في ستينيات القرن الماضي، احتلت شاشات التلفاز سلسلة لا تنتهي من الإعلانات المروجة لـ"الأسبرين"؛ أحدها كان يحكي قصة معلمة لا تتوقف عن توجيه إرشاداتها لطلابها طوال اليوم، وما بين أصوات الطلاب التي لا تنقطع ورنين الأجراس الموحية بصعوبة الحياة، يخرج صوت المعلق قائلًا: "في هذه الحالة لا غنى عن تناول قرصين من الأسبرين للتخلص من آلام الصداع"، بينما تعلو وجهَ المعلمة ابتسامةٌ عريضة، وكأن شيئًا لم يكن بمجرد تناولها أقراص الأسبرين.
ومع دخول الشاشة الصغيرة لعالم الألوان، بدأت سلسلة جديدة من الإعلانات القصصية المروجة لـ"الأسبرين" مدعومة بجمال المناظر الطبيعية، كان أشهرها إعلان تظهر فيه سيدة تتحدث عن معاناة زوجها السابقة من آلام الصداع في أثناء قيادتها "جرارًا زراعيًّا" بأحد الحقول، مشيرةً إلى أن معاناته انتهت للأبد مع تناوله لأقراص الأسبرين بصورة منتظمة، ثم يظهر الزوج وهو يقذف بأكوام من المحاصيل قائلًا: "إن تعاطي الأسبرين بصورة منتظمة يمنع 1 من بين كل 3 حالات للإصابة بالأزمات القلبية"، باعتباره "من أشهر وسائل تجنُّب تكوُّن الجلطات المسببة للنوبات القلبية"، على حد وصف الإعلان.
أما صفحات الجرائد، فامتلأت هي الأخرى بإعلانات تتحدث عن قوة "الأسبرين"، وكيف أنه "ساحر.. عجيب.. مدهش"، و"يعمل ضد ارتفاع درجة الحرارة والرشح وأوجاع الرأس"، كما أنه "يجعل المرء يعيش دون ألم"، و"يضمن الجودة وسرعة المفعول"، و"يشفي من أمراض البرد ويزيل الآلام".. تلك الإعلانات وغيرها منحت "الأسبرين" شهرةً واسعة، حتى بات أشهر الأدوية التي تتردد أسماؤها على ألسنة العامة.
تحذيرات وجدل
لكن دراسة حديثة نشرتها دورية "ذا نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن" (The New England Journal of Medicine)، أثارت كثيرًا من الجدل حول فوائد الأسبرين فيما يتعلق بقدرته على منع مشكلات القلب والأوعية الدموية لدى كبار السن.
أظهرت نتائج الدراسة أنه من غير المحتمل أن يستفيد الملايين من الأصحاء الذين يأخذون الأسبرين لدرء المرض في سن الشيخوخة، وفق ما توصلت إليه تجارب طبية بهذا الشأن. إذ وجد الباحثون أن الدواء لم يمد من أعمار الأصحاء ممن هم فوق سن السبعين.
في حين أن الجرعة اليومية من الأدوية المسيلة للدم blood-thinning يمكنها أن تحمي كبار السن الذين عانوا من قبل من النوبات القلبية والسكتات الدماغية والذبحات الصدرية. 
اختبر باحثو الدراسة تأثير الأسبرين على أكثر من 19,000 من السكان المحليين في كلٍّ من أستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، من فئة كبار السن الأصحاء فوق سن السبعين، وذلك في الفترة ما بين 2010 وحتى 2014، فضلًا عن آخرين من ذوي الأصول اللاتينية وأصحاب البشرة السوداء في الولايات المتحدة ممن بلغت أعمارهم 65 عامًا أو أكثر، وجميعهم لم يعانوا من قبل من الخَرَف أو الإعاقة.
جرى تقسيم عينة البحث إلى مجموعتين، الأولى ضمت 9525 شخصًا تناولوا "الأسبرين"؛ والثانية ضمت 9589 شخصًا مثلوا المجموعة الضابطة وتناولوا "دواءً وهميًّا" (placebo).
أظهرت النتائج أن تناول الأسبرين (بجرعة بلغت 100 جرام يوميًّا) لم يؤدِّ إلى منع حدوث أمراض في القلب والأوعية للأشخاص الذين لم يصابوا بها من قبل، مقارنة بالمجموعة الضابطة.
