلى نحوٍ مُتنامٍ- زيادات كبيرة في أعداد المصابين. مما يثير تساؤلًا مهمًّا عن مدى نجاح إجراءات التباعد الاجتماعي وغيره من التدخلات -كفرض قيود على السفر، وتطبيق الحجر الصحي الصارم- في تحقيق الغرض منها.

هذا الملف من مجلة "للعلم" يستعرض آراء عدد من الخبراء والمختصصين، ونتائج عدد من الدراسات العلمية الحديثة التي أُجريت لاختبار وتقييم نتائج تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي.

واحدة من الدراسات المهمة في هذا الإطار، أعدها باحثون من معهد ماكس بلانك للديناميات والتنظيم الذاتي (MPIDS) وجامعة جوتنجن، وقاموا بتحليل لأرقام حالات كوفيد-19 في ألمانيا؛ بهدف تقييم الإجراءات التي جرى تطبيقها هناك لاحتواء الوباء وتوقع سيناريوهاته المستقبلية. ووفق الدراسة المنشورة في دورية ساينس Science، يمكن لنماذج كمبيوترية تقديم رؤى مهمة حول فاعلية التدخلات التي يجري اتخاذها.

في نموذجهم الحسابي، ربط باحثو الدراسة بين القيود التي جرى تطبيقها بشكل تدريجي على الحياة العامة في ألمانيا في مارس الماضي، وتطوُّر أرقام الإصابات بكوفيد-19. درس الباحثون، على وجه الخصوص، تأثير ثلاث حزم من التدخلات: إلغاء كل الأحداث العامة الكبرى تقريبًا في 8 مارس، وإغلاق المؤسسات التعليمية والعديد من المحلات التجارية في 16 مارس، ثم حظر مظاهر الاتصال المكثف في 22 مارس. دمج الباحثون بيانات عن المسار الزمني لحالات كوفيد-19 الجديدة والبيانات المستقاة من نموذج يرصد ديناميات انتشار الوباء، بهدف تحليل مساره والتنبؤ بسيناريوهاته المستقبلية. وفقًا للنماذج الكمبيوترية، أدت تلك التدابير إلى إبطاء انتشار الفيروس في البداية، قبل أن تكسر النمو الأُسِّي المخيف في نهاية الأمر. تقول فيولا بريسمان، مديرة مجموعة الأبحاث في معهد ماكس بلانك في بيان صحفي منشور على موقع المعهد: "يُظهر تحليلنا بوضوح تأثير التدخلات المختلفة، والتي أدت معًا في النهاية إلى عكس اتجاه منحنى زيادة الأعداد بقوة". ويضيف مايكل ويلتشيك، قائد المجموعة البحثية والمؤلف المشارك في الدراسة: "تُظهر حساباتنا النموذجية التأثير الشامل للتغيير الذي طرأ على سلوك البشر، والذي يسير جنبًا إلى جنب مع التدخلات التي يجري تطبيقها".

جرى التحليل على أساس تقديرات الأرقام حتى 21 أبريل الماضي، وأظهر تطورًا إيجابيًّا شاملًا في أرقام الحالات في الأسابيع التالية. ولكن لجني المزيد من النتائج الإيجابية، يواصل الباحثون مراقبة الوضع عن كثب. وفي كل يوم، يعملون على تقييم أرقام الحالات الجديدة لمعرفة ما إذا كان يُتوقع حدوث موجة ثانية أم لا.

باستخدام ثلاثة سيناريوهات نموذجية مختلفة، كشف فريق جامعة جوتنجن عن احتمالات تطور أعداد الحالات الجديدة؛ إذا أظهرت النماذج أن عملية تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي ضاعفت معدل الإصابة، يمكن توقع حدوث موجة ثانية. وبديلًا عن ذلك، إذا كان معدل الإصابة يتوازن مع معدل التعافي، فستظل معدلات العدوى الجديدة ثابتة تقريبًا. ومع ذلك، يمكن أن يستمر عدد الإصابات الجديدة في الانخفاض، كما تقول "بريسمان" في البيان الصحفي المنشور على موقع المعهد: "إذا توخى كل الأشخاص الحذر الشديد، وقامت السلطات الصحية بدورها في تعقُّب المصابين والمخالطين لهم بشكل فعال، وإذا جرى في الوقت ذاته اكتشاف جميع حالات تفشِّي العدوى الجديدة وتم احتواؤها مبكرًا، هنا يمكن أن تستمر الأعداد في الانخفاض. وبالتالي، فإن تطور الأرقام في المستقبل يعتمد اعتمادًا حاسمًا على سلوكياتنا ومدى مراعاتنا لتوصيات التباعد وتدابير النظافة"، كما يقول فيزيائي –لم تسمه الدراسة- من جامعة جوتنجن.

