على مدى السنوات الماضية، لم تتوقف تحذيرات "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" التابعة للأمم المتحدة (IPCC)، من أن متوسط درجات حرارة الأرض يتجاوز ما كان عليه قبل الثورة الصناعية بنحو درجة مئوية، مشددةً على أن هذه الزيادة في طريقها للوصول إلى 1.5 درجة بحلول أربعينيات القرن الحادي والعشرين. وقد حذرت -في الوقت ذاته- من أن أغلب الدول لا تلتزم باتفاق باريس للمناخ، الذي يطالب بعدم تجاوُز الزيادة في درجة حرارة الكوكب من 1.5 درجة مئوية إلى 2، تجنُّبًا لحدوث عواقب وخيمة.

يشبِّه نائب الرئيس الأمريكي الأسبق "آل جور" -الحائز جائزة نوبل للسلام في عام 2007، لجهوده في زيادة الوعي بالتغير المناخي- الأمر بالصراعات العسكرية، ما يتطلب منهجًا و"نموذجًا تنظيميًّا" مختلفًا، ويستدعي وضع استراتيجية عالمية للتعامل معه ومواجهته، وفق رأيه.

في هذا الإطار، انتهت دراسة حديثة أجراها فريق مشترك من الباحثين بعدد من الجامعات الأوروبية والآسيوية، ونشرتها دورية "نيتشر كلايمت تشينج"، إلى أن ارتفاع درجة الحرارة إلى مستويات درجتين مئويتين، فوق معدلات ما قبل الثورة الصناعية، يهدد العديد من المناطق بالجفاف، وينذر بالمزيد من حرائق الغابات. وكانت الدراسة قد حددت الفترة بين 1880 إلى 1900 بوصفها فترة مرجعية لما قبل الثورة الصناعية.

نماذج رياضية مناخية

اعتمدت الدراسة على تحليل 27 نموذجًا رياضيًّا مناخيًّا عالميًّا لتوقُّع الظروف المناخية وعلاقتها بظهور الأراضي القاحلة وتحديد مناطق العالم التي يتغير فيها الجفاف بشكل كبير، مقارنةً بالتغيُّرات التي تشهدها تلك المناطق من سنة إلى أخرى، وذلك في إطار زمني امتد من 1861 حتى 2100.

أظهرت النتائج أن القرن العشرين شهد زيادةً في مساحة الأراضي القاحلة بالنسبة للدول المطلة على البحر المتوسط والجنوب الأفريقي والساحل الشرقي لأستراليا، كما واجهت المناطق شبه القاحلة في المكسيك والبرازيل وأستراليا التصحر لبعض الوقت، وتزايد الطلب على المياه في شبه الجزيرة الإيبيرية.

وكشفت عن أن زيادة الطلب على المياه أدت إلى انخفاض تدفُّقها في الأنهار، مشددةً على أنه في الوقت الذي قد لا يكون فيه ارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدل درجتين مئويتين كافيًّا لتجنُّب أزمة تجريف التربة، فإن الحد من الظاهرة إلى أقل من 1.5 درجة مئوية، من شأنه أن يُحدث فارقًا كبيرًا وأن يُقَلِّل من مخاطر التصحر والجفاف والحرائق على كوكب الأرض.

يقول "تشانج يوي بارك" -الباحث بكلية العلوم البيئية والهندسية في جامعة جنوب الصين للعلوم والتكنولوجيا، ورئيس الفريق البحثي- في تصريحات لـ"للعلم": "انتهينا إلى أن أكثر من 24% من مساحة الكرة الأرضية ستواجه القحولة في حالة ارتفاع درجات الحرارة ما بين درجةٍ ونصف إلى درجتين، عما كانت عليه قبل الثورة الصناعية، كما توصلنا في المقابل إلى أن حوالي ثلث تلك المساحة يمكنها تجنُّب هذا الخطر في حالة ألا يتعدى ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية".

يوضح بارك أن الدراسة لم تتعامل مع الجفاف بشكلٍ مباشرٍ، لكنها تناولت القحولة، وهى الظاهرة التي تكون فيها الظروف مواتيةً لحدوث الجفاف، إذ اعتبرت الأراضي القاحلة مؤشرًا لجفاف سطح الأرض الذى يمكن حسابه بالجمع بين تنبؤات هطول الأمطار وكمية البخر، وأن انخفاض نسبة إمدادات المياه في الغلاف الجوي يعني ظهور مناطق أكثر جفافًا، ما يؤدي إلى تفاقُم الوضع وتدهور الأراضي ووقوع التصحر، على حد وصفه.

