قدمت دراسة حديثة دليلًا جديدًا على وجود علاقة بين مواسم تلوث الهواء على مدار العام، وارتفاع أعداد المصابين بأزمات الربو وغيرها من الأمراض التنفسية، الذين تستدعي حالاتهم احتجازهم في أقسام الطوارئ بالمرافق الصحية، حتى في المناطق النظيفة والمدن التي تتمتع بمعدلات تلوث أقل من الحدود القصوى المسموح بها.

اعتمدت الدراسة، التي نشرتها دورية "بلوس وان" (POLS ONE)، على تقييم ما إذا كانت ملوثات الهواء ترتبط بالاختلافات الموسمية في أعداد حالات الأزمات التنفسية التي تتردد على المستشفيات والمراكز الطبية، من خلال استخدام "استدلال بايزي" لتحديد العلاقة بين تلوث الهواء وزيادة حالات الربو بأقسام الطوارئ.

ويُعد استدلال بايزي -نسبةً إلى عالِم الرياضيات الإنجليزي توماس بايز- أحد أنواع الاستدلالات الإحصائية لتقييم احتمالات فرضيةٍ ما بسبب اكتشاف دليلٍ جديد، ويُستخدم في العديد من القطاعات في مجالات العلوم والهندسة والطب والقانون.

عمل فريق الدراسة على تقييم العلاقة بين 6 معايير لتلوث الهواء، ومتغيرَين للطقس، وزيارات حالات الربو لأقسام الطوارئ التي شملت 66 ألفًا و92 طفلًا ومراهقًا، تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات و19 سنة، في مناطق مختلفة من ولاية كارولينا الجنوبية، خلال الفترة بين عامي 2005 و2014.

وبينما تضم الولايات المتحدة العديد من المناطق التي لديها مستويات تلوث أقل من المعايير المعلنة من قِبل وكالة حماية البيئة، فقد اعتمدت معظم دراسات تقييم الآثار الصحية لتلوث الهواء على ربطها بعناصر الأرصاد الجوية، مثل الدفء أو البرد، أو عناصر فلكية مثل الانقلاب والاعتدال الشمسي، رغم وجود أدلة تشير إلى فترات زمنية تتزايد في حالات الأزمات التنفسية، أو ما يُعرف بـ«مواسم الربو».

وتُعَد نوبات تلوث الهواء وحبوب اللقاح والفيروسات من المتغيرات البيئية الموسمية التي تؤدي إلى تفاقُم أعراض الإصابة بأزمات الربو، وقد تتداخل هذه العوامل، مما يتسبب في زيادة العبء على أقسام الطوارئ بالمستشفيات والمرافق الطبية المختلفة، فبينما ترتفع العدوى الفيروسية عادةً خلال فترات البرودة في فصلَي الخريف والشتاء، تبيَّن وجود علاقة موسمية بين أحداث الأمطار والعواصف الرعدية وزيادة حالات الربو خلال الشهور الأكثر دفئًا في فصلي الربيع والصيف، تزامنًا مع مواسم إطلاق حبوب اللقاح.

يقول ماثيو بوزيجار -من قسم علوم الصحة العامة في الجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تتمثل أهداف الدراسة في تقييم حالات أزمات الربو بين الأطفال التي تستقبلها أقسام الطوارئ من خلال دراسة مجموعة كبيرة من السكان، ثم وضع خريطة لمواسم الربو ومدى ارتباطها بنوبات تلوث الهواء، التي تزيد الأعباء الموسمية على المرافق الصحية.

يضيف "بوزيجار": نفترض أن العلاقة بين تلوث الهواء وزيارات أقسام الطوارئ للربو تختلف باختلاف مواسم الربو في بيئة منخفضة التلوث، ولمعالجة فرضيتنا، أجرينا تقييمًا لعوامل الارتباط بين معايير وكالة حماية البيئة بشأن ملوِّثات الهواء والطقس، وحالات الربو بين الأطفال التي تستقبلها أقسام الطوارئ في كارولينا الجنوبية، خلال فترة زمنية امتدت بين 2005 و2014.

وتُظهر نتائج الدراسة أن معدلات الزيارات الموسمية لأقسام الطوارئ تبلغ 16.5 زيارة يوميًّا خلال فصل الشتاء (عبء متوسط)، وترتفع هذه المعدلات خلال فصل الربيع إلى 18.9 زيارة يوميًّا (عبء متوسط مرتفع)، ثم تتراجع إلى 9.4 زيارات يوميًّا في الصيف (عبء منخفض)، وترتفع إلى أعلى معدلاتها في الخريف، بواقع 23.5 زيارة يوميًّا (عبء مرتفع).

ووفق الدراسة، فإن ارتفاع معدلات الجسيمات الخشنة، التي يتراوح قطرها بين 2.5 و10 ميكرومترات، وكذلك أكاسيد النيتروجين، من أسباب زيادة الزيارات لأقسام الطوارئ على مدار العام، كما أنها سبب رئيسي في مواسم الربو الأكثر عبئًا خلال الخريف.

أما الجسيمات الدقيقة -أقل من 2.5 ميكرومتر- فقد تبين أنها ترتبط فقط بحالات الربو الأقل عبئًا خلال فصل الصيف، في حين تكون موجات البرودة والجفاف في الصيف، وارتفاع درجات الحرارة حلال فصلي الربيع والخريف ضمن أسباب زيادة حالات الربو في أقسام الطوارئ.

ويوضح الباحثون أن هناك عددًا قليلًا من المؤشرات التي تربط بين مواسم الربو ذات العبء المتوسط في الشتاء، ومتوسطة الارتفاع خلال الربيع، وبعض الأسباب الإضافية التي تؤدي إلى ارتفاع أعداد الزيارات لأقسام الطوارئ، مثل الالتهابات الفيروسية وبعض العوامل الأخرى.

يقول "بوزيجار": حتى في المناطق الريفية والحضرية، التي تتميز بمستويات منخفضة من تلوث الهواء بشكل عام، والتي شملتها الدراسة، تبيَّن أن هناك تأثيرات صحية ترتبط بارتفاع معدلات الجسيمات العالقة في الهواء، وتتزايد حدة هذه التأثيرات خلال مواسم الربو في أثناء فصلي الصيف والخريف، وتختلف وفق حجم الجسيمات العالقة.