تعيش الميكروبات على جذور النباتات، وتؤدي دورًا كبيرًا في تحسين صحة النبات وإنتاجيته، كما تساعده على مقاومة الظروف البيئية القاسية، وقد تبيَّن أن عملية نقل الميكروبات المفيدة (الميكروبيوم) وزراعتها في النباتات الضعيفة التي لا تتحمل الظروف القاسية تقويها وتجعلها أكثر إنتاجية، غير أن تلك العملية واجهت العديد من التحديات.

جذبت عملية نقل الميكروبيوم Microbiome transplantation اهتمام الباحثين؛ إذ وجدوا أنه من الممكن أن يُنقل الميكروبيوم من البيئات الصحية والسليمة إلى البيئات المريضة والملوثة والمتدهورة لمساعدتها على استعادة قدراتها المناعية مرةً أخرى، والإسهام في تحسين إنتاجيتها وزيادة مقاومتها للأمراض والملوثات، ووفقًا لدراسة حديثة -نشرتها دورية FEMS Microbiology Ecology- توصل فريق بحثي مصري إلى قدرة الطمي الأسواني (الفخار) على نقل الميكروبات من مكان إلى آخر، كما يتميز بقدرته على حفظها مدةً زمنيةً طويلة -تصل إلى 11 شهرًا- دون أن تتغير خصائصها المفيدة.

الطمي الأسواني

يقول محمد رمضان -باحث الدكتوراة في كلية علوم الحياة بجامعة هومبولدت في برلين، والباحث الأول في الدراسة- في حديثه مع "للعلم": "يتميز الطمي الأسواني بكونه مادةً طبيعيةً منخفضة التكلفة ومتوافرة، وتُعد عملية نقل الميكروبيوم من خلال الطمي الأسواني تقنيةً مناسبةً لمعظم المعامل إذا ما قورنت بالطرق التقليدية في حفظ الميكروبات".

يُعَدُّ الحفظ بالتجميد Cryopreservation والتجفيد Lyophilization أو التجميد المجفف، من الطرق الشائعة في معظم مراكز حفظ الأحياء الدقيقة في العالم، تحتاج هذه الطرق إلى إضافة مواد واقية عند إجراء عملية الحفظ من أجل تقليل معدل التلف بسبب البرودة.

يضيف "رمضان": "وجدنا أن حبيبات الفخار المتشكلة من الطين الأسواني قادرة على حفظ بعض السلالات الميكروبية تحت درجات حرارة مختلفة ومتاحة فى معظم المعامل -ومنها درجة حرارة الغرفة- مدةَ سنة تقريبًا".

جاءت فكرة استخدام الفخار المتشكل من الطمي الأسواني -والمستخدم منذ القدم في صناعة الأواني الفخارية والخزف- في حفظ الميكروبات من منطلق قدرته على الاحتفاظ بالماء لفترات طويلة، ونظرًا للخواص المسامية العالية التي يتمتع بها.

يقول "رمضان": "بدأنا العمل على الفكرة مع بداية عام 2015 بمقارنة أنواع مختلفة من الطمي، ومحاولة إيجاد أفضل طريقة لتعقيم الطمي المُشكل".

احتاج الفريق البحثي إلى التعاون مع خبراء من مجالات وتخصصات مختلفة، مثل علوم التربة والكيمياء التحليلية والمحاصيل والمعلوماتية الحيوية من أكثر من جامعة ومركز بحثي مصري، وكذلك مع بعض الباحثين الألمان لإجراء بعض التجارب في ألمانيا.

حبيبات الفخار فى بيئة استزراع ميكروبيى سائلة Credit: Mohamed Ramadan

حفظ الميكروبات

تُعَدُّ عمليات حفظ الكائنات الحية الدقيقة على المدى الطويل من أهم الموضوعات البحثية ذات الأولوية بالنسبة لباحثي الميكروبيولوجي.