من جانبه، يوضح نادر نور الدين -أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة، جامعة القاهرة- مفهوم القحولة بأنها التغيرات الموسمية التي تؤدي إلى زيادة جفاف المناطق على المدى الطويل (التصحر)، مضيفًا أنها تقاس بانخفاض نسبة الرطوبة في التربة لعدة أسباب، منها تغيرات المناخ، وانخفاض هطول الأمطار، وزيادة التبخر، وانخفاض نسبة المياه الجوفية.

ويفرق نور الدين بين مفهومي القحولة والجفاف، قائلًا: يتعلق الجفاف بالعلاقة بين كمية الأمطار الساقطة على أي بلد وكمية البخر فقط، وهو ما يتم على أساسه تصنيف الدول إلى شديدة الجفاف، وجافة، وشبه جافة، ورطبة وشبه رطبة.

 ووفق نور الدين، تصنف الدولة على أنها جافة إذا كان سقوط الأمطار بها لا يصل إلى المعدلات العالمية، ولكن هذا لا يمنع توافر مصادر أخرى من المياه داخلها، مثل المياه الجوفية.

وتعرف الدراسة مصطلح "القحولة"، بأنه مؤشر لتحديد وجود شواهد على جفاف أو رطوبة الأرض تبعًا للظروف المناخية، فإذا كان مؤشر القحولة أقل من 0.65، تُصنَّف المنطقة بأنها من الأراضي الجافة.

الاحترار العالمي والقحولة

ووفق الدراسة، فإن زيادة الأراضي الجافة في العالم تزيد من مخاطر تدهور التربة ووقوع التصحر الذي يقلل من امتصاص الأرض للكربون واحتجازه؛ إذ يوفر امتصاص الأرض للكربون حماية لها من القحولة، في حين يزيد عجزها عن امتصاصه وانطلاقه للغلاف الجوي من المخاطر التي تتعرض لها.

وتكون الظروف الناجمة عن القحولة مواتيةً لحدوث الجفاف والحرائق التي تؤثر تأثيرًا خطيرًا على الزراعة ونوعية المياه وإنتاجية النباتات والتنوع البيولوجي ونمو الغابات.

وتتداخل المناطق المعرضة للقحولة "المتوقعة" مع المناطق المعرضة لخطر الجفاف الشديد وتكون معدلات انخفاض رطوبة التربة ملحوظةً، ما يؤدي إلى حدوث تحرُّك في التوزيعات النباتية المحتملة.

ويؤدي الاحترار العالمي دورًا بارزًا في ارتفاع معدلات القحولة، إذ إن مستوياتها ستكون أكبر بنحو 3.2% في الفترة من 2071 وحتى 2100، بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وذلك مقارنةً بما كان عليه في الفترة من عام 1961 وحتى 1990، وفق نتائج الدراسة.

يشير نور الدين، في تصريحاته لـ"للعلم"، إلى أن "الجفاف أخطر من القحولة؛ لأنه يعني اختفاء جميع صور المياه فوق سطح التربة وتحته، أي انقطاع الأمطار وجفاف الأنهار وعدم وجود المياه الجوفية، كما يحدث في الصومال وجنوبي إثيوبيا وشمالي كينيا في القرن الأفريقي، إذ تبدأ النباتات تموت أولًا وتليها الحيوانات ثم البشر".

السيناريو الأسوأ

شددت نتائج الدراسة على أنه لا يمكن تجنب "القحولة" والتغيرات المناخية القاسية في ثلثي مناطق العالم. موضحةً أنه على الصعيد العالمي، فإن 9% من المناطق الرطبة ستصبح مناطق جافة شبه رطبة، وستصبح 6% من المناطق الرطبة والجافة دون الرطبة شبه قاحلة، وستتحول 15% من المناطق من "شبه قاحلة" إلى قاحلة، فيما ستصبح نسبة 15% من المناطق القاحلة "مفرطة في الجفاف"، مشددةً على أن هذه التغيرات العميقة ستؤثر بشكل كبير على ملفات التصحر والجفاف وإدارة المياه.

