عندما تصطدم بصراخ زوجتك في وجهك، أو أن رئيسك في العمل ينفجر غاضبًا منك، فربما يكون من المفيد أن تقدم لهم وجبة طعام شهية لسد الطريق على أي موجة غضب أو مشاجرة متوقعة.

هذه النصيحة تأتي بعدما وضع باحثون من جامعة نورث كارولينا الأمريكية تعريفًا جديدًا لمفهوم "الغضب المقترن بالجوع"، بوصفه عاطفةً حقيقية. فما الذي يجعل شخصًا يتحول من الشعور بالجوع إلى "الغضب الكامل"؟

 قد يكون هذا المزيج من الجوع والغضب استجابةً عاطفيةً معقدة، تنطوي على تفاعلات بيولوجية وشخصية ومؤثرات بيئية، وفقًا للبحث الجديد الذي نشرته جمعية علم النفس الأمريكية في يونيو الماضي.

شارك في الدراسة التي تضمنت ثلاثة أبحاث مرتبطة معًا نحو 650 شخصًا. وقد أُجري البحث الأخير بغرض الوصول إلى فهم أفضل للآليات النفسية للحالات العاطفية الناجمة عن الجوع.

رصد الفريق البحثي دور المؤثرات والعوامل البيئية الخارجية، والوعي الذاتي أو العاطفي الداخلي للشخص الجائع، تجاه مواقف الحياة، وتأثير ذلك على حكمه على الأشخاص المحيطين به.

ووفق ما جاء في الدراسة التي نُشرت بدورية إيموشن Emotion العلمية الصادرة عن جمعية علم النفس الأمريكية، اتسم الأشخاص الجائعون بنظرة سلبية، مقارنةً بأقرانهم الذين يشعرون بالشبع.

وانتهت النتائج إلى أنه عندما يكون شخصٌ ما جائعًا، هناك أمران رئيسيان يحددان ما إذا كان الجوع سيُسهم في المشاعر السلبية أم لا: السياق والوعي الذاتي.

الجوع والعطش والنعاس

تقول "جينيفر ماكورماك"، الباحثة الرئيسية وطالبة الدكتوراة بقسم علم النفس والأعصاب بكلية الآداب في جامعة نورث كارولينا الأمريكية، في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "على حد علمي لا توجد أي دراسات تربط بين مشاعر الجوع وتأثيرها على الإدراك والعاطفة تأثيرًا مباشرًا".

وأضافت: "لذا فإن تفسير هذه الاختلافات في الوعي الذاتي للأشخاص الجائعين يمثل ضرورةً لتوضيح ما إذا كانوا أكثر عرضةً للشعور بالغضب، مقارنةً بالذين يشعرون بالشبع".

وهذه هى الفرضية التي اتبعتها ماكوماك خلال ثلاثة أبحاث أجرتها في هذا الإطار. في الأول استخدمت الباحثة مقياسًا للتحيُّز الضمني في سياق الأحكام الاجتماعية (على سبيل المثال العرق والسياسة) ولكن هنا، في البحث الأخير، جرى قياس التأثير الناجم عن جوع المشاركين وبيان تفاعُله مع السياق السلبي، والذي ترتَّب عليه مزيدٌ من التحيز في تقييماتهم العاطفية تجاه المؤثرات الغامضة.

شكلت صور رموز لغة الماندرين الصينية "المؤثر الغامض" في التجربة التي تمت بمشاركة 250 مواطنًا أمريكيًّا، في الفئة العمرية من 18 عامًا حتى 70 عامًا، وشكلت النساء نسبة 465% منهم.

ولكن قبل سؤال المشاركين عن شعورهم تجاه هذه الرموز، هل هي سلبية أم لا، طُلب منهم أولًا رؤية صور سلبية "بهدف إحداث السياق السلبي"، وسُئلوا عن تصنيف شعورهم تجاه هذه الصور في مقياس من 1 إلى 7 للتعبير عن شدة الإيجابية وصولًا إلى شدة السلبية.

كما خضع المشاركون للإجابة عن بيان رأي حول كيفية أدائهم لهذه المهمة ومدى سهولتها، وكذلك أسئلة عن أحوالهم من الجوع والعطش والنعاس.

وأظهر التحليل الإحصائي أن الأشخاص الجائعين هم الأكثر تصنيفًا للصور الصينية على أنها سلبية، مقارنةً بالأشخاص الذين يشعرون بالشبع، وهو ما يعني استجابتهم للتأثير السلبي للمنبهات التي تعرضوا لها، وهو ما لم يتحقق في حالات الشعور بالعطش أو النعاس.