هناك العديد من الأبحاث الرامية إلى تطوير طرق جديدة من أجل حفظ العديد من العينات الميكروبية لإعادة استخدامها مرةً أخرى، وتوجهت العديد من الأبحاث من حفظ السلالات الميكروبية إلى حفظ أنواع مختلفة من الميكروبات كمجموعة أو ما يُعرف بـ(الميكروبيوم)، أراد الباحثون إيجاد طريقة حفظ غير مكلفة ومتاحة للاستخدام في معظم معامل الميكروبيولوجي.

يقول طارق قابيل، الأستاذ المساعد في قسم النبات والميكروبيولوجي بكلية العلوم بجامعة القاهرة: "على الرغم من أهمية تقنية نقل الميكروبيوم في علاج العديد من المشكلات الزراعية المزمنة، إلا أنه لا يوجد سوى عدد محدود من الدراسات المتاحة التي تستخدم طرقًا مكلفة -مثل الحبيبات المغناطيسية والمرشحات النانوية- لالتقاط الميكروبات وحفظها، مضيفًا أن الطريقة التي تقترحها الدراسة الحديثة تركز على تطوير إستراتيجيات فعالة لإيصال الكائنات الحية الدقيقة من مكانٍ إلى آخر بشكل سليم، وفي ظروف مثالية".

وأوضح "قابيل" أن الطمي الأسواني يوفر بيئةً طبيعيةً تحتفظ بالتنوع الميكروبي لفترات تسمح بنقلها من مكانٍ إلى آخر، بدلًا من زراعة الميكروبات في المعمل بالطرق المعتادة، وهو ما أكدته نتائج فك الشفرة الوراثية الخاصة بالميكروبات قبل النقل وبعده.

ويضيف: "آن الأوان لاستخدام تقنية نقل الميكروبيوم في الزراعة"، مؤكدًا أن "تطبيق تكنولوجيا مصرية مستوحاة من الطبيعة يفتح آفاقًا جديدةً في مجال نقل الميكروبيوم البيئي لإعادة تأهيل التربة المتضررة".

من جانبه، يقول طارق عبد الموجود موسى، أستاذ الميكروبيولوجي بكلية العلوم، جامعة القاهرة، لم يشارك في الدراسة: "اعتمدت الدراسة على استخدام الطمي الوردي من أسوان كتقنية لتجميع وحفظ الكائنات الدقيقة ومقارنتها بالبيئة الميكروبية لجذور نبات الشعير، وثبت أنه لا فرق في أعداد الكائنات الدقيقة أو أنواعها".

ويوضح "رمضان": "عندما وضعنا شرائح الطمي بجوار جذور النباتات، وجدنا أن لديها قدرة على التقاط معظم الميكروبات المحيطة بالجذور في أثناء نمو النبات، ما قد يمكِّننا في المستقبل من حفظ المجموعات الميكروبية (الميكروبيوم) لفترات طويلة".

يشير "موسى" إلى أن قدرة الطمي على تجميع الكائنات الحية الدقيقة مثبتة علميًّا منذ سنوات عديدة، نظرًا إلى صغر المسافات بين حبيبات التربة الطينية مقارنةً بأي نوع تربة آخر، مثل الرمل أو التربة الطفلية (خليط من الطين والطمي والرمل بنسب متقاربة).

ويؤكد "موسى" أن "الجديد حول هذه الدراسة هو اختبار تخزين الميكروبات في الطمي مدةً زمنيةً طويلة، وكذلك تقنية تصنيع حبيبات الطمي واستخدام تقنية تسلسل الحمض النووي DNA".

وتقنية تسلسل الحمض النووي DNA -المعروفة بـ"Next generation sequencing"- هي تقنيةٌ تُستخدم لتحديد اللبنات الأساسية التي تشكل الحمض النووي، وبالتالي معرفة محتوى التربة من الميكروبات في كثير من الدراسات الحديثة.

