"لن آكل الكاليماري بعد الآن"، هذا ما علقت به مُشاهِدة منفعلة بعد مشاهدة فيلم "الأخطبوط معلمي" Octopus My Teacher على قناة Netflix قرب نهاية هذا العام الكابوسي 2020، وبرغم معرفتها السابقة الواضحة بالكاليماري باعتبارها مُحبَّة للأكلات البحرية، إلا أنها أخطأت في ظنها أنه يأتي من الأخطبوط، في حين أن مصدره الحَبَّار، وكلاهما -على أي حال- ينتمي إلى الرخويات المسماة "رأسقدميات" Cephalopada، والتي يتكون جسمها من ثلاث مناطق: الرأس الصغير ذي العينين البصاصتين على جانبيه، والجذع الذي يحتوي على الأحشاء، والأطراف المحيطة بالفم والمتحورة إلى أذرع مرنة تحمل ممصات قوية على باطنها.

     وبرغم كل تلك المشتركات في تكوين الرخويات، إلا أن أهم ما يميز الأخطبوط هو أطرافه أو أذرعه الثماني التي توصف بأنها الأكثر مرونةً بين أطراف كل الكائنات، فهي ناعمة وقوية، يمكن لكلٍّ منها أن ينحني ويلتوي ويطول ويقصر في العديد من التشكيلات لإنتاج حركات متنوعة، وفي اتجاهات عديدة، وبزوايا مختلفة تصل إلى 360 درجة، وهو يزحف بها على القاع، ويسبح بها إن لزمته السباحة، بها يصطاد ويهرب من مطارديه، ويأكل بها ما يسرقه من قوارب الصيادين في غفلة منهم، ويستكشف محيطه، ويغير شكلها لخداع فرائسه ومفترسيه، وبأحدها يتزاوج. أعجوبة.

يخلط البعض بين الحبار الموجود في الصورة- من حديقة كومودو الوطنية- والأخطبوط وكلاهما ينتمي إلى الرخويات المسماة رأسقدميات Credit: Nick Hobgood

الطريق إلى الوصمة

   أعجوبة أسيء فهمها طويلًا، حتى بدَّد العلم الإساءة لدى مَن تشغفهم معطيات العلم، أما عموم الناس، ومنهم فتاة مقاطعة الكاليماري، فكان مهمًّا أن يروا مشاهد موثَّقة ليوقنوا كم أن هذه الأذرع البارعة طيبة وحنون، وكم هو الأخطبوط خجول وودود، وليس كما لقنتهم عنه أساطير التخويف والرعب، وهو انطباع زدت عليه -بعد مشاهدتي للفيلم- أنه كائن يستحق رد الاعتبار؛ لكثرة وطول ما أُلصق به من اتهامات باطلة، مصدرها خوف الإنسان مما يجهل، وملء فجوات المعرفة الهشة بالتوهم، واستنفار ثنائية "قاتل أو مقتول" لدى البشر منذ عصور البداءة الأولى.

     أباطيل كثيرة رد عليها انطباعيًّا ذلك الفيلم الذي سجَّل تجربة هاوٍ للغوص أقام صداقةً مع أخطبوط بغابات العشب البحري في المحيط، قرب ساحل مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا، وكان عربون هذه الصداقة سعي الغواص إليه تحت الماء دون بذلة الغوص ومعداته، بل بمايوه استحمام ونظارة بحر، بجلدٍ عارٍ ويدين خاليتين، فوصلت رسالة السلام إلى أحد أذكى مخلوقات الأرض، ونمت الصداقة بين إنسان وأخطبوط عبر زيارات يومية لعام كامل، فتمكَّن صنَّاع الفيلم بعد ذلك من توثيق لحظات لقاء الصديقين تحت الماء في مشاهد آسرة، من ودٍّ وحنوٍّ ومحبة مدهشة، خاصةً من جهة الأخطبوط الذي كان يلاقي صديقه كأنما بالأحضان، يوسع له ما بين أذرعه الثماني، ويزلق على جلده العاري -بنعومة ورهافة- ذراعًا أو أكثر، فكأنه يحتضن صديقه شوقًا عند اللقاء، وتبدو كؤوس الشفط -التي طالما بدت مخيفةً في المخيلة العامة- وكأنها تمسح جلد الصديق الزائر بحبٍّ واشتياق، فلا عصر ولا قتل ولا تغريق ولا نهش بالفم المنقاري، لا شيء من كل ذلك الوصم البشري الذي لحق بالأخطبوط.

