يتسلح المشككون في التغيُّر المناخي بذخيرة من الحُجج لتسويغ عدم حاجة البشر إلى تقليل انبعاثاتهم من الكربون. ويؤكد بعضهم أن مستويات ثاني أكسيد الكربون المُرتفعة تفيد النباتات، لذا فالاحترار العالمي ليس بدرجة السوء التي يدعيها العلماء. كتب لامار سميث -الجمهوري وعضو مجلس النواب الأمريكي عن ولاية تكساس- في مقال افتتاحي العام الماضي قائلًا: "من شأن زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجو أن تساعد في عمليات التمثيل الضوئي، التي تُسهِم بدورها في زيادة نمو النباتات". وأضاف: "يعني ذلك زيادة كمية الغذاء المُنتَج وارتفاع جودة الطعام". كما يزعم أن العلماء وأولئك الداعين للحد من الانبعاثات يسيطر عليهم خوف هستيري.

لكن هل سيساعد ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون حقًّا النباتات، بما فيها المحاصيل الغذائية؟ طلبت مجلة ساينتفك أمريكان من عدة خبراء الإدلاء بدلوهم عن الجانب العلمي لهذا التساؤل المطروح.

وفق الخبراء، هناك شيء من الحقيقة في هذه الحُجة، بناءً على ما يسميه العلماء "التأثير التخصيبي لثاني أكسيد الكربون". يقول ريتشارد نوربي، وهو زميل أبحاث في قطاع العلوم البيئية ومعهد علم التغيُّر المناخي بمختبر أوك ريدج الوطني: "إن ثاني أكسيد الكربون أساسي وضروري في عملية التمثيل الضوئي". ويضيف: "إذا عزلت ورقة نبات [في مختبر] ورفعت مستوى ثاني أكسيد الكربون حولها، سيزيد معدل التمثيل الضوئي لديها. هذه حقيقة علمية مُتفق عليها". لكنه يشير إلى أن النتائج التي يحصل عليها العلماء داخل المختبرات تختلف بشكل عام عما يحدث خارجها في العالم الأكثر تعقيدًا، حيث تتدخل العديد من العوامل الأخرى في نمو النباتات في الغابات والحقول وغيرها من الأنظمة البيئية التي لا يرعاها أحد. على سبيل المثال، "عادةً ما يكون النيتروجين المُتاح قليلًا جدًّا، حتى إنه يصبح المُتحكم الأساسي في كمية الكتلة الحيوية المُنتجة" في أحد الأنظمة البيئية، كما يقول. "إذا كانت كمية النيتروجين محدودة، فإن الفائدة من زيادة ثاني أكسيد الكربون ستكون محدودة أيضًا.... لا يُعقل أن تنظر إلى ثاني أكسيد الكربون بمعزل عن أي شيء آخر، فالمشهد الكلّي مهم حقًّا".

وقد عمد العلماء إلى رصد التأثير التخصيبي لثاني أكسيد الكربون في الأنظمة البيئية الطبيعية، وشمل ذلك سلسلةً من التجارب أُجريت في مساحات مفتوحة من الغابات على مدار العقود القليلة الماضية. في هذه التجارب، أدت الزيادة المتعمدة لنسبة ثاني أكسيد الكربون لتصل إلى ضِعف ما كانت عليه في عصر ما قبل الصناعة إلى زيادة إنتاجية الأشجار بنسبة حوالي 23%، كما يقول نوربي الذي شارك في التجارب. لكن في واحدة منها، اضمحل هذا الأثر بشكل ملحوظ بمرور الزمن بسبب نقص في النيتروجين. ويقول نوربي إن هذا يوضح أنه "لا يُمكننا افتراض أن التأثير التخصيبي لثاني أكسيد الكربون سيستمر إلى الأبد".

وبالإضافة إلى تجاهُل الأثر طويل المدى، كما يقول نوربي، يُغفل كثير من المشككين أيضًا ذكر النتيجة المُحتمل أن تكون الأكثر ضررًا لارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الجو على النباتات، وهي تغيُّر المناخ نفسه. فالآثار السلبية لتغير المناخ، مثل الجفاف والإجهاد الحراري، على الأرجح ستطغى على أي فوائد مباشرة قد يقدمها ارتفاع مستوى ثاني أكسيد الكربون للنبات. يقول نوربي: "من غير المناسب أن ندرس التأثير التخصيبي لثاني أكسيد الكربون بشكل منفرد.. يُمكنك أن تجد أمورًا إيجابية وأخرى سلبية في الوقت نفسه، لكن ما يهم هو صافي الإفادة". لذا رغم أن حُجة المشككين تحمل بعض الحقيقة، كما يقول، "ما يشوب هذه الحُجة هو عدم كمال الصورة فيها".