السرطان متهمًا
وتشير إلى ارتفاع معدل الوفيات في المجموعة التي تناولت "الأسبرين" مقارنة بالمجموعة الضابطة. إذ أوضحت الدراسة أنه "من بين 1052 شخصًا ماتوا خلال مدة الدراسة، كان معدل الوفيات بالنسبة للمجموعة التي تناولت الأسبرين 12.7 من كل 1000 شخص، فيما بلغ 11.1 بين كل 1000 شخص بالنسبة للمجموعة التي تناولت دواءً وهميًّا، وكان السرطان المساهم الرئيسي وراء ارتفاع معدل الوفيات في المجموعة التي تناولت الأسبرين. ويرجح أن يكون السرطان هو المسؤول عن فارق الـ1.6 في معدل الوفيات بين المجموعتين؛ إذ حدثت الوفاة المرتبطة بالسرطان في 3.1٪ من المشاركين في المجموعة التي تناولت الأسبرين، وذلك مقابل 2.3% بالنسبة لمَن تناولوا دواءً وهميًّا.
يقول "راج سي شاه" –الأستاذ المشارك بقسم طب الأسرة بمركز جامعة "راش" الطبي في الولايات المتحدة، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": كان هدفنا الرئيسي معرفة ما إذا كان تناول جرعة صغيرة من الأسبرين يساعد كبار السن من الأصحاء -الذين لم يعانوا من مشكلات سابقة في القلب- على البقاء على قيد الحياة من دون حدوث إعاقة جسدية أو خرف".
 ويوضح: وجدنا أن تناوُل جرعات صغيرة منه بصورة يومية لم يكن له أي فوائد ملموسة في الوقاية من أمراض القلب أو السكتة الدماغية. 
ويستطرد: وفي المقابل أدى هذا الاستخدام إلى زيادة احتمالات تعرُّض هؤلاء الأشخاص للإصابة بالنزيف، باعتباره أحد الأعراض الجانبية المعروفة للأسبرين.
ويضيف قائلًا: لم نجد فارقًا إحصائيًّا بين المجموعتين بخصوص قياس تأثير الأسبرين على منع حدوث الإعاقة والخرف، لكن معدل الوفيات الإجمالي كان أعلى بقليل في المجموعة التي تناولت الأسبرين، إلا أنه يشدد على أن النتيجة تحديدًا لا تمثل فارقًا واضحًا، وسببها غير واضح، وقد تحتاج إلى دراسات أخرى لتحليلها وتفسيرها.
تاريخ قديم
تعود قصة الأسبرين إلى عصور قدماء المصريين واليونانيين؛ إذ كان المركب الطبيعي الذي يشتق منه الدواء يوجد في ورق الصفصاف، الذي كان يستخدمه قدماء المصريين واليونانيون لتخفيف الألم، وكمضادات للالتهاب.
ويرجع التأثير العلاجي لـ"الأسبرين" إلى وجود مادة الـ"الساليسين" Salicin بوفرة في لحاء نبات الصفصاف، وهي مادة مسكنة تعمل على تخفيف آلام بعض أنواع الصداع والرشح والحمى؛ لاحتوائها على "الحمض الصفصافي" أو "حمض ساليسيليك" (حمض عديم اللون يمكن تصنيعه في المختبر).
يعمل الأسبرين على تخفيف إنتاج الجسم لـ"مادة البروستاجلاندين" وهي مادة مهمة لحماية المعدة، ينتجها الجسم لمنع فقدان كثير من الدم عند التعرض للجروح أو الإصابات، لكنها تتسبب في استثارة الألم أو حدوث التهابات أو حمى أو تجلطات دموية، ويعمل الأسبرين على تخفيف آثار تلك المادة.
أما رحلة تصنيع دواء "الأسبرين" فامتدت من عام 1853 وحتى عام 1899؛ إذ تمكنت شركة "باير" الألمانية من تصنيعه كدواء، مطلقةً عليه اسمه الشهير "أسبرين"؛ إذ يرمز الحرف (A) لمشتق (Acetyl)، في حين يرمز مشتق (spirin) للكلمة الألمانية (spirsaure)، وهي مادة موجودة في زيت نبات "حلوى المروج"، كما كان لـ"الأسبرين" نصيبٌ من موسوعة جينيس للأرقام القياسية؛ إذ دخل عالمها في عام 1950 باعتباره أكثر المسكنات استخدامًا في العالم.
ويُعرف الأسبرين علميًّا باسم "حمض أسيتيل ساليسيليك" (acetylsalicylic acid)، وينتمي إلى عائلة مضادات الالتهابات غير الستيرويدية، وهذه المجموعة تعمل من خلال تثبيط إنزيم "سيكلو أوكسيجينيز" المسؤول عن إنتاج مادة "البروستاجلاندين".
