ذكرت دراسة أجراها فريق من الباحثين في علم الاقتصاد من جامعتي "كليرمون فيران" و"باريس نانتير" الفرنسيتين أن اندماج اللاجئين داخل مجتمعاتهم الجديدة يساعد على تحسين الأوضاع الاقتصادية للبلدان الأوروبية التي يلجؤون إليها.

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس أدفانسيس"، فقد صمم الباحثون نموذجًا إحصائيًّا ديناميكيًّا يعتمد على نموذج "الانحدار الذاتي"، وهو طريقة للتحليل الإحصائي تُستخدم في نمذجة المتسلسلات الزمنية ووصفها واستشرافها؛ وذلك بهدف تحليل البيانات التي قاموا بجمعها من 15 بلدًا أوروبيًّا.

يقول الباحثون إنه "على العكس مما كان يُعتقد، فإن اللاجئين يمثلون عاملًا إيجابيًّا في الحياة الاقتصادية للبلدان التي يتحولون فيها إلى مقيمين دائمين"، موضحةً أن "أكثر من مليون شخص طلبوا اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي في عام 2015، مما جعله عامًا قياسيًّا بالنسبة لطلبات اللجوء لدول الاتحاد الأوروبي".

من جهته، يقول "إيبوليت دالبيس" -الباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة الحالية ليست الأولى التي تتناول الأثر الاقتصادي والمالي لتدفقات اللاجئين، ولكن الجديد فيها هو الطريقة التي تستخدمها؛ إذ تتبنى الدراسات السابقة الأساليب التقليدية في حسابات المكسب والخسارة من جرّاء توافد اللاجئين على البلدان الغربية، من خلال مقارنة ما يدفعه اللاجئون من ضرائب وما يحصلون عليه من خدمات، دون أن تأخذ بعين الاعتبار التفاعلات الاقتصادية التي تنتج عن تفاعل هؤلاء اللاجئين وتعايشهم مع المجتمع الذي يعيشون فيه، وما يحمله هذا التفاعل والتعايش من تأثيرات اقتصادية إيجابية للمجتمع الذي اختاروا اللجوء إليه".

استخدم الباحثون نموذجًا إحصائيًّا قدمه كريستوفر سيمز، الحاصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2011 وصاحب العديد من الأوراق البحثية المهمة في مجال الاقتصاد القياسي، الذي يُستخدم على نطاق واسع لتقييم آثار السياسات الاقتصادية وتحليل النشاط الاقتصادي والتنبؤ به.

واعتمد الباحثون في عملية جمع البيانات المتعلقة بتدفقات اللاجئين على إحصائيات مكتب الإحصاءات التابع للاتحاد الأوروبي (يوروستات)، وضمت دائرة الدراسة 15 دولة أوروبية هي: النمسا وبلجيكا والدانمرك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وأيسلندا وأيرلندا وإيطاليا والنرويج وهولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد وبريطانيا.

واقتصر الباحثون على دراسة معدلات الهجرة الصافية (الفارق بين عدد الأشخاص الذين وصلوا إلى البلاد الـ15 والذين غادروها)، على اعتبار أن مَن بقوا في تلك البلدان يتمتعون بحق قانوني للإقامة بالبلدان المضيفة.

وخلال فترة الدراسة (1985-2015)، شهدت "أوروبا الغربية" زيادة كبيرة في تدفقات طالبي اللجوء في أعقاب الحروب التي اندلعت في البلقان بين عامي 1991 و1999، كما شهدت تدفقات أخرى كبيرة في السنوات التي أعقبت اندلاع "الربيع العربي" بعد عام 2011، فضلًا عن تصاعد النزاعات في سوريا. كما ازدادت تدفقات المهاجرين، لا سيما مواطني الاتحاد الأوروبي، بعد توسُّع الاتحاد الأوروبي شرقًا في عام 2004.

يضيف "دالبيس": "الأوضاع السابقة منحتنا فرصًا عديدة لاختبار نتائج الزيادة غير المتوقعة لتدفقات الهجرة على نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي ومعدل البطالة والأوضاع المالية لسكان البلاد الأصليين، ووجدنا أن اللاجئين الذين حصلوا على حق اللجوء وباتوا مهاجرين دائمين يتحولون إلى لاعبين إيجابيين في مجتمعاتهم الجديدة خلال مدة تتراوح بين 3 و7 سنوات، ما يؤدي إلى آثار إيجابية على كافة الأصعدة، ومنها زيادة نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، وانخفاض معدل البطالة، والمشاركة في دفع الضرائب المستحقة عليهم".

تشير النتائج التي انتهى إليها الباحثون إلى أنه "من غير المرجح أن تشكل أزمة الهجرة المستمرة عبئًا على الدول الأوروبية، بل إن العكس هو الصحيح؛ إذ قد تمثل فرصة اقتصادية إيجابية لتلك المجتمعات من خلال الاستفادة بطاقات جديدة ومتنوعة"، موضحةً أن "استيعاب الطاقات الجديدة ساعد على زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.32% وانخفاض معدل البطالة بنحو 0.14% بعد عامين فقط من لجوء الشخص إلى موطنه الجديد".

يقول "دالبيس": نحن لا ننكر أن التدفقات الكبيرة من طالبي اللجوء إلى أوروبا تطرح العديد من التحديات السياسية، سواء داخل الدول المضيفة أو فيما يتعلق بالتنسيق الأوروبي للسياسات الوطنية. ومع ذلك، يمكن معالجة هذه التحديات السياسية بسهولة أكبر إذا كان من الممكن تبديد الفكرة المبتذلة الخاصة بربط الهجرة الدولية بالعبء الاقتصادي. ونعتقد أن آلية تخصيص ملتمسي اللجوء يجب أن تكون أكثر اعتمادًا على الاعتبارات السياسية والدبلوماسية أكثر مما تعتمد على المخاوف الاقتصادية. كما أننا بحاجة إلى توحيد الوضع القانوني للاجئين في أوروبا، وأن يكون من حق هؤلاء اللاجئين التقدم للحصول على حماية أوروبا ككل، وليس حماية أول بلد ينجحون في الوصول إليه، وأن تتشارك الدول الأوروبية في تحمُّل تداعيات اللجوء إلى الأراضي الأوروبية، وأن يُسمح للاجئين بالتنقل بحُرِّية عبر أوروبا بحثًا عن استكشاف طاقاتهم الدفينة، وأن تعمل الدول الأوروبية على توفير بيئة تعليمية خصبة لهؤلاء اللاجئين بأسرع وقت ممكن، وبما يضمن للدول الأوروبية فرصةً لاستثمار مواهبهم وإبداعاتهم.

تتفق نتائج الدراسة الفرنسية مع بيان نشرته وزارة الخارجية السويدية على موقعها الإلكتروني، ذكرت فيه أن "ارتفاع أعداد اللاجئين في السويد لم يعرِّض النظام الاقتصادي السويدي للانهيار، وأن البطالة لدى الشباب انخفضت انخفاضًا ملحوظًا لتبقى في أقل مستوى لها على مدار 13 عامًا، وأن السويد بحاجة إلى المهاجرين لتعويض الانخفاض في أعداد المواليد لديها، على اعتبار أن ذلك من شأنه توفير طاقات وقدرات بشرية جديدة".

كما أفادت دراسة ألمانية بأن "اللاجئين إلى ألمانيا يكافحون من أجل الحصول على عمل مُربِح بطريقة مبتكرة في موطنهم الجديد".