تمكَّن فريق بحثي دولي، للمرة الأولى، من رصد ولادة حشد مجري هائل الحجم، يضم أربع عشرة مجرة يقترب بعضها من بعض في وقت مبكر للغاية من بدايات الكون، فقط بعد الإنفجار العظيم بحوالي مليار سنة. الورقة البحثية الخاصة بهذا الاكتشاف جرى نشرها في دورية نيتشر قبل أيام قليلة.

يقع ذلك التجمع الذي جرى رصده على مسافة 12.5 مليار سنة ضوئية، وما يلفت الانتباه بشكل أكبر لهذا التجمع الوليد هو معدل تكوُّن النجوم في مجراته، يقول "أشرف تادرس"، مدير المركز القومي المصري للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، لم يشارك بالدراسة،  لـمجلة "للعلم" الإلكترونية: "تتوالد النجوم في هذا الحشد المجري على نحوٍ متسارع جدًّا، يقدر بألف ضِعف معدل توالد النجوم في مجرة درب التبانة، ما يدفعنا لاعتباره لغزًا جديدًا يحتاج إلى المزيد من البحث".

ويشرح تادرس تلك الفكرة قائلًا: "المسافة هنا هي الزمن الذي استغرقه الضوء عندما سار في الفضاء لمدة 12.5 مليار سنة، علمًا بأن سرعة الضوء تقدر بـ300 ألف كم في الثانية الواحدة" ثم يضيف: "فلو فرضنا أننا نقف الآن على أحد تلك النجوم التي تبعد عن الأرض 65 مليون سنة، فإننا سوف نرى الديناصورات التي كانت تعيش على الأرض منذ ذلك الحين".

مجرات الانفجار النجمي

يطلق الفلكيون على تلك المجرات التي تشهد ولادة النجوم بشكل متسارع جدًّا عن الطبيعي اسم "مجرات الإنفجار النجمي"، ومن المفترض أنها حالة نادرة في الكون، لكن الغريب هو أنها تمثل أغلبية كاملة في هذا التجمع، يقول "أكسيل وايس" -المؤلف المشارك في الدراسة، والباحث بمعهد ماكس بلانك- لـ"للعلم": "لماذا تحدث تلك الحالة في جميع المجرات الخاصة بالحشد نفسه في الوقت نفسه؟"، ويحاول إيجاد حلول لتلك المشكلة قائلًا: "في الواقع، فإن ذلك ليس مفهومًا بالكلية، وهي إحدى مفاجآت الدراسة، لكنه رغم ذلك يرتبط بحقيقة أنه في تلك الفترة من التاريخ المبكر جدًّا للكون كانت المجرات غنية بالغاز الذي يمكن تحويله إلى نجوم".

ويضيف "كارلوس دي بريك"، أحد مؤلفي الدراسة، والفلكي بالمرصد الأوروبي الجنوبي ESO، في تصريحات لـ"للعلم" أن "جلب كميات هائلة من الغاز المسؤول عن ذلك التوالد السريع للنجوم في هذه المنطقة من الكون، وفي مثل هذا الوقت القصير جدًّا هو أمر غير متوقع". ويقترح بريك أن تشكُّل مثل هذه الهياكل المجرية يحدث بصورة أسرع وأكثر كفاءةً مما كنا نعتقد من قبل.

ويشرح وايس تلك المشكلة قائلًا لـ"للعلم": "تلك المناطق يجب أن تتكوَّن بسبب انحرافات في التوزيع المنتظم للغاز بعد الانفجار الكبير، وبالتالي نفترض أن هناك حاجة إلى المزيد من الوقت كي يتم كسر هذا الانتظام وينتقل الكثير من الغاز إلى قلب مثل هذه الحشود المجرية فيسبب ربطها معًا".

والحشود أو التجمعات المجرِّيَّة هي ظاهرة كونية طبيعية، يقول تادرس لـ"للعلم": "دائمًا توجد النجوم منفردةً وثنائية، وتوجد أيضًا في شكل حزم وعناقيد أو حشود، كذلك أيضًا المجرات، فهناك مجرات منفردة وثنائية، ويوجد منها أيضًا في شكل حزم وعناقيد، تلك العناقيد هي ما يسمى بالحشود المجرية"، لكن الجديد في الأمر هو أن الفلكيين تمكَّنوا من رصدها لحظة الولادة.

وكان أول رصد لهذا الحشد المجري عن طريق تلسكوب القطب الجنوبي SPT بالتعاون مع مرصد هيرشل الفضائي HSO، إذ ظهر التجمع كبقع ضوء غير واضحة، لكن أرصادًا تالية باستخدام التلسكوب ALMA مصفوف مرصد أتاكاما المليمتري الكبير، وAPEX تجربة مستكشف أتاكاما، هي ما أوضحت أن هذا التجمع قد بدأ أبكر بكثير مما ظن الفلكيون.

بعد ذلك أضيفت بعض التحسينات على ALMA، فأكدت أن بقعة الضوء تلك ليست تجمُّعًا مجرِّيًّا واحدًا، ولكنها عبارة عن حشدين: الأول احتوى على 14 مجرة، والثاني على 10 مجرات، مجرات كلٍّ منهما قريبة للغاية بعضها من  بعض لدرجة أنها تشغل فقط ما مساحته أربع مجرات كمجرتنا، درب التبانة.

ويضع هذا الكشف -بتعبير دي بريك- "قيودًا قوية حول بناء نماذج تشرح تشكُّل مثل هذه الهياكل المجرية الكبيرة"، ثم يضيف قائلًا: "نرغب الآن في الحصول على ملحوظات متتابعة أكثر تفصيلًا لفهم طبيعة هذه المجرات: كم عدد النجوم التي تشكلت بالفعل؟ ما مقدار الغاز الذي لا يزال متاحًا لتكوين المزيد من النجوم؟".

أما وايس فيُعرب -في سياق الفكرة نفسها- عن حاجتنا إلى المزيد من المتابعات للوصول إلى نماذج جديدة تشرح تطور الكون في فترة مبكرة من تاريخه، "إننا نفتقر إلى الكثير من المعلومات عن هذا النظام المجرِّي، وقد نحصل عليها في وقت قريب بعد إطلاق التلسكوب القوي الجديد جيمس ويب JWST"، ويضيف تادرس أن "هذا يطرح الكثير من الأسئلة، كان الكون مظلمًا تمامًا لفترة من الزمن لا تتعدى مليار سنة ثم أصبح شفافًا بالكامل، إذ أمكننا رؤية المجرات الأولى التي تكوَّنت بعد الانفجار العظيم بمليار سنة على الأقل!".