 وبالرغم من أن الأسبرين يُستخدم أساسًا كمسكن للآلام وخافض للحرارة، فإن دواعي استعماله الطبية لا تقتصر على هذه الاستخدامات؛ إذ يتم الترويج لكون جرعة صغيرة منه تستطيع منع تجلط الدم وتقليل حدوث الجلطات المخية والقلبية، بالإضافة إلى ما ذهبت إليه توصيات علمية من أن تناوُل جرعات منخفضة منه يقلل -إلى حدٍّ كبير- من مخاطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية بالنسبة للأشخاص الذين هم في منتصف العمر. وكذلك قدرته على الحد من معدل الإصابة بأنواع معينة من السرطان للأشخاص الأكبر سنًّا.
نتائج صادمة
وتعليقًا على الدراسة، يقول "عبد الله يوسف" -مدرس طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني- لـ"للعلم": "إن الإرشادات الطبية أو المبادئ التوجيهية التي نتبعها حاليًّا تُجمِع على أن استخدام الأسبرين يساعد على منع مشكلات القلب والأوعية الدموية بالنسبة للمرضى الذين عانوا من مشكلات سابقة فيهما، وهو ما يسمى بالمنع الثانوي للمرض".
ويوضح أنه فيما يتعلق بالأشخاص الذين لم يصابوا بهذه الأمراض من قبل، أو ما يسمى بـ"المنع الأولي"، فإن معظم المبادئ التوجيهية الصادرة من الولايات المتحدة ومن بريطانيا تشير إلى فائدة الأسبرين في منع هذه الأمراض لدى الأشخاص في المرحلة العمرية من 45 إلى 80 عامًا.
ويستطرد بقوله: "خاصة إذا كان الشخص يعاني من أمراض أخرى مثل السكري أو ضغط الدم أو السمنة، كما أن هناك توصيات بتناول جرعة مخفضة من الأسبرين (81 مليجرامًا يوميًّا) في حالة ارتفاع احتمالات الإصابة بـ"ما قبل تسمم الحمل"، وأن يستمر تناوله منذ الأسبوع الـ12 للحمل وحتى الأسبوع الـ28، بل ويُنصح باستمرار تناوله في بعض الحالات حتى نهاية الحمل".
يؤكد "يوسف" أن "نتائج الدراسة تعتبر صادمة للمجتمع الطبي طبقًا للمعلومات والقواعد المتبعة الحالية". 
ويضيف: "هناك بعض النقاط التي يمكننا التحفظ عليها، كسن المجموعة المختارة للدراسة (65 عامًا فما فوق بالنسبة لذوي البشرة السوداء والأصول اللاتينية، و70 عامًا فما فوق لباقي أفراد العينة)؛ إذ ترتفع نسبة الإصابة بالأمراض والوفيات في هذه السن سواء تم تناول الأسبرين أو لا، مشددًا على أن التحفظ الثاني هو أن عوامل الخطورة للإصابة بالأمراض ليست واضحةً في عينة الدراسة؛ إذ إن المجموعة المختارة تبدو بصحة جيدة وفقًا للمنشور، لكن كان يجب إضافة المزيد من البيانات والمعلومات لتوضيح هذه الحالة الصحية بشكل أكثر تفصيلا.
مزيد من الدراسات
يعترف "شاه" بصحة ما ذهب إليه "يوسف"، لكنه يضيف، في الوقت ذاته، أنه "يجب على الأطباء تقييم عوامل الخطورة في كل شخص وتاريخه المرضي قبل أن يقرروا ما إذا كان بوسع هذا الشخص تناول الأسبرين من عدمه، ويجب أن يأخذ الأطباء بعين الاعتبار نتائج هذه الأبحاث، وتحديدًا فيما يتعلق بجرعات الأسبرين التي يمكن للأصحاء وكبار السن (من فوق السبعين عامًا) تناولها، خاصة أننا خلصنا في تجربتنا إلى أنه لا دليل على فائدة حقيقية للأسبرين مع هذ الفئة".
ولكنه يعود ويشدد على أن نتائج هذه التجربة سيتم تقييمها مع تجارب أخرى غيرها؛ لتقييم استخدام الأسبرين والوصول إلى توصيات بهذا الخصوص.
يرى "يوسف" أن نتائج الدراسة لن تؤثر على المبادئ التوجيهية الحالية، مضيفًا: "قد نحتاج إلى مزيد من الدراسات حتى يتم تعديل تلك المبادئ، ويمكن من خلال نتائج هذه الدراسات عمل ما يسمي بدراسات التحليل التجميعي، التي تتضمن تطبيق الطرق الإحصائية على نتائج عدة دراسات، قد تكون متوافقة أو متضادة؛ لإيجاد علاقة مشتركة فيما بينها للوصول إلى أفضل نتائج ممكنة".