وتُعَدُّ هذه الدراسة نموذجًا لتجربة تركز على السياق الخارجي؛ إذ سُئل المشاركون للحكم على صفات الصور، بدلًا من سؤالهم عن الكيفية التي شعروا بها من جَراء رؤية هذه الصور.

الجوع المقترن بالغضب

ولتأكيد ارتباط الجوع بالاستجابة السلبية فقط وليس الإيجابية، لجأت الباحثة لإجراء البحث الثاني، بمشاركة 140 شخصًا آخرين، جرى فيه تعريض المشاركين لصور ذات درجة متوسطة من التأثير السلبي أو الإيجابي.

أظهرت النتائج عدم وجود علاقة طردية بين الجوع والاستجابة الإيجابية. على العكس من الأشخاص الذين عانوا من العطش والنعاس، إذ كانوا هم الأكثر تصنيفًا للصور على نحوٍ إيجابي.

وهو ما تراه صحيحًا يتفق والواقع، وفق رأي "حنان سالم"، أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة عين شمس، مدلِّلةً على انتشار سلوكيات الغضب والمشاجرات، وكذلك ازدياد معدلات الجريمة في المجتمعات الفقيرة التي تعاني الجوع والفقر، مشيرةً إلى أن البحث عن الطعام هو حاجة أساسية تسعى الكائنات الحية كافة -وليس الإنسان فقط– لتلبيتها من أجل ضمان البقاء.

وشددت على أن ثقافة المجتمعات العربية تُولي سدَّ احتياجاتها من الطعام أولويةً كبرى، ونجد الصراع من أجل توفيره باعتباره -لدى بعض فئات المجتمع- أولويةً مقدمةً على الاحتياجات الأخرى، كالتعليم والعلاج، على سبيل المثال.

قد يكون الأفراد أكثر عرضةً للشعور بأنهم ضحايا "الجوع المقترن بالغضب"، عندما لا يركزون بوعي على مشاعرهم الداخلية، بل يركزون -بدلًا من ذلك- على الظروف الخارجية. وذلك على حد تعبير الباحثة ماكوماك، التي تقول: الدراسة الحالية بمنزلة الخطوة الأولى نحو معالجة وفهم ما إذا كان الناس يصورون المشاعر السلبية للجوع مثل الغضب والتوتر عندما لا يعلمون أنهم يفعلون ذلك في الواقع.

وهو ما جعلها تلجأ في البحث الثالث إلى تأكيد نتائج البحثين 1 و2، من خلال التلاعب بمشاعر الجوع مقابل الشبع، وتأثير ذلك على الإدراك العاطفي والإرادة للمشاركين البالغ عددهم 236 طالب علم نفس بالجامعة. وخلال التجربة جرى تقسيمهم عشوائيًّا إلى مجموعتين، الأولى هي مجموعة الجوع، بالصيام لمدة 5 ساعات أو يزيد، والثانية هي مجموعة الشبع.

تلا ذلك تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات فرعية، ما بين الغضب والحزن واللاشعور. وذلك من خلال إخضاع الطلاب لسيناريو يهدف إلى إثارة المشاعر السلبية، ومن ثم طُلب منهم أداء تمرين كتابة مصمَّم لتوجيه تركيزهم على عواطفهم، ولكن بعد تعريضهم المسبق للصيام أو تناول الطعام.

وجد الباحثون ازديادًا في مشاعر التوتر والكراهية بين الأشخاص الجائعين، كما أنهم لم يركزوا بشكل واضح على فهم عواطفهم الخاصة، ولم يبلغوا عن هذه التحولات في مشاعرهم أو مفاهيمهم الاجتماعية خلال التجربة، وهو ما يعني أن حالة أجسامنا تؤدي دورًا كبيرًا في كيفية تعاملنا مع التجارب اليومية.

قبل بداية التجربة، وقَّع المشاركون الموافقة المستنيرة واستبانةً لقياس جلوكوز الدم؛ للتأكد من اتباعهم لإرشادات الصيام والأكل وفق التعليمات. كما تضمَّنت الاستبانة عناصر عن عدد ساعات الصيام، والشرب ونوعية المشروبات والوجبة التي تناولوها. كما جرى سؤالهم لتحديد مشاعرهم الحالية.

عُرضت على المشاركين في التجربة صور أشكال هندسية على شاشة الكمبيوتر، وطُلب منهم تحديد ما إذا كان يمكن تدويرها في الفراغ لتحقيق المطابقة بينهما أم لا. كما تم إخبار المشاركين عن كيفية الخروج من المهمة عندما يشعرون بأنهم أتموا التجارب قدر استطاعتهم. وشمل الجزء التالي عرض صور وجه رجل، وسئل المشاركون لتحديد ما يفكر فيه الرجل ويشعر به، هل هو الغضب أم الحزن أم لاشيء.

