لم يكن الكيميائيان الأمريكي إيرا ريمسن، والروسي قسطنطين فهلبرج، يعلمان وهما يُجريان تجربةً كيميائيةً داخل مختبر الأول، على أحد منتجات قطران الفحم، أنهما على وشك تحقيق فتح كبير في مجالي الصحة والصناعة؛ إذ أسفرت تجربتهما التي أُجريت عام 1879 عن اكتشاف مسحوق "السكرين"، الذي كان بمنزلة القاطرة التي أدت إلى ظهور منتجات المحليات الصناعية مثل "الأسبرتام" و"السكرالوز" وغيرهما، لتنتشر بعد ذلك على نطاق واسع وتُستخدم في العديد من الصناعات الغذائية والدوائية أيضًا.

يدخل السكر كمكوِّن في العديد من الأغذية التي نتناولها، لكن تناوُله بكثرة يؤدي إلى العديد من المشكلات الصحية، مثل زيادة الوزن، واضطرابات القلب والأوعية الدموية، وتسوُّس الأسنان، ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى التوصية بالحد من استهلاك "السكريات الحرة" –السكر العادي- إلى أقل من 10٪ من مدخول الطاقة اليومي، لذا شاع استخدام المحليات الصناعية باعتبارها بديلًا جذابًا للسكر؛ لعدم احتوائها على سعرات حرارية (تقريبًا)؛ إذ يحتوي الأسبرتام، على سبيل المثال، على 4 سعرات حرارية/ جم فقط.

وتُشتق المحليات الصناعية من مواد طبيعية مثل الأعشاب أو من السكر نفسه، ويشيع استخدامها في الأطعمة المصنعة مثل المشروبات الغازية، والمخبوزات، والحلوى، والأطعمة المعلبة، والمربى، ومنتجات الألبان.

ومع زيادة الوعي بخطورة السمنة وما تتسبب فيه من مضاعفات، خاصةً مع نظام الحياة المرتبط بقلة الحركة وتراجُع حرق السعرات الحرارية، زاد استخدام المُحليات الصناعية بين المستهلكين الذين يرغبون في الحصول على خيارات صحية أفضل.

وبالتزامُن مع زيادة هذا الطلب، روجت شركات الأغذية والمشروبات لفوائد هذه المحليات، قائلين إنها "تساعد في فقدان الوزن، والمحافظة على صحة الأسنان، والسيطرة على مستوى الجلوكوز في الدم، خاصةً لدى مرضى السكري".

أضرار صحية محتملة

ومع التوسُّع في استخدام المحليات الصناعية، ثارت حالةٌ من الجدل حول أضرارها الصحية المحتملة، فمن جهة، يذهب منتقدو استخدام المحليات الصناعية إلى أنها تسبب العديد من المشكلات الصحية، يأتي في مقدمتها السرطان، ويُرجعون ذلك بدرجة كبيرة إلى دراسات أُجريت في سبعينيات القرن الماضي، ربطت بين التحلية الاصطناعية بمادة السكرين ومرض سرطان المثانة في فئران الاختبار، وبناءً على نتائج تلك الدراسات، وُضع على عبوات السكرين ملصق يحذر من أنه قد يكون خطرًا على الصحة.

وفيما بعد ذهب المعهد القومي للسرطان بأمريكا إلى أن تناوُل المحليات الصناعية بكميات محدودة "آمن بوجه عام، حتى بالنسبة للمرأة الحامل"، ونتيجةً لذلك أُزيلَ الملصق التحذيري من على عبوات السكرين، في حين تعمل العديد من السلطات الصحية حاليًّا على إعادة تقييم المحليات الصناعية، ومن ضمنها الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية.

وفي السياق، حذرت دراسة حديثة نشرتها دورية "بلوس ميديسن" PLOS Medicine، وأجراها فريقٌ بحثيٌّ فرنسي، من أن "المحليات الصناعية قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان"، مشيرةً إلى أنها "توجد في حوالي 1400 منتج غذائي في السوق الفرنسية، وأكثر من 6000 منتج في جميع أنحاء العالم".

الإصابة بالسرطان

استهدف الباحثون دراسة العلاقة بين تناوُل المحليات الصناعية (خاصةً الأسبرتام، وأسيسولفام- كيه، والسكرالوز) وخطر الإصابة بالسرطان في مجموعة من سكان فرنسا.

شملت الدراسة 102 ألف و864 شخصًا بالغًا في فرنسا (78.5% من النساء، متوسط أعمار المشاركين تتراوح من 14.5 إلى 42.2 عامًا، و36.9% منهم يتناولون المحليات الصناعية)، وتمت متابعة المشاركين قرابة 8 أعوام، في الفترة بين عامي 2009 و2022، وكان "الأسبرتام" المصدر الرئيسي للمدخول الغذائي لدى مستخدمي المحليات الصناعية في الدراسة بنسبة 58%، يليه "أسيسولفام- كيه" (29٪) و"السكرالوز" (10٪)، وتم استهلاك هذه المحليات الثلاثة على التوالي بنسبة 28٪ و34٪ و14٪ من مجتمع الدراسة.

