في ساعة هادئة من مساء يوم الجمعة 12 نوفمبر الماضي، انتهت "بتعة عبد الله" من إعداد العشاء لتتشاركه مع بناتها وأحفادها، وضعت الأطباق وقبل تناول اللقمة الأولى ضربت السيول المنزل المبني من الطوب والأسمنت، ليسقط أحد حوائطه وينتشر الغبار الممزوج بالثلوج ويسود المكان في لحظات قليلة، مشهد مهيب وصفته السيدة الخمسينية بقولها: "كأن السد العالي انفتح علينا".

تبلغ الجدة "بتعة" من العمر 59 عامًا، وتسكن مع عائلتها في منطقة عزبة الفرن بأسوان، عاشت عمرًا طويلًا في منزل لم تتوقع أن تراه ينهار أمام عينيها ذات يوم بسبب سوء الطقس، حين عصفت السيول بمنزلها بدأت الجدران في السقوط، فركضت في هلع لتنقذ الأطفال بينما اقتحم الجيران البيت لمساعدتهم، حملت طفلين من الأحفاد وخرجت بينما تدفقت المياه بعنف، لتشعر فجأة بلسعة مؤلمة في ساقها من "عقرب" لم تر مثلها طيلة ثلاثين سنة قضتها في هذه المنطقة، وفق وصفها.

في هذا اليوم، ضربت سيول غير معتادة بعض المناطق في محافظة أسوان المصرية، ولم تقتصر آثارها على هدم المنازل وتدمير محتوياتها، بل تسببت في مخاطر صحية للسكان بعدما جرفت عشرات العقارب من مخابئها في الجبال إلى القرى لتلدغ نحو 503 من الأشخاص، وفق بيانات وزارة الصحة التي وفرت مخزونًا من الأمصال قدره 3350 جرعة.

لدغات العقارب قد تسبب مضاعفات خطيرة، إذ يصاحب سريان السم في الجسم عاصفة من "الأدرينالين"، ويحدث ارتفاع شديد في ضغط الدم، ولها تأثير خطير على القلب والرئة، كما يعاني المصاب من آلام مبرحة قد لا تستجيب للمسكنات القوية، وفقًا للدكتور محيي المصري، أستاذ السموم الإكلينيكية بكلية الطب بجامعة عين شمس، في تصريحات لـ"للعلم".

العقارب والتغيرات المناخية

تختبئ العقارب في التربة أو في جحورها في الشتاء، ولا تبدأ في الخروج إلا مع ظهور بوادر الصيف في شهر أبريل، لكن تَزحزُح التربة بفعل الفيضانات أجبرها على مغادرة أماكنها، وهي تلدغ حين تشعر بالخوف أو في أوقات الصيد أو عند مقابلة جسم دافئ أمامها لأنها لا ترى جيدًا، ولها آثار سمية شديدة، كما يقول "المصري" في تصريحات لـ"للعلم".

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية صنفت الفيضانات ضمن الأخطار المناخية المؤثرة على الصحة، إذ كانت مسؤولة عن 43% من الكوارث الطبيعية بين عامي 1994 و2013، كما تؤثر على صحة الإنسان مباشرةً بالتسبب في آلاف الوفيات كل عام بخلاف الإصابات والصدمات العقلية، أو بطرق غير مباشرة بتهيئة أحوال مواتية لانتشار الأمراض، والإضرار بالبنية التحتية للصحة العامة.

في أسوان، تسببت التغيرات المناخية في زيادة غزارة الأمطار وسقوط الأمطار الثلجية غير المعتادة، وبالتالي جرفت السيول الشديدة كمياتٍ كبيرةً من الرمال في مخرات السيول وحملت معها العقارب المدفونة إلى المنازل، وفق محمود شاهين، مدير مركز التحاليل والتنبؤات بهيئة الأرصاد الجوية، في تصريحات لـ"للعلم"، وهو ما اتفق معه محمد فهيم، رئيس مركز تغير المناخ بوزارة الزراعة المصرية، الذي رأى أن التغيرات المناخية جزء أصيل مما حدث؛ لأنها تتسبب في زحزحة حزام الأمطار وتغيُّر شدتها، وبما أن أهل أسوان غير معتادين على هذا النوع من المناخ، لم يستطيعوا اتخاذ احتياطات مسبقة تجعلهم في مأمن من العقارب.

بعد السيول، سحب عاملون بوزارة الصحة عيناتٍ عشوائيةً من المواطنين لإجراء فحص الملاريا كإجراء وقائي، كما نظموا حملات لمكافحة العقارب والحشرات في المناطق المتضررة وأولها مخرات السيول والأماكن الجبلية ورشها بالمبيدات، كما أفادت مروة محمود، مدير إدارة الأمراض المتوطنة بمديرية الصحة بأسوان.