كما بحث العلماء أيضًا في تأثيرات ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون على النباتات الزراعية تحديدًا، ووجدوا تأثيرًا تخصيبيًّا. تقول فرانسيس مور، وهي أستاذ مساعد في العلوم البيئية وسياساتها بجامعة كاليفورنيا في دافيس: "في كثير من المحاصيل، [وجود كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون] يُشبه وجود مادة إضافية في الجو يُمكن للمحاصيل استخدامها في النمو". لكن تشير مور وخبراء آخرون إلى أن هناك استثناءً لبعض أنواع النباتات، مثل الذرة التي تحصل على ثاني أكسيد الكربون اللازم لعملية التمثيل الضوئي بطريقة فريدة. لكن بالنسبة لأغلب المحاصيل الأخرى التي يتناولها البشر، وتتضمن القمح والأرز وفول الصويا، "فإن وجود مستويات أعلى من ثاني أكسيد الكربون سوف يساعدها بشكل مباشر"، كما تقول مور. وتضيف أن زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون إلى ضِعف ما كانت عليه في فترة ما قبل الصناعة تزيد بالفعل إنتاجية محاصيل مثل القمح بحوالي 11.5%، وما يقرب من 8.4% لمحاصيل مثل الذرة.

ولا تؤثر قلة النيتروجين أو العناصر الغذائية الأخرى على النباتات الزراعية بالقدر الذي تؤثر به على النباتات البرية، وذلك بفضل السماد. ومع ذلك تُظهر الأبحاث أن النباتات "تحصد بعض الفوائد من مستويات ثاني أكسيد الكربون الأعلى في مراحل مبكرة، لكنها تبدأ في التشبُّع بهذه [الفائدة]" بعد أن يصل مستواه إلى نقطة معينة، كما تقول مور. وتضيف: "كلما زادت نسبة ثاني أكسيد الكربون لديك قلّت الفوائد التي تحصل عليها". ومع أن مستويات ثاني أكسيد الكربون المرتفعة تبدو مُفيدةً في الزراعة، تؤكد مور أنه لا يُمكن النظر إلى أي أثر إيجابي مُحتمَل بمعزل عن أي شيء آخر، وعلى الأغلب ستطغى عليه آثار سلبية كثيرة. وتقول: "حتى مع وجود الفائدة التخصيبية لثاني أكسيد الكربون، عندما يبدأ الاحترار في الارتفاع درجةً أو درجتين ستبدأ في رؤية آثار سلبية.. هناك أساليب كثيرة مختلفة يُمكن أن تؤثر بها درجة الحرارة على إنتاجية المحصول بشكل سلبي، ومنها انخفاض رطوبة التربة [أو] إتلاف الحرارة للنباتات بشكل مباشر وتعطيل عملية التكاثر". وعلى رأس كل ذلك، توضح مور أن زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون تفيد أيضًا الحشائش الضارة التي تتنافس مع نباتات المزارع.

كما يمكن لتأثير ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون على المحاصيل أن يضر بصحة البشر. يقول صامويل مايرز -وهو باحث علمي أول، متخصص في الصحة البيئية بجامعة هارفارد-: "نحن نعلم بشكل قاطع أنك عندما تزرع النباتات الغذائية في ظل وجود مستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون في الحقول، تقل قيمته الغذائية". ويُكمل قائلًا: "تفقد [المحاصيل الغذائية] كميات كبيرة من الحديد والزنك، كما تفقد الحبوب [أيضًا] البروتين". وجد مايرز وباحثون آخرون أن المستويات المتوقع الوصول إليها في منتصف القرن لثاني أكسيد الكربون في الجو، وتبلغ نحو 550 جزءًا في المليون، بإمكانها أن تجعل المحاصيل الغذائية تفقد كميةً من تلك المُغذيات الرئيسية تكفي لأن تسبِّب نقصًا في البروتين لدى ما يُقدر بـ150 مليون شخص، ونقصًا في الزنك عند 150 مليون إلى 200 مليون شخص آخر. (العددان المذكوران سيضافان إلى عدد الأشخاص الذين يعانون بالفعل من نقصٍ كهذا.) كما أنه –إجمالًا- من شأن 1.4 مليار امرأة في سن الحمل وأطفال صغار يعيشون في بلدان يشيع فيها فقر الدم بدرجة كبيرة، أن يفقدوا أكثر من 3.8% من الحديد الذي يتناولونه عن طريق الغذاء في ظل هذه المستويات من ثاني أكسيد الكربون، وفق ما يرى مايرز.

ولا يعلم الباحثون حتى الآن لماذا تؤدي المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون في الجو إلى تغيير المحتوى الغذائي للمحاصيل. لكن يقول مايرز: "خلاصة القول أننا نعلم أن المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون تقلل تركيز العناصر الغذائية المهمة حول العالم"، مضيفًا أن أشكال النقص الغذائي هذه تشكّل بالفعل أخطارًا جسيمة على الصحة العامة، وسيزداد الأمر سوءًا مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون. "تكمن المشكلة في حُجة [المشككين] في أن الأمر يبدو وكأنه بإمكانك انتقاء التأثير التخصيبي لثاني أكسيد الكربون من وسط التأثير العام لإضافة ثاني أكسيد الكربون في الجو"، كما يقول مايرز. لكن هذه ليست الطريقة التي يسير بها العالم، ولا مناخه.