وفي الجزء الأخير من التجربة خضع المشاركون لاختبار على الكمبيوتر لتحديد عدد من الدوائر الملونة أمامهم، هل هو زوجي أم فردي، على أن تكون الإجابة دقيقةً وتتم على نحوٍ سريع، وبعد 100 محاولة جديدة جرت مفاجأة المشاركين برسالة عن وجود عطل في الكمبيوتر. وكجزء داخل التجربة النفسية للمشاركين دون معرفتهم، يُبدي المشرفون الاستغراب ويحاولون إصلاحه دون جدوى، ليخبروا المشاركين في النهاية بأنهم يتوجب عليه إعادة إجابة الأسئلة من جديد عقب إصلاح الجهاز.

وعن هذا الجزء من التجربة تقول الباحثة الرئيسية: لقد ترك هذا العطل المشاركين في حالة ضيق وغضب وتشوُّش، وهو ما أردناه لمعرفة واختبار كيف يتعاملون مع هذه المؤثرات ومدى إدراكهم لمشاعرهم والمسببات وراءها. وتستكمل: فقد أعطيناهم لاحقًا اثنتين من استبانات الرأي، الأولى لتصنيف جودة التجربة والمشرفين، والثانية لتصنيف مشاعرهم.

وأظهرت النتائج توقعاتنا المسبقة؛ إذ كان الأشخاص الجائعون أكثر تصنيفًا للغضب، في حين لم نجد أي علاقة بين الجوع وتعبيرهم عنه أو استخدام كلمات دالة عليه، وهو ما يعني أن هؤلاء الأشخاص لا يعلمون حقيقة مشكلتهم الداخلية، بدلًا من التركيز على المؤثرات الخارجية السلبية.

القدرة على التحكم والغضب

ويتفق مع نتائج هذه الدراسة "إبراهيم مجدي"، استشاري الطب النفسي، مشيرًا إلى أن المنهج المطبق في الدراسة اعتمد على إثبات بعض النظريات الأدبية حول العلاقة بين الجوع والغضب من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي، مضيفًا أنه شعور يعبر عنه الشخص دون قصد لنسمع جُملًا من قبيل "لا أستطيع أن أفكر وأنا جائع"، ونرى البعض يصبح عصبيًّا ولا يقبل الحديث وهو منتظرٌ تناول وجبته، بينما يستعيد طبيعته المريحة أو ابتسامته عقب تناوُل وجبة خفيفة.

يفسر مجدي ذلك بقوله: إذا بحثنا عن التفسيرات العلمية وراء هذه العلاقة فسنجد أن مراكز الشعور بالجوع في المخ تتناغم في عملها مع بعض المراكز الأخرى المسؤولة عن القدرة على التحكم والغضب، وأن هناك مواد كيميائية -مثل مادة السيروتونين- مسؤولة عن الإحساس بالسعادة والمزاج المعتدل، وبعض الأطعمة تساعد في زيادة إفرازها أو قلته. كما أن الأبحاث العلمية المختلفة استطاعت إيجاد دلالات تؤيد هذه الفرضيات، مثل الاستناد إلى أشعة الرنين المغناطيسي لقياس مرور الدم ونسبة الأكسجين الواصلة إلى المخ وتغيُّراتها عند الأكل أو الامتناع عنه.

ويدلِّل على ما وجده العلم الحديث من ارتباط بعض الأطعمة برفع الشعور الإيجابي للفرد/ كما يحدث عند تناول الآيس كريم، المكسرات، صدور الفراخ، الأسماك، ومنتجات الألبان.

ويستطرد: على العكس من الأكلات الدسمة والمليئة بالزيوت والدهون، وكذلك سريعة التجهيز والمحفوظة التي تجعل الشخص أكثر ميلًا للاستثارة وفرط الحركة والضيق. وكل ذلك نتيجة التأثير على المواد الكيميائية المنظمة لوظائف المخ وضبط الحالة المزاجية، وفق رأيه.

وكان من اللافت استخدام الدراسة مصطلح hangry أو "الغضب المرتبط بالجوع" في إشارة للظاهرة التي يصبح فيها بعض الأشخاص غاضبين عندما يتأخرون عن الطعام.