وتتفق نتائج الدراسة مع تقرير صدر 6 نوفمبر الماضي عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وأشار الى أن الفترة من 2013 الى 2017 كانت من أكثر السنوات حرارة على الأرض، وأن عام 2017 كان واحدًا من ثلاثة أعوام هي الأكثر سخونةً التي جرى تسجيلها عالميًّا؛ إذ ارتفع متوسط درجة الحرارة عالميًّا بـ1.1 درجة مئوية، مقارنةً بفترة ما قبل الثورة الصناعية.

وحذر التقرير من تعرُّض أجزاء من شرق أفريقيا للجفاف بعد تناقص معدل هطول الأمطار إلى دون المتوسط في مناطق عديدة، فضلًا عن حدوث جفاف في موسم الأمطار الطويلة (من مارس إلى مايو) في أجزاءٍ كثيرةٍ من الصومال، وجنوب شرق إثيوبيا، ما أدى إلى أكثر من 760 ألف حالة نزوح داخلي، فضلًا عن إعلان كينيا أن لديها كارثة في النصف الشمالي من أراضيها، كما عانت أجزاء كثيرة من دول البحر المتوسط من ظروف جافة.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول حجم التهديدات التي تواجه المنطقة العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، يقول "مانوج جوشي" -أحد المشاركين في الدراسة، والباحث بكلية علوم البيئة في جامعة إيست أنجليا البريطانية-: "ركزت الدراسة على منطقة البحر المتوسط، ووجدنا أن المنطقة ستبدأ في التأثر والتعرض للقحولة عند ارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدل درجة ونصف الدرجة".

وكان الجفاف الأشد خطورةً قد وقع في إيطاليا، إذ أصاب الإنتاج الزراعي وتسبب في انخفاض بنسبة 62٪ في إنتاج زيت الزيتون، مقارنةً بعام 2016، وذلك بسبب انخفاض متوسط هطول الأمطار بنسبة 36٪، فضلًا عن ارتفاع درجات الحرارة بحوالي 1.31 درجة مئوية فوق المتوسط في الفترة من 1981-2010. وشملت المناطق الجافة الأخرى أجزاءً كثيرة من إسبانيا والبرتغال.

استغرقت الدراسة 14 شهرًا فقط، وتعليقًا على قصر فترتها نسبيًّا يقول جوشي: "إن الدراسة استغرقت شهورًا قليلةً بالفعل، لأننا بنينا تحليلاتنا على ما حصلنا عليه من مراكز تحليل النماذج الدولية للمناخ في جميع أنحاء العالم، ومثل هذه النماذج المناخية تستغرق سنوات عديدة لتطويرها، كما استغرقت هذه العمليات نفسها عدة أشهر، وهو تحدٍّ كبير في مجال الحسابات العلمية".

من جهته، يؤكد سمير طنطاوي -مدير مشروع رفع القدرات للحد من الانبعاثات، التابع للأمم المتحدة، والذي ينفذ بالتعاون مع وزارة البيئة المصرية- في تصريحات لـ"للعلم" أنه "يجب النظر للدراسة بعين الاعتبار"، مضيفًا أن المشكلة في نتائج النماذج، التي اتبعتها الدراسة، أنها نماذج عالمية، وبالتالي فإن درجة دقة النتائج تكون ضعيفة؛ لأن النموذج الرياضي في هذه الحالة يغطي مساحاتٍ كبيرةً جدًّا من الأرض، ونضطر إلى عمل إسقاطٍ للنموذج العالمي على مستوى إقليمي، فضلًا عن عدم توافر البيانات بشكلٍ كاملٍ وسليمٍ في الدول النامية يسمح للنموذج الرياضي بالوصول إلى نتائج سليمة.

في الختام، يحذر بارك من أن السيناريو الأسوأ الذي تواجهه الأرض هو احتمال ارتفاع درجة حرارتها لأكثر من 4 درجات مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، مشددًا، في الوقت ذاته، على أنه "يمكن تجنب السيناريوهات الأسوأ عن طريق تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، وإيجاد طرقٍ جديدةٍ لتوفير المياه في قطاعي الزراعة والصناعة".