 مشاهد حقيقية خلابة، ومؤثرة، جعلت مئات آلاف من مشاهدي الفيلم ينفعلون بما يعادل اعتذارًا عن كل سوء الظن البشري بهذا الكائن الودود، مراجعة ينبغي تعميقها وتوسيع رحابها؛ لأن الظلم في هذه الحالة ظلمان، ظلم لهذا الكائن الفريد، وظلم لأنفسنا؛ إذ يعوق استلهامنا لعظيم فوائده، وكلاهما يستطيع البحث العلمي الحديث ردّه.

credit: Albert Kok أخطبوط  يسبح في الأعماق حيث تبدو الرأس في المقدمة وتمتد من  وراءها أذرعه 

هرقل ومحتالون وأهل عِلم!

     وحتى لا نظلم أسلافنا كثيرًا، واضح أن صورة تلك الأذرع الملتوية العجيبة الغريبة للأخطبوط، انطبعت في المخيلة البشرية المبكرة بتصوُّرها أفاعي قاتلة تنبثق من جسمٍ شائهٍ واحد، تتأهب للنهش واللدغ، وهو ما شكَّل أسطورة "الهيدرا"، ذلك الوحش الأسطوري ذو الرؤوس الأفعوانية العديدة، التي كلما قُطع منها رأس طلع غيره، وكان لا بد لهذه الأسطورة من بطل أسطوري بوزن هرقل، ليقضي عليها بعمله الثاني ضمن أعماله الاثني عشر الخارقة. أسطورة لا يزال تصوُّرها يحمل ما هو منحوت في الرخام، أو مرسوم على الجدران. وليت الأمر توقف عند فتنة الأساطير!

      مضت قرون هرقل، وفي القرن الثامن عشر ورد عن صيدلي من أمستردام اسمه ألبرت سيا -وكان يُعد من علماء الطبيعة حينها- أنه عرض ضمن مقتنياته -ما سمَّاه "عينات التنوع البيولوجي الرائعة"- صورةً لهيدرا "حقيقية". وقد ثبت أنها عينة مزيفة مُشكَّلة من جلود الأفاعي ورؤوس ابن عرس! فهل تراجعت الأباطيل؟

    أبدًا، ففي العام 1809 ألقى جورج شو، وهو واحد اعتُبِر "من علماء الطبيعة" -آنذاك- محاضرة أمام المعهد الملكي عن ضراوة ووحشية الأخطبوط "الذي يهاجم إنسانًا في أثناء السباحة ويشله بقوة أطرافه الخطيرة ويعتصره حتى الموت". والمضحك المبكي، قدم صورة لهذا "الوحش" الذي لم يكن إلا الأخطبوط المجعد Eledone cirrhosa الذي يتراوح حجمه بين 5 بوصات و15 بوصة!

     وبعد قرن من واقعة الوحش الذي لا يزيد عن حجم بطة، وتحديدًا في العام 1907، نُشِر كتاب "ميداني" لعالمة الطيور الأمريكية كاتبة الطبيعة، فلورنس ميريام بيلي، جاء فيه أن الأخطبوطات "مخلوقات فظيعة، هائلة القوة، لها أذرع بها أقراص شفط تمسك بالضحية، وترفعه ثم تقطعه بسكاكين رفيعة"! وقد مر على ذلك قرن وثلاثة عشر عامًا، ولم تُكتشف هذه السكاكين!