أكبر تهديد صحي يواجه البشرية

تغيُّر المناخ هو "أكبر تهديد صحي يواجه البشرية" كما وصفته منظمة الصحة العالمية في أكتوبر الماضي، إذ توقعت أن يتسبب في حدوث 250 ألف حالة وفاة إضافية كل عام، لما ينتج عنه من سوء التغذية والملاريا والإسهال والإجهاد الحراري، كما تقدر تكاليف أضراره المباشرة على الصحة بما يتراوح بين 2 إلى 4 مليارات دولار أمريكي سنويًّا بحلول عام 2030.

بشكل عام، يؤثر تغيُّر المناخ على أهم المحدِّدات الأساسية للصحة، وهي الهواء النظيف والمياه النقية والغذاء والمأوى الملائم والسلامة من المرض، ويتسبب في خمس عواقب وخيمة حددتها المنظمة، وهي سوء التغذية نتيجةً لنقص الأمن الغذائي بعد تضرُّر الزراعة من ارتفاع الحرارة والجفاف والفيضانات، والإصابات والوفيات المحتملة نتاجًا للعواصف والفيضانات التي قد يعقبها تفشي أمراض مثل الكوليرا، وانتشار مرض الإسهال، وآثار موجات الحر التي ترفع معدلات المرض والوفيات خاصةً بين المسنين، وتغيُّر التوزيع الجغرافي للحشرات الناقلة للأمراض المعدية مثل الملاريا وحمى الضنك بسبب تغيُّر درجات الحرارة وأنماط هطول الأمطار .

وفي الآونة الأخيرة، زاد عدد الحشرات الناقلة للأمراض وانتشرت بشكل غير معتاد، مما زاد من احتمالات تعرُّض الإنسان للإصابة بالأمراض المعدية؛ إذ صاحَب تغيُّر المناخ ارتفاعٌ في درجات الحرارة تسبَّب في زيادة سرعة دورة حياة الحشرات في مراحلها الثلاث "تشكُّل البيضة واليرقة والعذراء"؛ إذ يفقس البيض بمعدل أسرع من المعتاد، كما حدثت للحشرات طفراتٌ جعلتها تقاوم الظروف الجوية، فزادت أعدادها، مما أحدث خللًا في النظام البيئي، وفقًا للمهندس أيمن عبد الحليم، مدير عام إدارة مكافحة ناقلات الأمراض بالقاهرة، التابعة لوزارة الصحة، في تصريحاته لـ"للعلم".

تطبق مصر عدة إجراءات احترازية، وفقًا لعبد الحليم، فتقوم بفحص البضائع القادمة من الخارج وتعقيمها، وحصر أماكن توالُد الحشرات ومكافحتها بالمبيدات، وإجراء ما يُعرف بـ"الترصد الحشري" للوقوف على مدى وبائية هذه الحشرات.

الدول النامية المتضرر الأكبر

كل الحقائق تشير إلى أن تغيُّر المناخ أزمة عالمية غير عادلة، ففي الوقت الذي تُسهم فيه عشر دول متقدمة في تصدير أكثر من ثلثي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، تتحمل الدول النامية والأكثر فقرًا النصيب الأكبر من آثار المناخ وعلى رأسها المخاطر الصحية، في ظل ضعف البنية الصحية وزيادة الكوارث ونقص التمويل.

كان نصيب الدول النامية 91% من حالات الوفيات الناجمة عن تغيُّر المناخ عالميًّا، من بين أكثر من مليوني حالة تم الإبلاغ عنها بين عامي 1970 و2020، وفقًا لأطلس منظمة الأرصاد الجوية للوفيات والخسائر الناجمة عن الظواهر المتطرفة.

في الوقت نفسه، عانت هذه الدول من انتشار الأمراض الحساسة لتغير المناخ، وكما أظهر تقرير الملاريا العالمي الأخير، فإن الإقليم الأفريقي حاز الحصة الكبرى من عبء المرض، كما ينتشر الإسهال على نطاق واسع في الدول النامية، وينتقل بالأساس عن طريق المياه الملوثة بالبراز، وبينما يقتل 1400 طفل يوميًّا حول العالم، كان أكثر من نصف هذا العدد بسبب مياه الشرب غير الآمنة، وسوء النظافة والصرف الصحي.

تغير المناخ كان أيضًا من الأسباب الرئيسية التي هددت غذاء السكان وحياتهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث زاد الجوع بنسبة 91.1% عمّا كان عليه منذ عشرين عامًا، ووصل عدد الجياع إلى 69 مليون شخص في العام الماضي، وفق تقرير جديد أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو".

وكان للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل النصيب الأعظم من وفيات تلوث الهواء، فوقع فيها 91% من إجمالي 4.2 ملايين وفاة مبكرة على مستوى العالم في 2016، وتركز العدد الأكبر في إقليمي جنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ.

في السياق ذاته، كان الإجهاد الحراري من أبرز الآثار الصحية الخطيرة، ووجدت دراسة حديثة منشورة في دورية "نيتشر" في مايو الماضي أن تغيُّر المناخ كان مسؤولًا عن نحو 37% من الوفيات المرتبطة بالحرارة في الفترة ما بين 1991 و2018، وهذا يعني وجود حاجة ملحَّة إلى إستراتيجيات التكيُّف والتخفيف لتقليل آثار تغيُّر المناخ على الصحة العامة.

