يعاني نحو 19.3% من الأطفال والمراهقين في الولايات المتحدة الأمريكية من السمنة، ما يجعلهم أكثر تعرضًا للاصابة بأزمات الربو والنوع الثاني من مرض السكري واضطرابات العظام، وفق دراسة نشرتها دوية "ذا أمريكان جورنال أوف كلينيكال نيوتريشن" (AJCN).

وتشير الدراسة، التي حملت عنوان "ارتباط النظام الغذائي للأم في أثناء الحمل بالاختلافات في مسارات مؤشر كتلة جسم الطفل من الولادة إلى المراهقة"، إلى أن الأطفال البدناء يكونون أكثر قابليةً للسمنة في الكبر، وعندها يصبحون أكثر تعرضًا للإصابة بأمراض الشريان التاجي، وارتفاع ضغط الدم، والسكتة الدماغية، وأمراض الكلى المزمنة، وأمراض الكبد، وكثير من أنواع السرطان، والاكتئاب والاضطرابات العقلية.

وتضيف أن زيادة الوزن المتسارعة في مرحلة الطفولة المبكرة ترتبط بالسمنة في مرحلة لاحقة من الطفولة وفي أثناء المراهقة، مشددةً على أن تحديد محددات مسارات الوزن المتسارعة عند الأطفال قد يمهد الطريق لتطوير إستراتيجيات للحد من السمنة، وكذلك الظروف المرتبطة بها في مرحلتي الطفولة والبلوغ.

ويرجح مؤلفو دراسة أن النظام الغذائي للأم في أثناء فترة الحمل يؤدي دورًا محوريًّا فى تحديد مسار مؤشر كتلة الجسم لوليدها، وأن مشكلات الوزن في مرحلة الطفولة قد تنشأ في أثناء الحمل؛ لأن المسارات التي تبرمج التمثيل الغذائي للطفل ونموه وسلوكياته الغذائية تكون حساسةً لتأثيرات الرحم.

تقول كارمن مونتيه- دريز، أستاذة طب الأطفال في كلية الطب بجامعة هارفارد والباحثة الرئيسية في الدراسة، في البيان المصاحب للدراسة: ركزت الدراسات التي تربط بين تغذية الأم الحامل ونمو الطفل على فترة الرضاعة ومرحلة الطفولة المبكرة ومعلومات محدودة فيما يتعلق بمرحلة الطفولة المتأخرة، ولهذا أردنا فهم تغيرات النمو التي تحدث للطفل، بدايةً من مرحلة الطفولة وحتى المراهقة، كنتيجة لتغذية الأم في أثناء الحمل، وتحديد ما إذا كانت هناك فترات محددة ما بين الولادة والمراهقة تكون فيها معدلات زيادة الوزن أكثر تعرضًا للتأثيرات الناجمة عن التغذية في أثناء الحمل.

حلل الباحثون بيانات 1459 زوجًا من الأمهات والأطفال حصلوا عليها من مشروع "فيفا" (Viva)، وهي دراسة جماعية مستمرة عن صحة الأم والطفل أُجريت في معهد "هارفارد بيلجريم للرعاية الصحية" في ماساتشوستس.

باستخدام هذه البيانات، قام المؤلفون بحساب ثلاثة مؤشرات غذائية، هي مؤشر الالتهاب الغذائى (DII) الذي يُستخدم لتقييم النتائج الصحية الناجمة عن النظام الغذائي بدايةً من إفراز السيتوكينات الالتهابية في الدم وحتى الإصابة بالأمراض المزمنة، وحمية البحر المتوسط​ التي تعتمد على تناوُل الطعام التقليدي للبلدان التي يحدها البحر المتوسط مثل الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقول والمكسرات والبذور وزيت الزيتون، و"مؤشر الأكل الصحي البديل" في أثناء الحمل، الذي يعتمد على مقياس مكون من 90 نقطة ويتضمن المكونات التسعة التالية التي تسهم بحد أقصى 10 نقاط إذا استوفى المشاركون التوصيات بالكامل من خلال تناول الخضراوات والفواكه، ونسبة اللحوم الحمراء إلى الدواجن والأسماك والألياف والدهون المتحولة، ونسبة الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة إلى نسبة الأحماض الأمينية المشبعة وحمض الفوليك والكالسيوم والحديد.

وتم قياس وزن الطفل وطوله بعد الولادة عدة مرات ما بين الولادة والمراهقة، ومن خلال هذه البيانات يتم حساب مؤشر كتلة الجسم، ثم يحدد الباحثون كيفية ارتباط درجات المؤشر الغذائي للأم بمسارات نمو الطفل بناءً على مؤشر كتلة الجسم خلال فترات محددة بدءًا من الولادة وحتى المراهقة.

تقول "مونتيه- دريز" في تصريحات لـ"للعلم": تبيَّن أن النظام الغذائي للحمل الذي يحتوي على إمكانيات عالية للالتهابات كان مرتبطًا بمعدلات نمو أسرع لمؤشر كتلة الجسم لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات وعَشر، واتضح أيضًا أن قلة الالتزام بنظام البحر المتوسط الغذائي في أثناء الحمل كان مرتبطًا بمسارات أعلى لمؤشر كتلة الجسم خلال فترة المراهقة، ومن المثير للاهتمام أن مؤشر الأكل الصحي البديل للأمهات خلال فترة الحمل لم يتنبأ بمسار نمو هؤلاء المواليد.

تضيف "مونتيه- دريز": يجب توعية السيدات الحوامل أو اللاتي يخططن للإنجاب بأهمية اتباع نظام غذائي صحي في أثناء الحمل، وبخاصة نظام البحر المتوسط؛ لفائدته لكلٍّ من الأم والطفل، لأنه غني بالخضراوات والفواكه والبقوليات والمكسرات والأسماك قليلة الزئبق والزيوت عالية الجودة مثل زيت الزيتون البكر الممتاز، وتحتوى هذه الأغذية على مصادر مهمة لفيتامين "د" وأحماض أوميجا 3 الدهنية المتعددة غير المشبعة، والمواد المغذية الأخرى التي ثبت أنها مفيدة لصحة المواليد.

وتتابع: أظهرت الأبحاث أن جميع الأغذية التي تتناولها الأم في أثناء الحمل قد تؤثر على التمثيل الغذائي للجنين وكذلك سلوكياته وتفضيلاته الغذائية، كما أن اختيارات الأم الحامل للطعام تتشابه مع أنواع الطعام التي تقدمها لصغارها، لذا يمكن تصور ارتباط تغذية الأم في أثناء الحمل بمعدلات الوزن على المدى الطويل لدى أبنائها، ويتطلب الأمر مزيدًا من الدراسات لفهم العلاقة بين تغذية الحامل ومؤشر كتلة الجسم لطفلها وأنماط اكتسابه للوزن، كما أن الاحتياجات الغذائية تختلف بين الحوامل، ما يستوجب استشارة مقدمي الرعاية الصحية لاختيار النظام الغذائي المناسب لتعزيز صحتهن وصحة مواليدهن.

وتعترف الباحثة بوجود أوجه قصور في الدراسة، مضيفةً أن "الدراسة أُجريت على شريحة غالبيتها من البيض تنتمي إلى مستوى اجتماعي واقتصادي مرتفع نسبيًّا وتمثل معدلات منخفضة من السمنة، ما يحد من قابلية تعميم نتائجها على الجماعات الأخرى ذات الخصائص المختلفة، ما يستوجب إجراء مزيد من الدراسات على جماعات مختلفة لتأكيد هذه النتائج".