أما عن الكتابة العلمية، فقد نشرت مجلة " ناشيونال جيوغرافيك" عام 1919 مقالًا بقلم جون أوليفر لاجورس، بعنوان "صيد الشيطان في تيار الخليج"، قدم الرخويات على أنها "الأكثر إثارةً للاشمئزاز، لها رأس كبير قبيح وفم شرس، وعينان شيطانيتان قادرتان على إرسال وهجٍ شيطاني عند الغضب. وهي تقاتل مَن تغضب عليه حتى النهاية، وتسحبه إلى أعماق الماء"!

من منطقة دايفيدسون البحرية في المياه الواقعة قبالة سواحل كاليفورنيا credit: NOAA/MBARI

حتى أنت يا فيكتور هوجو

     هذا عن بعض "أهل العلم" في ذلك الزمان، أما بعض أدبائه، فهناك طابور طويل من مؤلفي كتب وأفلام المغامرات والرعب والإثارة، تحكي عن مواجهات أسطورية مع تلك الوحوش التي تفتك بمرتادي البحر، وتقلب سفنهم في عرض المحيط عندما تحيطها بأذرعها العملاقة! علمًا بأن أكبر هذه "الوحوش" هو "أخطبوط المحيط الهادي العملاق"، الذي لا يزيد طوله مع امتداد الأذرع عن 4.3 أمتار، فأي سفينة تلك التي يستطيع أن يحيط بها وبمَن فيها، ويغرقها"؟!

    سياق ترهيبي غير حقيقي، لم يفلت منه عملاق بحجم أديب فرنسا الكبير فيكتور هوجو، ففي روايته "كادحو البحر" وصف لقاء بطله "جيلات" مع أخطبوط في كهف بالتالي: "الهيدرا تندمج مع الرجل. يصبح الرجل واحدًا مع الهيدرا، يهيمن الشبح عليه، تلك السمكة الشيطانية الرهيبة، تمتص دماء حياته، وعاجزًا يشعر أنه قد أُفرغ تدريجيًّا في هذه الحقيبة الرهيبة، الوحش نفسه".

      وحش لم يكن قَط وحشًا، لا بتاريخه الواقعي، ولا بتكوينه الذي ينفي أي إمكانية لارتكاب كل الجرائم والشيطنات التي ألصقها به التوهم البشري، والمعرفة البشرية المنقوصة. فهذا "الوحش العملاق" أو "سمكة الشيطان القاتلة" لا يؤهلها حجمها، ولا طبعها الخجول، للاقتران بالفظائع التي نُسبت ولا تزال تُنسب إليها. وليس بينها ما يشكل خطرًا على الإنسان سوى قلة نادرة، أشهرها الأخطبوط ذو الحلقات الزرقاء Hapalochlaena نسبةً إلى ما يرقش جلده من حلقات زرق ساطعة ومومضة تجعله من أجمل المخلوقات البحرية، فحجمه يتراوح بين حبة بازلاء وكرة تنس، لكنه سام وعضته قاتلة بالفعل، إلا أنه ليس عدوانيًّا.

الأخطبوط ذو الحلقات الزرقاء من نيو ساوث ويلز، أستراليا credit: David Breneman

    فمن أين نبعت كل تلك الأساطير، والحكايا، وقصص الإثارة والرعب وما بُني عليها من أفلام، تشيطن جميعها هذا المخلوق؟

    إنها أذرعه الثماني التي أوحت بوحش الهيدرا، وأخيلة الفتك بالسفن والبحارة والغواصين، تلك الأطراف العجيبة التي لفرط عجائبية حركيتها طرحت جدلًا لم يتم حسمه إلا مؤخرًا، يفترض أن أذرعًا بهذه القدرات الفذة لا بد أن يكون لكلٍّ عقل يخصه، فشاعت مقولة أن الأخطبوط (الذي له ثلاثة قلوب في الحقيقة) يمتلك تسعة عقول: واحد في رأسه الصغير، وثمانية تتوزع على أذرعه الثماني. فماذا عن الحقيقة العلمية؟

