قبل بضع سنوات، بدأ العلماء في دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء مسبار "الأمل"، الذي سيدور حول كوكب المريخ لدراسة الغلاف الجوي للكوكب الأحمر. وفي العام الماضي، أعلنت الدولة صغيرة المساحة عن خطتها الطموحة لبناء مدينة على كوكب المريخ في غضون مئة عام. وفي تصورنا، ثمة فجوة شاسعة تفصل بين هذه الخطط الجريئة وعلماء الفلك في العصر الذهبي للإسلام الذين أطلقوا على النجوم أسماءها.

ولا يسعى كتاب "علم الفضاء والعالم العربي" Space Science and he Arab World لمؤلفه يورج ماتياس ديترمان إلى سد هذه الفجوة، بل يركز بدلًا من ذلك على المراحل الأخيرة في تلك الفجوة، وهذا التحوُّل من ذروة الإنجازات الإسلامية إلى العالم الحديث يُعَد منظورًا جديدًا لتاريخ العلوم في العالم العربي.

يتتبع ديترمان تاريخ علم الفضاء في العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر، عقب ما حققه من نجاحات وإخفاقات مع تغيُّر أقدار المنطقة والمشهد السياسي فيها.

وعلى مدار الكتاب، يصف ديترمان علم الفضاء في العالم العربي باعتباره جزءًا من شبكة عالمية من الأبحاث الحديثة، متداخلًا في الشبكة نفسها من المؤسسات والمصالح. وقد كانت الوطنية والعالمية هي خيوط السرد التي يغزلها ديترمان على مدار الكتاب، ومرارًا وتكرارًا في التاريخ الذي يسرده تُطلق المشروعات لأهداف وطنية، لكن ينتهي بها الحال بتحقيق منظور عالمي و"رؤية لكوكب بدون حدود"، على الأقل بالنسبة للمشاركين الرئيسيين.

والكثير من الأبحاث في جوهرها تحمل طابعًا عالميًّا، مثل مرصد أوكايمدن في المغرب، الذي شارك في اكتشاف سبعة كواكب شبيهة بكوكب الأرض حول النجم "ترابيست-1"، أو مرصد حلوان الفلكي في مصر، الذي شارك في أبحاث القياس باستخدام أشعة الليزر. وقد جعلت الوطنية –في شكل المصالح العسكرية– علم الصواريخ استثمارًا جذابًا بالنسبة للحكومات، غير أن ديترمان يوضح أن "الوطنية التي تؤجج نيران الحرب كانت أيضًا عائقًا أو وسيلة تدميرية".

في مصر والجزائر بدأ الاهتمام بعلم الصواريخ بعد تجنيد المهندسين الألمان الذين اشتركوا في تصميم الصاروخ في-2، في حين بدأ برنامج لبنان لعلم الصواريخ كمشروع بين الجمعيات الطلابية، ثم استولى عليه الجيش بعد ذلك، ثم انتهى بعد الحرب مع إسرائيل في عام 1967. وفي الفترة الفاصلة بين حرب العراق مع إيران وغزو العراق لدولة الكويت، أطلق مركز أبحاث الفضاء العراقي قمرًا صناعيًّا تجريبيًّا "أكمل ست دورات قبل أن يحترق".

غير أن الحروب التي خاضها العراق إلى جانب العقوبات التي فُرضت عليه عاقت برنامجه لأبحاث الفضاء لأهداف مدنية، وهاجر الكثير من العلماء والمهندسين العراقيين من بلدهم بحثًا عن فرص في أماكن أخرى. وكانت الوطنية أيضًا هي المحرك لجهود بناء القدرات، مثل إصرار الحكومة المصرية في عشرينيات القرن العشرين على أن "أي عالِم فضاء جديد يتم تعيينه في مرصد حلوان يجب أن يكون مصريًّا وليس إنجليزيًّا".

وقد أرسلت مصر والمملكة العربية السعودية وغيرهما من الدول العربية الطلاب للدراسة في أوروبا والولايات المتحدة؛ ليعودوا إلى أوطانهم مسلحين بالخبرة والمعرفة التقنية المتقدمة، ومَن عاد منهم لم يكن مسلحًا بالعلم فقط، وإنما أيضًا بشبكة عالمية من الاتصالات ستثبت أهميتها في نجاحهم العلمي، مما يسلط الضوء مرةً أخرى على التداخل بين الوطنية والعالمية التي تتضح جليةً على مدار كتاب ديترمان.

وقد كانت الخطابات الرنانة حول تراث العلوم الإسلامية تُستخدم غالبًا في دعم التعاون الإقليمي، مثل حلم تأسيس وكالة الفضاء العربية، غير أن هذه الأحلام غالبًا لا تتحقق. لكن أساطيل الأقمار الصناعية لا غنى عنها كأدوات للاتصال والبث الإعلامي ومراقبة سطح الكوكب، ويصف ديترمان في كتابه أيضًا تاريخ منظمة الأقمار الصناعية العربية "عرب سات" والشركات الوطنية مثل "نايل سات" و"الياه سات" الذي لم يخلُ من بعض الاضطرابات أحيانًا.

ساعدت المراكز البحثية -مثل مرصد حلوان ومرصد لي في بيروت- في بناء شبكات من العلاقات مع طرفي الحرب الباردة. كما أن سماء شمال أفريقيا الصافية كانت مثاليةً لمراقبة الكسوف الشمسي، وكان العلماء من جميع أنحاء العالم يجتمعون في مرصد حلوان لتصويره.

وتستفيد الأبحاث حول النجوم المختلفة كثيرًا من عمليات الرصد المستمرة، وهو ما يتطلب وجود مراصد فلكية على خطوط طول مختلفة في مختلف أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

وهذا التفكير نفسه اليوم هو الذي يدعم وجود محطة لرصد الشهب والنيازك في دولة الإمارات. كما أن السيرة الذاتية للعديد من أبرز علماء الفضاء العرب تُستخدم لتعزيز فكرة ديترمان في كتابه؛ إذ يمثل فاروق الباز وعصام حجي أمثلةً على علماء فضاء عالميين نجحوا في بناء مسيرة مهنية تمتد بين مصر والولايات المتحدة وأوروبا ومنطقة العالم العربي كلها. ومن ناحية أخرى، فإن قصة أول شخصين عربيين يصعدان إلى الفضاء تعكس دور المصالح الوطنية والجغرافية السياسية في برامج الفضاء في المنطقة، إذ حلَّق الأمير السعودي سلطان بن سلمان على متن مكوك الفضاء الأمريكي "ديسكفري"، في حين زار الطيار المقاتل السوري محمد فارس المحطة الفضائية "مير" على متن المركبة الروسية "سويوز".

غير أن هذه القصص تعزز أيضًا الروح العالمية والنتائج العالمية لأبحاث الفضاء؛ فقد عاد رواد الفضاء العرب والعالميين وقد غيرتهم تجربة النظر إلى كوكب الأرض من أعلى دون "الرغبة في تعيين الحدود بين الدول والبلدان، حيث تصبح الأرض عالمًا واحدًا، يتألف من سبع قارات وبحار".

وقد نُشر كتاب "علم الفضاء والعالم العربي" في 30 يناير 2018.