تطبيقات عدة

يعتقد "رمضان" وفريقه أن استخدام تقنيتهم سيمكِّن المختبرات ذات الإمكانيات البسيطة من الاحتفاظ بنسخ الميكروبيوم التي يستخدمونها في أبحاثهم، وسيوفر من تكلفة الحفظ الباهظة، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها كناقل للميكروبات بغرض إعادة التأهيل البيئي للمواقع المتدهورة بيئيًّا نتيجةً للتلوث أو الظروف البيئية الصعبة.

ولا تقتصر تطبيقات الاكتشاف الحديث على الأغراض البيئية والاستخدام في تحسين صحة النباتات فقط، ولكنها تمتد لتشمل بعض التطبيقات الصناعية وكذلك الطبية، إذ يمكن استخدام هذه التقنية لتقليل أو منع الإصابة بأمراض عديدة تصيب المرضى الذين يخضعون لعمليات نقل الميكروبات، وفق "رمضان".

رغم أن مصطلح "ميكروب" اقترن لدى معظم الناس بالأمراض، إلا أن عدد الميكروبات المفيدة في جسم الإنسان قد يصل إلى 100 تريليون.

ويتكون الميكروبيوم الأساسي للإنسان في السنوات الأولى من حياته، ولكنه يمكن أن يتغير مع مرور الوقت استجابةً لعوامل مختلفة، كالنظام الغذائي والمؤثرات البيئية والأدوية والعقاقير التي يتناولها.

وقد تؤدي الاختلافات في الميكروبيوم إلى تبايُن الحالة الصحية عند التعرُّض للمؤثرات البيئية المختلفة، وقد تساعد أيضًا في تحديد قابلية الفرد للإصابة بأمراض معينة.

يمكن أن تؤدي المؤثرات البيئية إلى الإخلال بتوازن الميكروبيوم بطرق قد تزيد من احتمالية الإصابة بأمراض مثل السكري والسمنة والحساسية وأمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض العصبية وأمراض الأمعاء الالتهابية.

يقول "رمضان": "في جسم الإنسان مستعمرات بكتيرية موجودة بشكل متوازن، واختلال هذا التوازن يُعرف بـ"اختلال الميكروبيوم Dysbiosis"، الذي يؤدي إلى تكاثُر مفرط في واحدة أو أكثر من المستعمرات الميكروبية عن الأخرى، الأمر الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا ببعض الأمراض"، ينتج هذا الاختلال نتيجةً لعدة أسباب، منها الإسراف في استخدام المضادات الحيوية وتغيير النظام الغذائي وتناوُل المشروبات الكحولية.

تُعَدُّ أمراض الأمعاء الالتهابية من أشهر الحالات الطبية التي تتطلب نقل الميكروبيوم، يوضح "رمضان": "أثبتت الدراسات أن نقل الميكروبيوم من متبرعين أصحاء إلى أشخاص مصابين بمرض التهاب القولون التقرحي أدى إلى تخفيف أعراض هذا المرض لدى بعض الحالات، والشفاء التام من المرض في حالات أخرى".

بعض أفراد الفريق البحثي Credit: Mohamed Ramadan

المعلوماتية الحيوية

استخدم الباحثون تقنيات المعلوماتية الحيوية من أجل التوصل إلى هذا الاكتشاف من خلال التعرف على الميكروبات الموجودة على جذور النباتات قبل عملية النقل وبعدها، وذلك باستخدام تقنية تحليل الحمض النووي الريبوزي الريبوسومي 16S، التي تمكِّنهم من التعرُّف على الكائنات الدقيقة ومادتها الوراثية، يقول "رمضان": "استخدمنا الحمض النووي الريبوزي الريبوسومي كعلامة وراثية لتعريف الميكروبات؛ إذ يوجد هذا التسلسل في معظم البكتيريا، ومن ثم استخدمناه لمقارنة الميكروبات الموجودة على جذور النباتات وتلك الموجودة على رقائق الطمي".