أين عقلي؟

     لم يكن أيٌّ من أذرع الأخطبوط هو الذي هتف بذلك السؤال، بل باحثو علم الأعصاب في معهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا (OIST)، عبر ورقة بحثية نشروها في 2 نوفمبر 2020 تحت عنوان صريح يتساءل في البيان الصحفي المصاحب لها: "هل أذرع الأخطبوط لها عقل يخصها؟"، وهو تساؤل مشروع، فالأخطبوط يمتلك جهازًا عصبيًّا واسع النطاق، يحتوي على أكثر من 500 مليون خلية عصبية، أي عدد مشابه لذلك الموجود في الفقاريات الذكية، كالكلاب، ولكن على عكس الكلاب والفقاريات الأخرى، يوجد أكثر من ثلثي الخلايا العصبية للأخطبوط في أذرعه. لهذا اشتبه العلماء في أن أذرع الأخطبوط قد يكون لها عقول خاصة، تديرها بشكل مستقل عن الدماغ المركزي. وقد أظهرت الأبحاث أن أذرع الأخطبوط تستخدم حلقات عصبية منعكسة لإنشاء حركات منسقة، ويمكن لبعض الأخطبوطات التخلص من ذراع أو أكثر لتشتيت انتباه مهاجميها المفترسين، فيستمر الجزء المفصول في الحركة، مما يربك المفترس، ويتيح للأخطبوط الفرار. لقد أثار كل ذلك شهوةَ البحث العلمي إلى مزيد من التقصِّي.

      في هذه الدراسة اليابانية، أثبت الباحثون أن الأخطبوطات قادرة على تعلُّم ربط إدخال ذراع واحدة في جانب معين من متاهة ذات خيارين للحصول على مكافأة من الطعام، حتى عندما لا تكون المكافأة ولا الذراع مرئيتين داخل المتاهة. وهذا يعني أن هناك عمليتين تحدثان، أُولاهما التعلم الذي يوفر للأخطبوط معلومات تفيده بأي جانب من جانبي المتاهة توجد المكافأة، والتعلم موضعه الدماغ. أما العملية الثانية والتي تحدد مسار الوصول إلى المكافأة داخل المتاهة دون توجيه بصري، فيفسرها وجود تكوين عصبي متطور بالغ الحساسية، في الذراع نفسه.

    بعد ذلك أنشأ الباحثون متاهةً مبهمةً بسيطة على شكل حرف Y، ودربوا ستة أخطبوطات لربط المسار الأيمن أو الأيسر بمكافأة الطعام، وبعد استكشافٍ متأنٍّ في البداية، استخدمت الأخطبوطات بعد ذلك حركات سريعة لمد الذراع نحو الهدف الصحيح واستخراج الطعام، وإذا أخطأوا يسحبون أذرعهم بسرعة. واستنتج الباحثون أن الأخطبوطات لديها إحساس ذاتي بما تفعله أذرعهم، من ناحية، ومن ناحية أخرى تتشارك في معلومات إضافية يقدمها لها الدماغ المركزي، فأين تحديدًا -في الأذرع- تقع مراكز هذا الإحساس الذاتي؟

 أنف ولسان وأنامل، الكل في واحد!

    لعقود كثيرة أَولَى العلماء اهتمامهم بأكواب أو أطباق أو أقراص أو كؤوس الشفط التي يتراصف نحو 200 منها على باطن كل ذراع من أذرع الأخطبوط، وأجريت تجارب الميكانيكا الحيوية للكشف عن آلية عملها، لكن، ماذا يحدث على المستوى الجزيئي، الكيميائي الحيوي؟ فالأمر هنا يتعلق بكائن حي لا مجرد آلة؟! وقد أَولَى باحثو جامعة هارفارد اهتمامًا لذلك الجانب بالغ الدقة، للوقوف على كيفية قيام الجهاز العصبي الذاتي في أذرع الأخطبوط، بإنجاز مهماته. ونشروا ورقتهم البحثية عما اكتشفوه في 29 أكتوبر 2020، وتضمنت إثبات وجود "عائلة جديدة" من مستشعرات حسية في الطبقة الأولى من الخلايا داخل أكواب الشفط، تكيفت لتكتشف الجزيئات التي لا تذوب جيدًا في الماء.

