كشفت دراسة أجراها فريق بحثي من جامعة بنسلفانيا الأمريكية أن الحياة لمدة شهرين تقريبًا في تجربة تحاكي انعدام الجاذبية لها تأثيرٌ سلبيٌّ متواضع، ولكنه واسع الانتشار على الأداء المعرفي، لدى الأشخاص الذين يمرون بتلك التجربة.

وأوضحت الدراسة التي نشرتها دورية "فرونتيرز إن فسيولوجي" (Frontiers in Physiology) اليوم "الأربعاء"، 17 مارس، أن سرعة المعالجة المعرفية (المعالجة الإدراكية)، وهي الوقت الذي يستغرقه الشخص لأداء مهمة عقلية، انخفضت في معظم الاختبارات في بداية الدراسة، وظلت دون تغيير بمرور الوقت، لكن سرعة التعرُّف على المشاعر استمرت في التدهور خلال تجربة محاكاة الجاذبية الصغرى.

والجاذبية الصغرى (Microgravity) هي الحالة التي يبدو فيها الأشخاص أو الأشياء عديمة الوزن، ويمكن رؤية آثار الجاذبية الصغرى عندما يسبح رواد الفضاء في مركباتهم الفضائية أو يسيرون في الفضاء الخارجي، ويمكنهم تحريك الأشياء الثقيلة بسهولة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لرواد الفضاء تحريك المعدات التي تزن مئات الأرطال بأطراف أصابعهم، ويطلق على الجاذبية الصغرى أحيانًا اسم "انعدام الجاذبية".

وذكرت الدراسة أن المشاركين في البحث كانوا أكثر تعرُّضًا للتعرف على تعابير الوجه على أنها غاضبة، وأقل احتمالًا لتمييز الوجوه السعيدة أو المحايدة، لذلك توقع الباحثون أن رواد الفضاء في البعثات المأهولة إلى المريخ يمكن أن يخطئوا في قراءة الإشارات العاطفية الحيوية.

يشير ماتياس باسنر -أستاذ الطب النفسي في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا، وقائد فريق البحث- إلى أن "خطط وكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا) الحالية لمهمة العودة إلى المريخ تدوم ما يقرب من 1000 يوم، وستكون قدرة رواد الفضاء على قراءة التعبيرات العاطفية بعضهم لبعض بشكل صحيح ذات أهمية قصوى للعمل الجماعي الفعال ونجاح المهمة".

يقول "باسنر" في تصريحات لـ"للعلم": تماسك الطاقم والعمل الجماعي يُعد أمرًا في غاية الأهمية لنجاح المهمّات الفضائية طويلة الأمد، لذلك تشير دراستنا إلى أن قدرة الروّاد على قراءة بعضهم وجوه بعض يمكن أن تتضرّر في هذه المهمات الطويلة.

وأظهرت الدراسات السابقة أن الجاذبية الصغرى تسبّب تغيرات هيكلية في الدماغ، لكن ليس من المفهوم تمامًا كيف يترجم هذا إلى تغيرات في السلوك، وهو ما دفع الفريق لإجراء دراسته الجديدة.

وتُعد الراحة في السرير بزاوية 6 درجات هي الطريقة القياسية لمحاكاة تأثيرات الجاذبية الصغرى على الأرض، وخلال التجربة، تم الاحتفاظ بالمشاركين في هذا الموضع لمدة شهرين تقريبًا، وهذه واحدة من الدراسات الأولى التي تفرض وضع الرأس المائل بصرامة على المشاركين.

ولقياس تأثير ذلك على أدائهم المعرفي، أكمل المشاركون بانتظام 10 اختبارات معرفية ذات صلة برحلات الفضاء صُممت خصوصًا لرواد الفضاء، مثل التوجيه المكاني والذاكرة والمخاطرة والتعرف على المشاعر، وكان الهدف الرئيسي هو معرفة ما إذا كانت الجاذبية الاصطناعية لمدة 30 دقيقة يوميًّا، سواء بشكل مستمر أو خلال 6 نوبات مدة الواحدة منها 5 دقائق، يمكن أن تمنع النتائج السلبية الناجمة عن انخفاض القدرة على الحركة، وحركة سوائل الجسم التي تحدث خلال الجاذبية الصغرى في أثناء رحلات الفضاء.

ويمكن لمركبة الفضاء الدوران حول نفسها لخلق قوة طرد مركزي، وعند دوران هذه المحطة حول نفسها، تشكل جدرانها قوة مركزية طاردة تطبّق على جميع الأجسام الواقعة بداخلها، ما يمكِّنها من التحرك بشكل دائري، الشيء الذي يخلق ما يُعرف بوهم الجاذبية، ولمحاكاة ذلك عبر الجاذبية الاصطناعية، يتم وضع المشاركين على جهاز طرد مركزي يشبه الذراع الآلية ورؤوسهم في المنتصف، حيث يدور المشاركون بسرعة دورة واحدة كل ثانيتين على مدار الساعة.

وعن سبب حدوث خطأ في قراءة الإشارات العاطفية لدى المشاركين، قال "باسنر": لا نعرف ما إذا كانت محاكاة الجاذبية الصغرى أو العزلة التي فرضت على المشاركين في الدراسة عبر وضعهم في غرف نوم منفصلة، مع اتصال متقطع بفريق الدراسة، هي المسؤولة عن النتائج التي توصلنا إليها، نود تغيير هذه الجوانب في الدراسات المستقبلية ومحاولة تحديد سبب تأثر أداء التعرُّف على المشاعر.

وأضاف: نُجري حاليًّا تحليلات إضافية باستخدام التصوير الوظيفي للدماغ لتحديد الأساس العصبي للتأثيرات التي لوحظت في هذه الدراسة، ويخطط الفريق مستقبلًا لاختبار الإجراءات المضادة للجاذبية الاصطناعية ذات المدة الأطول، وتغيير درجة العزلة الاجتماعية لدى المشاركين، ومدى فاعلية ذلك في قراءة الإشارات العاطفية.