ينتج تحليل الحمض النووي الريبوزي الريبوسومي 16S كمًّا هائلًا من البيانات عن جميع الكائنات الموجودة، وتساعد تقنيات المعلوماتية الحيوية المختلفة في تحليل هذه البيانات ومقارنتها، كما استخدم الباحثون التحاليل الإحصائية لمقارنة الاختلافات في خصائص الميكروبيوم قبل فترات التخزين وبعدها.

قبو للميكروبات

تفتح هذه الدراسة الباب للأبحاث حول إنشاء بنوك لحفظ الميكروبات بتكلفة منخفضة إذا ما قورنت بالطرق التقليدية في الحفظ، التي تُعتبر أكثر تعقيدًا وأقل كفاءة.

تُحفظ السلالات الميكروبية في بنوك للحفظ من أجل العودة لاستخدامها مرةً أخرى، سواء لإجراء التجارب الطبية عليها -مثل تقييم جودة بعض المضادات الحيوية- أو لإجراء التجارب في علم الأحياء الدقيقة الصناعي؛ إذ يتم حفظ بعض السلالات لإنتاج الإنزيمات والأحماض الأمينية والمذيبات والكحول والكثير من المنتجات.

يؤكد العلماء الآن ضرورة إقامة "قبو للميكروبات" يضم العديد من العينات الميكروبية البشرية والزراعية المهمة، على خطى "قبو البذور العالمي" في القطب الشمالي، بهدف حفظ الميكروبات من مخاطر تراجُع التنوع الميكروبي، خاصةً تلك التي تأثرت بسبب التصنيع والإفراط في استخدام المضادات الحيوية.

خطوات تالية

يقول "رمضان": "من الممكن أن تكون التجارب العلمية على العينات البيئية -المتعددة والمتوافرة بكثرة- بداية جيدة قبل الانتقال إلى التجارب على العينات الطبية؛ إذ يتطلب الأمر العديد من التجارب من أجل بدء الاستخدام الطبي".

"عند تعقيم رقائق أو حبيبات الطمي كان هدفنا قتل معظم الميكروبات الموجودة، ولكن لا يزال الحمض النووي لهذه الميكروبات موجودًا في الطمي، وهو ما يمثل خطورةً طبيةً إذا انتقل مع الميكروبات التي تُنقل لأغراض طبية"، يتطلع الفريق البحثي لحل مثل هذه المشكلات وإكمال التجارب والأبحاث حول هذه النقطة البحثية.

يقترح "موسى" أن يجرب الفريق البحثي استخدام بعض أنواع البوليمرات صديقة البيئة، والتي قد تساعد على حفظ الميكروبات مدةً أطول، موضحًا: "تُعَدُّ البوليمرات أفضل من الطمي من حيث سهولة ونظافة التخزين والنقل، وكذلك التحكم في نسبة فقد الكائنات الحية الدقيقة".

لا يخلو البحث العلمي من التحديات والعقبات، سواء الفنية أو المادية، في هذا الشأن يقول "رمضان": "واجهنا مشكلات تتعلق بالتمويل، ولكننا تلقينا الدعم من معهد لايبنيز للخضراوات وزراعة نباتات الزينة بجروسبيرن (IGZ) والهيئة الألمانية للتبادل العلمي (DAAD)، وكذلك هيئة ألكسندر فون همبولت، كما أن اختيار مجموعة العمل هو شيء مهم للتغلب على العقبات وإنتاج بحث علمي جيد".

يعتقد "رمضان" أن التقنية التي يقترحونها تحتاج إلى العديد من التجارب لاستخدامها وتطبيقها في مجالات مختلفة وبشكل أوسع، وأفاد أنهم يعملون الآن على اختبار قدرة استخدام الطمي الأسواني كنهج متكامل في حفظ الميكروبيوم ونقله من النباتات المتأقلمة على الظروف المناخية القاسية إلى نباتات أخرى غير متأقلمة.