فبالنسبة لكائن بحري لا يمثل ما يذوب في الماء منبهًا قويًّا لتلك المستشعرات الكيميائية الحيوية التي تكشف عن كنه الجزيئات التي تخبر الأخطبوط، إذا كان ما تلمسه أذرعه فريسة تؤكل أم شيئًا آخر، سلطعونًا أم صخرة. وهو اكتشاف يشير إلى اندماج حواس اللمس والتذوق والشم في تكوين عصبي واحد!

creadit: Bo-Mi Kim, Seunghyun Kang, Do-Hwan Ahn, Seung-Hyun Jung, Hwanseok Rhee, Jong Su Yoo, Jong-Eun Lee, Seung-Jae Lee, Yong-Hee Han, Kyoung-Bin Ryu, Sung-Jin Cho, Hyun Park, Hye Suck An


     لتوثيق الكشف عن هذه المستشعرات في أطباق الشفط بأذرع الأخطبوط، قام الباحثون بعزل خلاياها واستنساخها، ثم أدخلوها منفردةً في بيض الضفادع وفي خطوط الخلايا البشرية لدراسة وظيفتها بمعزل عن غيرها. مع ملاحظة أنه لا بيض الضفادع ولا الخلايا البشرية المختارة تمتلك إمكانية هذه المُستشعرات. ثم عرّضوا تلك الخلايا لجزيئات قابلة للذوبان في الماء، مثل الأملاح والسكريات والأحماض الأمينية، وجزيئات من فريسة يفضلها الأخطبوط. وكان مثيرًا للدهشة أن المستقبلات في هذه الخلايا لم تنشط إلا لجزيئات الفريسة، والتي هي بطبيعة الحال مما لا يذوب في الماء!

     قدرات فذة لكائن يستحقها بعمق تاريخه التطوري الذي يعود إلى أكثر من مئتي مليون عام، لكننا لم نعرف عنه إلا قليل القليل؛ لأن تكوينه الخالي من العظام لم يترك للبشر حفريات وافرة يرجعون بها إلى فجر تاريخه الطويل، والذي تطورت عبره تلك القدرات التي تتكشف يومًا بعد يوم، وهي بذلك لا تزيل عنه الوصم بالشيطنة والتوحش فقط، بل تفتح بابًا واسعًا لاستلهام قدراته المذهلة برغم ضعفه البادي، وخجله أو حذره التاريخي ككائن ذكي، شديد الذكاء.

استلهام وأحلام وطعام!