يقول ديفيد هوتون، أستاذ مشارك في الإدارة الصحية وسياساتها في كلية الصحة العامة بجامعة ميشيغان، وخبير في النمذجة الرياضية للأمراض وتخطيط الأوبئة: عندما ننظر إلى بلدان مثل الصين وإيطاليا، نرى أنهما نفذتا إستراتيجية مقيدة تمامًا للتباعد الاجتماعي. ومع ذلك، كان هناك نمو هائل في عدد الحالات الجديدة للفيروس. يصف "هوتون" ذلك بأنه "أمر مخيف للغاية، ويمكن أن يكون مربكًا"، متابعًا كلامه: تبقى في المنزل لمدة أسبوعين أو أكثر، وتعتقد أنك تفعل الشيء الصحيح، ولكن من الصعب رؤية ذلك التأثير مباشرة، هذا يحدث الآن في جميع أنحاء العالم.

بدأ انتشار فيروس كورونا المُستجد للمرة الأولى من مدينة ووهان الصينية، قبل أن ينتقل إلى مدن صينية أخرى ثم إلى العديد من دول العالم. فرضت الصين حظرًا شاملًا على السفر، ما أسفر عن تقييد حركة ملايين الأشخاص، وفق تانيا لويس، المحرر المشارك في مجلة ساينتفك أمريكان. نقلت "لويس" عن تشاندي جون، أستاذ طب الأطفال بجامعة إنديانا والرئيس السابق للجمعية الأمريكية لطب المناطق الحارة والصحة العامة: "إن محاولة فرض حظر شامل على التنقل من وإلى منطقة بمثل هذه المساحة إجراء، إن لم يكن غير مسبوق، فهو قريب من ذلك".

"مكتبة كوكرين" كانت قد أجرت مراجعة منهجية لعدد من الدراسات؛ للبحث في تأثير تطبيق الحجر الصحي في التصدي للوباء، وما إذا كان تطبيق إجراءات أخرى إلى جانبه يعطي نتائج أفضل. أظهرت النتائج أن الحجر الصحي يؤدي دورًا حيويًّا في السيطرة على انتشار مرض كوفيد- 19 الذي يسببه الفيروس، مقارنةً بأي تدابير وقائية أخرى تطبق من دونه. كما كان للجمع بين الحجر الصحي والتدابير الوقائية الأخرى -مثل تقييد السفر وإغلاق المدارس والالتزام بالتباعد الاجتماعي- تأثيرٌ أكبر على الحد من أعداد الرعاية الحرجة وأعداد الوفيات، مقارنةً بتطبيق الحجر الصحي وحده.

وكما نقلت الزميلة سمر أشرف عن باربرا نوسباومر-ستريت، المدير المساعد لمنظمة كوكرين النمسا، والباحثة الرئيسية في الدراسة: إن الهدف من المراجعة تزويد متخذي القرار وصناع السياسات بالأدلة العلمية حول تدابير الحجر الصحي المناسبة، ولكن المراجعة لم تستطع الإجابة عن أسئلة من نوع: متى وكيف يتم تخفيف هذه الإجراءات أو رفعها؟ داعيةً إلى مراقبة حالة الوباء وظروفه محليًّا من أجل الموازنة بين تنفيذ التدابير الوقائية وتحقيق أقل قدر ممكن من الخسائر. وهو ما أكدته نسرين جمال -طبيبة في قسم أمراض الدم المناعية وطب نقل الدم بمستشفى مودينا الجامعي بإيطاليا- في تصريحاتها لـ"للعلم": "لا شك في أن تطبيق الحجر الصحي والتدابير الوقائية الأخرى يمكن أن يساعد في احتواء الوباء، لكن لكل دولة بنيتها السكانية وبيئتها وثقافاتها ومستوياتها الاجتماعية الخاصة بها"، في إشارة منها إلى ضروة وضع ذلك كله في الاعتبار عند اتخاذ أي إجراءات أو تدخلات تتعلق بمحاولات وجهود احتواء الفيروس ووقف انتشاره في أي دولة. وتُعد إيطاليا من الدول ذات الوضع الحرج فيما يخص جائحة كوفيد-19، وتقدم مثالًا فيما يتعلق بتفاوت مستويات انتشار الفيروس بين مدنها المختلفة.

