من داخل مقر المرصد الأوروبي الجنوبي، كشف فريق من علماء الفلك النقاب عن الصورة الأولى لثقب أسود هائل في مركز مجرتنا "درب التبانة"، ما يوفر دليلًا دامغًا على أن الجسم هو بالفعل ثقب أسود، ويقدم أدلة قيِّمة حول طريقة عمل مثل هذه الأجرام العملاقة، والتي يُعتقد أنها توجد في مراكز معظم المجرات، وذلك بعد ثلاث سنوات من نشر أول صورة لثقب أسود يقع في مجرة "مسييه 87" البعيدة.

استخدم العلماء شبكةً عالميةً من التلسكوبات الراديوية، وأطلقوا عليه اسم "ساجيتارياس إيه"، وسبق للعلماء رؤية نجوم تدور حول شيء غير مرئي ومضغوط وضخم جدًّا في مركز مجرة درب التبانة، وتوفر الصورة التي عُرضت اليوم "الخميس" 12 مايو، أول دليل مرئي مباشر على وجود ثقب أسود هائل في "درب التبانة".

وعلى الرغم من أننا لا نستطيع رؤية الثقب الأسود نفسه؛ لأنه مظلم تمامًا، يكشف الغاز المتوهج الموجود حوله عن "منطقة مركزية مظلمة (تسمى الظل) محاطة بهيكل شبيه بالحلقة الساطعة، ويلتقط المنظر الجديد الضوء الذي ينحني بفعل الجاذبية القوية للثقب الأسود، والتي تبلغ كتلتها أربعة ملايين مرة كتلة شمسنا"، وفق ما أعلنه العلماء في مؤتمر صحفي اليوم.

ويأتي الكشف عن تلك الصورة ضمن مشروع "إيفيت هورايزن تلسكوب" (Event Horizon Telescope)، وهو مشروع تعاون دولي يهدف إلى إنشاء منظومة كبيرة من التليسكوبات تتضمن شبكة عالمية من التليسكوبات الراديوية بالإضافة إلى جمع بيانات من العديد من محطات قياس التداخل طويل المدى (VLBI) حول الأرض، ويستهدف المشروع مراقبة كلٍّ من الثقب الأسود الفائق الذي يقع في مركز "درب التبانة"، والثقب الأسود العملاق الموجود في مجرة "مسييه 87"، وتم نشر الدراسة في عدد خاص من "مجلة الفيزياء الفلكية" (The Astrophysical Journal Letters).

 يقول جيفري باور، عالِم الفلك في " أكاديميا سينيكا"، التي تُعد أكبر معهد لعلم الفلك والفيزياء الفلكية في تايوان: "لقد أذهلنا مدى توافق حجم الحلقة مع تنبؤات نظرية أينشتاين للنسبية العامة، إن ذلك يساعدنا على فهم ما يحدث في مركز مجرتنا، وتقديم رؤى جديدة حول كيفية تفاعُل هذه الثقوب السوداء العملاقة مع محيطها".

ونظرًا إلى أن الثقب الأسود يبعد عن الأرض بحوالي 27000 سنة ضوئية، فإنه يبدو لنا أن حجمه في السماء مثيل حجم "كعكة الدونات الموجودة على سطح القمر"، لذا احتاج الباحثون إلى ربط ثمانية مراصد راديوية تم نشرها في أماكن مختلفة من العالم بحيث تعمل بالتوازي -وكأنها تليسكوب افتراضي واحد بحجم الأرض- لرصد الثقب الأسود.

عمل الباحثون على مدى 5 سنوات، بدايةً من عام 2017، وتحديدًا عندما تمكَّن العلماء من تسجيل نور منبعث من إلكترونات متوهجة تنجذب حول القوس "أيه"، وهي كتلة يعادل حجمها أربعة ملايين ضعف حجم الشمس ويشتبه في أنها ثقب أسود، ومن أجل تطوير صورة واضحة للهالة المحيطة بالثقب الأسود، وخلال رحلة العمل تلك توصلوا إلى أن حجم هذه الهالة يتطابق مع توقعات العالم الراحل ألبرت أينشتاين ضمن نظريته الأشهر "النسبية"، ويسعى العلماء لتحويل تلك الصور الملتقطة إلى "فيلم".

ووفق ما أتاحه العلماء اليوم، فإن الصورة الملتقطة لما وصفوه بـ"العملاق الجميل الرابض في قلب درب التبانة" تمثل "صورة لثقب أسود ذي كتلة هائلة يلتهم أي مادة تدخل في نطاق جاذبيته".

وتتوِّج الصورة الملتقطة التي عُرضت اليوم جهود ما يزيد على 300 عالِم فلك اهتموا بتتبُّع الإشارات الأولى المنبعثة من "درب التبانة"، وهو الاسم الذي يُطلق على المجرة التي تضم الشمس والأرض وبقية المجموعة الشمسية، قبل 48 عامًا، وتحديدًا في عام 1974، وهي الجهود التي توالت حتى أعلن فريق دولي في 10 إبريل عام 2019 عن أول صورة حقيقية لثقب أسود يقع في قلب مجرة "مسييه 87"، وتم التقاطها بواسطة شبكة عالمية من التلسكوبات تمتد من الصين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مرورًا باليابان وتشيلي وبلجيكا وتايوان، واعتُبر ذلك آنذاك بمنزلة "لحظة عظيمة كشفت للبشر عن شيء كان غير مرئي طيلة عقود".

وترجع الفكرة الرئيسية للثقوب السوداء إلى القرن الثامن عشر، حين أثبت العالِم الإنجليزي الشهير "إسحق نيوتن" والفلكي الفرنسي "بيير لابلاس" الطبيعة الجسيمية للضوء، وبناءً على تلك الفكرة، يكون الضوء مُكونًا من جسيمات يمكن أن تتراكم على أسطح النجوم مُكوِّنةً كتلةً تَزيدُ من جاذبية النجم.

ثم جاء "آينشتاين" في القرن العشرين ليقول إن افتراضات "نيوتن" و"لابلاس" تَعنِي أن النجوم يُمكن أن تتحول إلى ما يُعرف باسم الثقوب السوداء، وفي عام 1917، وضع العالم "كارل شفارتزشيلد" مجموعةً من المعادلات التي تصف الحالة التي يُمكن أن يتحول فيها نجم إلى حجم حرج وتزداد كثافته وقوة جذبه ليصبح ثقبًا أسود.