واعتمد الباحثون على النتائج المتاحة عبر دراسة "نوتري نت – سانتي"، وهي دراسة أُطلقت عام 2009 عبر الإنترنت لتقديم أكبر قدر ممكن من البيانات عالية الجودة للتحقيق في وجود ارتباط بين التغذية والصحة، ويَجمع القائمون على تلك الدراسة بانتظام بياناتٍ من 171 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 18عامًا وما فوق، ما يجعلها أكبر دراسة تغذية مستمرة في العالم، ويعمل فريق الدراسة الآن في فرنسا وبلجيكا، ويأمل تنفيذ مشروعات مماثلة بكندا والمكسيك والبرازيل.

رصد الباحثون في الدراسة الحديثة استهلاك المشاركين للمحليات الصناعية من خلال متابعة سجلاتهم الغذائية على مدار 24 ساعة، وتحديد المنتجات الصناعية التي استهلكوها، تم تقييم الارتباط بين المحليات ونسبة الإصابة بالسرطان من خلال "نموذج المخاطر النسبية لكوكس"، وهو نموذج إحصائي يتميز بقدرته على تمثيل العلاقة بين خطر الوفاة ومعدل البقاء على قيد الحياة، مع تعديل مؤشرات مثل العمر، وضغط الدم، والجنس، والتعليم، والنشاط البدني، والتدخين، ومؤشر كتلة الجسم، والطول وزيادة الوزن، والإصابة بالسكري والتاريخ العائلي للسرطان، وفق الدراسة.

خطر متزايد

أظهرت النتائج إصابة 3358 شخصًا بأنواع مختلفة من السرطان؛ إذ لوحظت مخاطر أعلى فيما يتعلق بسرطان الثدي؛ فقد تبين وجود 979 حالة إصابة، وكذلك الحال مع معدلات الإصابة بسرطانات الأورام المرتبطة بالسمنة (والتي تضم كل أنواع السرطان التي تشارك السمنة في حدوثها مثل أورام القولون والكبد والفم والبلعوم والمريء والمبيض)؛ إذ تبيَّن وجود 2023 حالة إصابة.

وأوضحت النتائج أن استهلاك المُحليات الصناعية ارتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان بنسبة 13% مقارنةً بمَن لا يستخدمونها (بلغ معدل الخطر 1.13)، وتوجهت أصابع الاتهام بشكل خاص إلى مركبي "الأسبرتام" و"الأسيسولفام- كيه" اللذَين ارتبطا بشكل خاص باحتمالات أعلى للإصابة بالمرض؛ إذ ارتبط تناول "الأسبرتام" بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي والأورام المرتبطة بالسمنة.

تقول شارلوت ديبراس، باحثة الدكتوراة في علم الأوبئة بالمعهد الفرنسي للبحوث الصحية والطبية بجامعة السوربون، والباحث الأول في الدراسة: "نُجري منذ عام 2009 دراسة وبائية مستمرة على أكثر من 100 ألف فرنسي بالغ، من أجل فهم علاقة الغذاء بالعديد من الأمراض، ويشارك الأفراد في هذه الدراسة مشاركةً طوعية؛ إذ يقدمون معلومات عن تاريخهم المرضي، وعن طبيعة غذائهم ونمط حياتهم والمعلومات الصحية الخاصة بهم".

تضيف "ديبراس" في تصريحات لـ"للعلم": ندرس دور الإضافات الغذائية المختلفة في الإصابة بالعديد من الأمراض، والآليات التي تتسبب بها في هذه الأمراض كحدوث الالتهابات وتغيُّر المحتوى البكتيري للأمعاء وغيرها من الآليات المختلفة، وفي هذه الدراسة ركزنا على المعلومات الخاصة بتناوُل المحليات الصناعية من السجلات الخاصة بالتغذية للمشاركين.

من جهتها، تقول ماتيلد توفير -مديرة الأبحاث بالمعهد الفرنسي للبحوث الصحية والطبية، والمشرف على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": في الخطوة التالية درسنا العلاقة بين تناوُل هذه المحليات والإصابة بالسرطان، توضح النتائج التي توصلنا إليها أن تناولها يرتبط بالفعل بزيادة خطر الإصابة بالسرطان، وهي النتائج التي تدعم نتائج دراسات تجريبية سابقة كانت قد أُجريت على الحيوانات.

دراسات طويلة المدى

وترى إيمان أنور -الأستاذ المساعد بقسم الصحة العامة في كلية الطب بجامعة الإسكندرية- أن "الدراسات الوبائية الموسعة التي تجري فيها متابعة المشاركين لمدد طويلة من أفضل أنواع الدراسات من أجل معرفة العلاقات بين عوامل البيئة والأمراض المختلفة ومتابعتها".