عدم العدالة في تحمُّل الآثار الصحية رافقه ضعفٌ في التمويل المناخي الموجه لدعم الصحة، والذي مثَّل العقبة الكبرى أمام تنفيذ الخطط الوطنية للصحة وتغير المناخ في 77% من الدول التي شملها المسح الأخير لمنظمة الصحة العالمية ومن بينها مصر، وكان العائق الثاني عدم التنسيق بين القطاعات داخل الدول، بينما كانت جائحة كوفيد- 19 عاملًا رئيسيًّا في التأثير على العمل الصحي المرتبط بتغيُّر المناخ في نصف الدول تقريبًا بعد تحويل معظم الكوادر الصحية والموارد للتصدي لها.

لم يتغير وضع التمويل المناخي للصحة كثيرًا عما كان عليه منذ عامين حين أجرت منظمة الصحة العالمية دراسةً استقصائيةً على 101 من الدول، ووجدت أن نصف الدول وضعت خطة وطنية في مجال الصحة وتغير المناخ، لكن عانى 60% منها من تخصيص محدود أو معدوم للموارد البشرية والمالية لمواجهة مخاطر الإجهاد الحراري، والإصابة والوفاة الناتجة عن الأحداث المناخية القاسية، والأمراض المنقولة عن طريق الطعام والماء وناقلات الأمراض.

هذا القلق من المخاطر الصحية الناجمة عن تغيُّر المناخ ربما يتفاقم أكثر في ظل توقعات دراسة نشرتها دورية "ساينس أدفانسيس" بأنه خلال السنوات القادمة سيواجه نحو ثلثي الأرض مناخًا مائيًّا أكثر رطوبة، وستشتد الدورة الهيدرولوجية "دورة المياه في الطبيعة" في ظل الاحتباس الحراري، وهو ما يبرز ضرورة مرونة البنى التحتية، وتحديد أنظمة مختلفة لاستجابات هطول الأمطار.

على مستوى العالم، يزداد عدد المعرضين لمخاطر المناخ الصحية بشكل مخيف، فخلال ستة أشهر فقط من عام 2020، أثرت الكوارث الناتجة عن تغيُّر المناخ -مثل الفيضانات والعواصف والجفاف- على 51.6 مليون شخص في دول تكافح بالفعل ضد جائحة كوفيد-19، وكان الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على خمسة وستين عامًا الأكثر تضررًا من درجات الحرارة القياسية، وفقًا لتقرير نشرته مجلة "ذا لانسيت" الطبية.

رصد التقرير المنشور في أكتوبر الماضي زيادة عدد الأشهر التي تتوافر فيها الظروف الملائمة بيئيًّا لانتقال الملاريا بنسبة 39% في الفترة بين (2010 و2019)، مقارنةً بالفترة بين (1950 و1959)، في مناطق المرتفعات المكتظة بالسكان، كما زادت احتمالية انتشار فيروس حمى الضنك وفيروس زيكا وفيروس الشيكونغونيا الوبائي الذي يؤثر حاليًّا على السكان في أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي وأفريقيا وجنوب آسيا.

العمل المناخي سيخفض الوفيات

الوفيات الناتجة عن تغير المناخ تمثل مصدر قلق مستمر، لذا فإن تعزيز قدرة القطاع الصحي على الصمود أمام المخاطر المناخية، وبناء نظم صحية منخفضة الكربون كان من أبرز توصيات تقرير منظمة الصحة العالمية بشأن المناخ والصحة، الذي أعدته قبل مؤتمر cop26، والذي قالت فيه إن "حرق الوقود الأحفوري يقتلنا" ويتسبب في مصرع 13 شخصًا كل دقيقة حول العالم، لذا يجب اتخاذ إجراءات تُحدث تحولًا في كل القطاعات، ومن ضمنها مجالات الطاقة والنقل والطبيعة والنظم الغذائية والتمويل.

هناك أمل أيضًا إذا تم تخفيض مستويات التلوث أن تنخفض عدد الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء حول العالم بنسبة 80٪، وإذا تم التحوّل إلى اتباع نظم غذائية نباتية أن تقل الانبعاثات العالمية وتزيد قدرة النظم الغذائية على الصمود، ومنع ما يناهز 5.1 ملايين وفاة سنويًّا بسبب النظام الغذائي بحلول عام 2050، وفقًا للتقرير.

وقدمت شبكة المدن الأربعين المعنية بالمناخ توقعًا آخر بأن تحسين خدمات شبكة الحافلات يمكن أن يمنع الوفيات المبكرة لنحو مليون شخص كل عام من جرَّاء التعرُّض لتلوُّث الهواء وحوادث المرور، كما أن استخدام الطاقة المتجددة للتدفئة والتبريد في المباني يمكن أن يمنع 300 ألف حالة وفاة مبكرة أخرى سنويًّا بحلول عام 2030.