ووفق الباحثة الرئيسية فقد وجدوا أن هذا الشعور ينتج عندما يشعر الشخص بعدم الراحة بسبب الجوع ولكنه لا يدرك ذلك، ويلجأ لتفسير هذه المشاعر بشكل قوي تجاه الآخرين أو الوضع الذي يمر به، فنجد الشخص لا يتقبل أحداثًا هو معتاد عليها، أو يشعر بالضيق من أشخاص يحبهم ولا يتشاجر معهم عادةً.

سلوكيات التغذية الشرهة

وفي محاولة للإجابة عن سبب بدء الأشخاص الجائعين في الغضب والشجار، فسرت الباحثة "أماندا ساليس" -زميل باحث أول في معهد بحوث السمنة والتغذية والتمرين بجامعة سيدني- في مقال علمي، الإجابة بالعمليات التي تحدث داخل الجسم عندما يحتاج إلى الغذاء، مستعرضةً دور المغذيات التي نتناولها من كربوهيدرات وبروتينات ودهون، وهضمها إلى السكريات البسيطة (مثل الجلوكوز) والأحماض الأمينية والأحماض الدهنية الحرة، والتي بدورها تنتقل إلى مجرى الدم، حيث يتم توزيعها على الأعضاء والأنسجة واستخدامها للحصول على الطاقة لأداء الوظائف المختلفة للجسم.

وأضافت أنه مع مرور الوقت بعد الوجبة الأخيرة، تبدأ كمية هذه العناصر الغذائية المتداولة في مجرى الدم في الانخفاض، إلا أن هذا الانخفاض يهدد قدرة العقل على أداء وظائفه كافة، التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الجلوكوز.

 وتعدد ساليس بدورها سببًا آخر يربط الغضب بالجوع، هو المادة الكيميائية Neuropeptide Y (نيوروببتيد Y) التي تُطلَق في المخ عندما يكون الشخص جائعًا، لتحفِّز سلوكيات التغذية الشرهة بالعمل على مجموعة متنوعة من المستقبلات مثل Y1، وهي المستقبِلات نفسها المسؤولة عن تنظيم الغضب أو العدوان.

هذا التنوع في مسببات العلاقة القوية بين الجوع والغضب، تناولتها دراسة بالمجلة العلمية للأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية (PNAS) في إبريل عام 2014. أشارت نتائجها إلى أن انخفاض مستوى السكر في الدم يؤدي إلى إطلاق هرمونات مرتبطة بالإجهاد مثل الكورتيزول والأدرينالين، بالإضافة إلى مادة كيميائية تُسمى نيوروببتيدY ، ثبت أنها تجعل الناس يتصرفون بشكل أكثر جرأةً تجاه مَن حولهم، كما تجعلهم يشعرون بالانزعاج من الآخرين، حتى أولئك الذين يحبونهم.

وذلك بعدما لجأ الباحثون من قسم علم النفس بجامعة ولاية أوهايو إلى قياس التصرفات العدوانية للأزواج من خلال وضع الدبابيس بدمية تمثل أحباءهم لتعكس مدى الغضب تجاههم. وذلك بمشاركة ما يزيد على 100 زوج وزوجة على مدار 21 يومًا، تتبَّع خلالها الباحثون مستويات جلوكوز الدم لدى المشاركين طوال الوقت.

وجد الباحثون أنه عندما يكون لدى الناس مستويات سكر أقل، تزداد الدبابيس في دُماهم. وهو ما يعني أن الجوع يمكنه فعلًا أن يغير من سلوك الشخص، كما أن ضبط النفس يتطلب الطاقة، والتي يتم توفير جزء منها عن طريق الجلوكوز في الغذاء الذي نتناوله.

وفي فرضية مناقضة، على ما يبدو أن العلاقة المتبادلة بين نمط الطعام وسلوك الغضب ليست سلبية في كل الأحيان، فقد أظهرت دراسة نُشرت بالمجلة العلمية POLS في عام 2011، أُجريت بمشاركة 30 من طلاب الجامعة بمتوسط عمر 21 عامًا، أن الجوع يحسّن من قدرة اتخاذ القرارات الاستراتيجية؛ إذ كان الأشخاص الجائعون هم الأكثر قدرةً على اتخاذ قرارات إيجابية تنطوي على نتائج غير مؤكدة، كما كانوا أيضًا الأكثر قدرةً على تقدير المكافآت الكبيرة في المستقبل. وبذلك تقدم هذه الدرسة التي أجراها باحثون من قسم صحة علم النفس بجامعة أوترخت بهولندا، لأول مرة دليلًا على أن الجوع يحسِّن عملية صنع القرار، متحديةً المفهوم التقليدي بدور الجوع في الاندفاع في اتخاذ القرارات السلبية.