تقول "أنور" في تصريحات لـ"للعلم": تمثل هذه الدراسة نموذجًا لهذا النوع من الأبحاث؛ إذ تمت متابعة المشاركين لفترات طويلة، وبالتالي يمكن القول إنها تمثل دليلًا لا يستهان به على هذه العلاقة بشكل عام، وبعض أنواع السرطان بشكل خاص، لكن لا يمكن الاعتماد عليها وحدها، بل يجب إجراء دراسات مماثلة في دول أخرى (خاصة الدول النامية) من أجل فهم هذا الخطر المحتمل في ظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة.

ويعلق محمد العرابي -مدرس طب الأورام بكلية الطب بجامعة عين شمس- بأن التساؤلات حول دور المحليات الصناعية في حدوث السرطان ليست جديدة، والشائعات الدائرة حولها أيضًا ليست جديدة".

يقول "العرابي" في تصريحات لـ"للعلم": هذه المخاوف ترجع إلى بعض الدراسات التي أُجريت على الحيوانات وأظهرت ارتباطها ببعض أنواع أورام الدم، لكن الأبحاث التالية لم تنجح في إثبات هذه العلاقة بشكل واضح، والمؤسسات الكبرى العاملة في مجال سلامة الأغذية مثل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية تشير إلى أن المحليات الصناعية، وعلى رأسها الأسبرتام، ما زالت آمنة.

يضيف العرابي: بالرغم من قيمة هذه الدراسة، لا أعتقد أنها ستكون سببًا في تغيير السياسات المعروفة لاستخدام المحليات في الصناعات الغذائية، وأعتقد أننا بحاجة إلى دراسات أخرى موسعة وطويلة المدى تدعم عامل السببية، حتى نقول إن هذه المادة أو تلك تتسبب في حدوث السرطان.

تحفظات مقبولة

تتفق "توفير" مع تلك التحفظات قائلة: نتائجنا لا يمكن أن تدعم علاقةً سببيةً بين المحليات الصناعية والسرطان، ونتمنى إجراء دراسات مماثلة على نطاق واسع من أجل فهم آليات هذه العلاقة.

ويمكن القول إن نتائج الدراسات التي تشير إلى علاقة المحليات الصناعية بالسرطان غير متسقة؛ إذ أوضحت دراسة سابقة ظهور أدلة جديدة على علاقة السببية بين تناوُل الأسبرتام (المتهم الأكبر بين المحليات الصناعية) وخطر الإصابة بالسرطان في الفئران، وأثبت الباحثون أن التغيرات التي حدثت في أنسجة الدم والخلايا الليمفاوية في الفئران التي تعرضت للأسبرتام كانت تغيرات سرطانية في أكثر من 90% من الحالات، وهو ما يثبت أن الأسبرتام مادة مسرطنة، وفق الباحثين.

وفي المقابل قدمت دراسة أُجريت على أكثر من 100 ألف أمريكي بالغ نتائج مناقضة للبحث السابق، قدم المشاركون معلومات عن طبيعة الغذاء الذي يتناولونه ونمط الحياة الذي يتبعونه، وأُصيب منهم قرابة 1200 شخص بالليمفوما (أحد انواع سرطانات الدم والجهاز الليمفاوي)، وأظهرت متابعة الأصحاء والمرضى خلال 10 سنوات أن تناوُل كميات متوسطة من المحليات الصناعية، وعلى رأسها "الأسبرتام"، لم يرتبط بزيادة خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان.

ونتيجةً لهذه النتائج المتناقضة، أوصت المجموعة الاستشارية الخاصة بالوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية بوضع "الأسبرتام" على قائمة المواد ذات الأولوية العالية لدراسة احتمالات تسبُّبها في إصابة البشر بالسرطان.

الحذر واجب

تعلق "ديبراس": بالرغم من أن نتائجنا تحتاج إلى دعم من دراسات أخرى، إلا أنها تشير بوضوح إلى أن المحليات الصناعية لا يجب استخدامها كبديل آمن للسكر كما كان يُعتقد، نعتقد أن هذه النتائج يجب أن تثير اهتمام الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية والهيئات الصحية الأخرى على مستوى العالم، يجب مراجعة قرارات استخدام هذه المحليات في صناعة الأغذية وإعادة تقييمها.

وتعقب "توفير": إذا تأكدت هذه النتائج وجرى اعتمادها من قِبل الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، فإنها ستؤثر بالتأكيد على استخدام المُحليات في الصناعة، وقد يتم إجبار الشركات العاملة في صناعة الأغذية والمشروبات على الحد من استخدامها بشكل كبير من أجل منع حدوث السرطان كنتيجة لهذا الاستخدام غير المقنن.