في نسبة تتراوح من 1% إلى 2% من حالات السرطان قد يصعُب على الباحثين تحديد الموقع الأساسي لأصل الورم، ونظرًا إلى أن أغلب العلاجات الحديثة تستهدف الأورام الرئيسية، فإن التنبؤ بحالات السرطان غير معروف الأصل يكون ضعيفًا، وفرص بقاء المريض على قيد الحياة تتراوح بين 9 أسابيع و16 شهرًا.

وللحصول على تشخيص دقيق، يخضع المرضى لاختبارات معملية إضافية، وفحص بالمنظار، مما يؤخر التشخيص، لتحسين التشخيص للمرضى الذين يعانون من أورام ثانوية معقدة، خاصةً في الأماكن قليلة الموارد، قام الباحثون في معمل "محمود" الباحث بمستشفى "بريجهام والنساء" بتطوير نظام ذكاء اصطناعي (AI) يستخدم شرائح الأنسجة التي يجري الحصول عليها بشكل روتيني للعثور بدقة على أصول الأورام الثانوية في أثناء تحديد "التشخيص التفريقي" لمرضى السرطانات غير معروفة الأصل.

ووفقًا للدراسة التي نُشرت في دورية "نيتشر"، اعتمد الباحثون على تحقيق أقصى استفادة من شرائح الأنسجة المتوافرة عند تشخيص أي مريض سرطان، والتي تُعد الوسيلة المُثلى للتشخيص على مدار أكثر من 100 عام، يقول "محمود فيصل" المشرف على الدراسة والأستاذ المساعد بكلية طب هارفارد: "لقد وظَّفنا قوة الذكاء الاصطناعي لتحسين التشخيص في الحالات المعقدة التي تتطلب عمليات تشخيصية واسعة النطاق".

 وتقوم الخوارزمية التي طورها الباحثون والقائمة على التعلُّم العميق وتسمى "تقييم أصل الورم من خلال التعلُّم العميق" (TOAD) بتحديد الورم كأساسي أو ثانوي مع توقع موقعه الأصلي، قام الباحثون بتجربة نموذجهم باستخدام صور شرائح لأورام تخص أكثر من 22 ألف حالة سرطان، ثم اختبروا TOAD في حوالي 6500 حالة تم تحديد أصل الورم بها، وقاموا بتحليل السرطانات المنتشرة المعقدة بشكل متزايد لإثبات فائدة نموذج الذكاء الاصطناعي في التعرف على أصل الأورام الثانوية مجهولة المصدر.

بالنسبة للأورام ذات الأصول الأولية المعروفة، حدد النموذج بشكل صحيح السرطان بنسبة 83% من الوقت، وأدرج التشخيص بين التنبؤات الثلاثة الأولى بنسبة 96% من الوقت، ثم اختبر الباحثون النموذج على 317 حالة مجهولة الأصل ضمن التي تم تحديد التشخيص التفريقي لها، ووجدوا أن تشخيص TOAD يتفق مع تقارير علماء الأمراض بنسبة 61% من الوقت واتفاق التنبؤات الثلاثة الأولى في 82% من الحالات.

يقول "محمود" في تصريح لـ"للعلم" إن نموذج الذكاء الاصطناعي يعطي احتمالية لكل أصل مُدرج في الدراسة، والمقصود بأعلى ثلاثة تنبؤات هو الأصول الثلاثة التي وضعها النموذج كأعلى احتمالية بترتيب تنازلي.

وتشير الدراسة إلى أن أداء النموذج الاصطناعي TOAD يُعد إلى حد كبير مشابهًا للأداء الذي سجلته العديد من الدراسات الحديثة التي تستخدم البيانات الجينية للتنبؤ بالمكان الأصلي للورم، وبينما يوفر الذكاء الاصطناعي المعتمد على الجينوم خيارًا بديلًا للمساعدة في التشخيص، لا يتم إجراء الاختبار الجيني دائمًا للمرضى، خاصةً في الأماكن منخفضة الموارد، ويأمل الباحثون تجربة نموذج الذكاء الاصطناعي، المعتمد على شرائح الأنسجة، مع عدد أكبر من الحالات وعمل تجارب سريرية لمعرفة ما إذا كان يُحسِّن التشخيص وتوقعات المرضى.

ويؤكد المشرف على الدراسة في تصريح لـ"للعلم" أن نموذج الذكاء الاصطناعي المعتمد على الأنسجة أقل تكلفةً بكثير من الاختبارات الجينية؛ لأنه يعتمد على شرائح الأنسجة التي يتم الحصول عليها بشكل روتيني من مرضى السرطان ومتعارَف عليها عالميًّا، وقد انخفضت التكلفة الحسابية لإعداد هذه النماذج بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية باستخدام ماسحات ضوئية أرخص للشرائح ووحدات معالجة رسومات فعالة من حيث التكلفة.

ووفق "محمود"، يمكن للتنبؤات الأولى من النموذج تسريع التشخيص والعلاج اللاحق عن طريق تقليل عدد الاختبارات الإضافية التي يجب طلبها، وتقليل أخذ عينات الأنسجة الإضافية  والوقت الإجمالي اللازم لتشخيص المرضى، والذي يمكن أن يكون طويلًا ومُجهدًا"، ويضيف: "إذا لم تتوافر التنبؤات الثلاثة الأولى، من المحتمل أن يتم استخدام التنبؤ الأعلى لتعيين التشخيص التفريقي، هذه ليست سوى الخطوة الأولى في استخدام صور الشرائح الكاملة للتنبؤ بأصل السرطان بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وهي منطقة مثيرة للغاية؛ نظرًا لإمكانية توحيد عملية التشخيص وتحسينها".