دراسة أخرى لجامعة هارفارد الأمريكية كانت قد وضعت عددًا من السيناريوهات التي تتوقع سلوك الفيروس على مدى عدة سنوات قادمة. افترض الباحثون خمسة سيناريوهات تحاكي إجراءات التباعد الاجتماعي، آخذين في الاعتبار عددًا من المتغيرات، مثل ما إذا كان الفيروس موسميًّا أم لا، وقدرة نظم الرعاية الصحية على التعامل مع الحالات الحرجة، ومتى سيكون الوصول إلى مناعة القطيع.

كشفت النتائج أن الفيروس جاء ليبقى، وأن كوفيد-19 سيصبح مرضًا موسميًّا. كما أظهرت جميع السيناريوهات عودة العدوى عند رفع تدابير التباعد الاجتماعي، وأننا سنحتاج إلى تطبيق إجراءاته مجددًا مع كل موجة جديدة، وإلى مضاعفة قدرتنا للعناية بالحالات الحرجة داخل أنظمة الرعاية الصحية، تحسبًا للموجات المستقبلية. تنقل الزميلة علا الغزاوي في التغطية التي نشرتها مجلة "للعلم"، عن ستيفن كيسلر -باحث ما بعد الدكتوراة في علم المناعة والأمراض المُعدية بكلية هارفارد للصحة العامة- أنه في أفضل السيناريوهات، سنكون قادرين على إبقاء العدوى عند الحد الأدنى حتى يتوافر اللقاح، ومن ثم سيعطينا اللقاح بقية المناعة اللازمة لوقف انتقال الفيروس، موضحًا أنه: "خلاف ذلك، سيتعين علينا الاقتراب من مناعة القطيع ببطء، والحفاظ على الحالات عند مستوى منخفض بما يكفي لتجنُّب إرهاق أنظمة الرعاية الصحية".

وكتبت مارلا برودفوت -في مقال نشرت مجلة "للعلم" نسخته المترجمة- أن الخبراء يحذرون أيضًا من أنه ما لم تتوافر اختبارات واسعة النطاق للكشف عن الفيروس، فإن أعداد الإصابات الجديدة سترتفع ارتفاعًا كبيرًا جدًّا عندما نقرر إعادة فتح أماكن العمل والأماكن العامة والمدارس والجامعات. مثال ذلك ما جرى في الولايات المتحدة، فعلى الرغم من أن مئات الآلاف من الاختبارات تُجرى هناك يوميًّا، لا يزال هذا العدد بعيدًا جدًّا عن ملايين التحاليل المختبرية اليومية المُوصَى بإجرائها من أجل عودة الحياة إلى الأوضاع الطبيعية.

وبعيدًا عن الوضع المعقد والمربك في دول مثل الصين وإيطاليا والولايات المتحدة، فإن الخبر السار -وفق "هوتون"- أنه في بلدان أخرى، بعد حوالي أسبوعين أو نحو ذلك، بلغ عدد الحالات الجديدة الذروة ثم أخذ مستوى مستقيمًا قبل أن يبدأ في الانخفاض، موضحًا أن "هناك سببًا وبائيًّا وراء ذلك". يستغرق الأمر ما يقرب من أسبوع أو أكثر قبل ظهور الأعراض لدى المريض، ثم يستغرق الأمر بضعة أيام أخرى لكي يذهب إلى المستشفى، ثم بضعة أيام حتى يتم الاختبار والحصول على النتائج. لذلك سيكون هناك تأخير طبيعي حتى يتم تنفيذ التدخلات الناجحة للحد من انتشار المرض، وكذلك عندما ترى العدد الفعلي للحالات المبلغ عنها ثم لحين الوصول إلى الذروة، ثم عندما تبدأ في الانخفاض، وفق تفسير "هوتون" الذي يقول إن الأسابيع القليلة الأولى من التباعد الاجتماعي ستكون غير مشجعة. لكنه يعتقد أننا سنرى في النهاية انخفاضًا في أعداد الحالات الجديدة، مُرجعًا الفضل في ذلك في جزء كبير منه إلى التباعد الاجتماعي، ومشددًا أيضًا على أنه إذا رفعنا تدخلات التباعد الاجتماعي مبكرًا جدًّا، فلن نرى هذه النتائج الجيدة، مشددًا على أنه طالما أننا لم نحقق مناعة القطيع بعد، سيظل الفيروس قادرًا على العودة والانتشار مجددًا بين السكان.