    لقد حاولت استكشاف المجالات التي يَستلهِم فيها العلم والتقنية البشريين بعضًا من قدرات الأخطبوط، فوجدت نفسي أمام سيل دافق من الأبحاث والتقنيات والأفكار التي يوحي بها تكوين هذا الكائن وسلوكه، وتصب في بحيرة "المحاكاة الحيوية" Biomimicry  أو "تقليد الطبيعة"، وليس أوضح من أذرع الأخطبوط كنموذج كاشف عن المزيد من مبادئ التصميم الملهمة لجيل جديد من "الروبوتات اللينة"، وهي حلم قديم للمهندسين، ففي الوقت الحالي، تتطلب معظم الأذرع الروبوتية مواد صلبة ومفاصل من تكوينات عديدة، وكلها محدودٌ بقيود، تجاوزته أذرع الأخطبوط المرنة لإنتاج حركة تكاد تكون بلا حدود، وبمحاكاتها يمكن للأذرع الروبوتية اللينة أن تتيح العديد من التطبيقات الجديدة، مثل استكشاف دخائل المباني المنهارة، والفحص الطبي اللطيف للممرات الهضمية أو التنفسية. أما ما هو متحقق، أو يكاد، فيمثله روبوت من السيليكون قادر على تسلُّق الجدران وصعود الدرج والإمساك بمجموعة متنوعة من الأشياء بأذرع السيليكون المرنة. وتقوم مجموعة بحثية من جامعة Hosei في طوكيو بتطوير مثل هذا الروبوت.
     وفي معهد Wyss للهندسة المستوحاة بيولوجيًّا بجامعة هارفارد أنجز الباحثون ذراعًا آليَّةً ناعمةً مستوحاةً من أذرع الأخطبوط يمكنها الإمساك بمجموعة واسعة من المكونات وتحريكها والتعامل معها. وبرغم أن هذا التصميم أبسط بكثير من نظيره البيولوجي، فإن شفاطات المحاكاة الحيوية المستلهمة من نظيرتها في أذرع الأخطبوط والقائمة على التفريغ، ثبتت قدرتها على الإمساك القوي والمحكم بأي جسم، مما يفتح الباب لتصميم كثير من المنتجات الصناعية في الفك والتركيب والتثبيت. وقد اختبر الباحثون الجهاز بنجاح للإمساك بعديد من الأشياء المختلفة، صفائح رقيقة من البلاستيك وأكواب قهوة وأنابيب اختبار وبيض، بل حتى سرطان البحر الحي. كما سمح التصميم المدبب للذراع بالانضغاط في الأماكن الضيقة واستخراج الأشياء المخبأة فيها!

     وإذا كانت هذه الروبوتات السيليكونية مجرد نموذج مستوحى من مرونة أذرع الأخطبوط، ففي الأخطبوط الكثير مما يُلهِم، جلده الذي يغير لونه ونقوشه ويومض، ويدفئ الكائنات ساكنة الأعماق شديدة البرودة، فهو يعدنا بثياب تغير ألوانها وتضيء ذاتيًّا في الظلام، وأنسجة تدفئ بأكثر مما تدفئ الملبوسات الجلدية والصوفية حتى لو ابتلَّت. أما مستشعرات اللمس والتذوق والشم في كؤوس الشفط بباطن الأذرع الأخطبوطية، فليس بعيدًا أن تلهم ابتكارات أنوف وألسنة صناعية تقوم بما لاتجرؤ ألسنتنا على تذوقه أو لا تحتمل أنوفنا شمه أو تتجنب أناملنا لمسه.

     أمام هذا القليل من الكثير في عالم الأخطبوط عظيم التصميم، لاح لي سؤال عما إذا كان البشر يقبلون أو لا يقبلون مضغ هذه العظَمة، ورحت أبحث عما يمكن أن يكون موجودًا من أطعمة يُستخدم فيها لحم الأخطبوط اللين الرقيق، وهالني أنه يؤكل باتساع هذا الكوكب وحيثما كان هناك بحر وساحل، يؤكل بشراهة، مسلوقًا ومشويًّا ومفرومًا، نيئًا ومطبوخًا، وأحيانًا وهو حي! وبرغم أنني لست من هواة غرائب الأطعمة، ولا من منكريها على الغير، إلا أنني أحسست حيال طوفان أطباق الأخطبوط التي يلتهمها البشر، بأن "الأخطبوط" الحقيقي الذي نعنيه بالاستعارة التي تشير إلى فرط الاستحواذ، والتكويش، والهيمنة، والفجعة، ليس هذا الحيوان البحري، بل الحيوان البشري. وأظنني -حتى إشعار آخر- لن آكل لحم الأخطبوط حتى لو أُعدت منه أشهى الأطباق، سواء تاكوياكي أو أكاشيكي اليابانيين، أو ناكجي الكوري، أو بوافا المالديفي، أو بولبيرياس الإسباني، أو أجاريو البرتغالي، أو آهاتابوت سالاتاس التركي، كل هذه الأطباق الأخطبوطية لن آكلها، أما الكاليماري -أو السبيط لدينا- فيحتاج إلى بعض التفكير. ما أغرب الإنسان!