هاتان قصتان لاثنتين من جوائز نوبل في الطب، الأولى بدأت في بريطانيا والأخرى في اليابان، غير أن الاثنتين قد مرتا بالولايات المتحدة الأمريكية.

بطل الأولى وإن كان بلجيكي الجنسية إلا أنه قد عُيِّن مدةً طويلة -بدأت في ستينيات القرن المنصرم- في جامعة روكفيلر بنيويورك، أما بطل الثانية فقد حصل على فرصة الالتحاق بذات الجامعة والعمل على أبحاث هناك بين عامي ١٩٧٤ و١٩٧٧، قبل أن يعود مرة أخرى إلى بلده اليابان.

في الأربعينيات، عندما بدأ العالِم البلجيكي كريستيان دو دوف -بطل القصة الأولى- أبحاثًا عن الإنسولين وكيفية عمله ثم عرج على الجلوكاجون، قادته تلك الأبحاث إلى اكتشاف الشبكة الإندوبلازمية مع آخرين.

وبعدها قرر أن يسير وراء الإنزيمات في الخلية ليكتشف أماكن تمركزها، مما قاده لاكتشاف الليسوسومات والفجوات الخلوية، التي حاز بسببها -بالاشتراك مع علماء آخرين- جائزة نوبل في الطب عام 1974، لاكتشافاته المتعلقة بالتركيب الوظيفي للخلية، وفق بيان الجائزة.

 وبينما كان دو دوف يحصل على الدكتوراة ويجهز أبحاثه للنشر، وُلِد يوشينوري أوسومي، الحائز جائزة نوبل في الطب لعام 2016، تقديرًا لاكتشافاته الخاصة بآليات عملية الالتهام الذاتي في الخلايا، وكأنه جاء ليكمل الطريق الذى بدأه دو دوف في الأربعينيات.

لقد استغرق فهم عملية الالتهام الذاتي عقودًا؛ منذ أن  كشف العالِم البلجيكي كريستيان دو دوف، في خمسينيات القرن العشرين، عن وجود بنية غير معروفة سابقًا داخل الخلية أُطلِق عليها "الليسوسوم" أو "الجسم المُحلِّل". أثبت دو دوف وآخرون أن هذه العضية تحتوي على العديد من الإنزيمات التي من شأنها -في الظروف المناسبة- أن تمزق البروتينات وحتى العضيات الأخرى، مما يتيح للخلية إعادة استخدام الأجزاء المكوِّنة لها أو لفظها خارجها.

وعند هذه النقطة توقفت الأبحاث ولم يُحرَز أي تقدم حتى تسعينيات القرن العشرين، عندما قرر أوسومي دراسة المشكلة في الخميرة، والتي غالبًا ما تُستخدَم في المختبر لتكون نموذجًا للعمليات الأساسية القائمة في خلايا الكائنات الأكثر تطورًا، متضمنةً البشر. ولأسباب تاريخية، تُسمى الأجسام المُحلِّلة في الخميرة بالفجوات العصارية.

رأى أوسومي أن غياب التركيز البحثي على هذا الموضوع يمثل فرصة فريدة من نوعها ليستحوذ على مجال بحثي كامل لنفسه فقط تقريبًا. وقد صرح أوسومي في مقابلة شخصية أجراها عقب فوزه بجائزة كيوتو التي تقدمها مؤسسة إيناموري عام 2012: "اخترت نقل المواد إلى فجوات الخميرة لتكون مشروعي البحثي؛ نظرًا لأنه لم يكن هناك أي باحث آخر يدرسها".

حصل أوسومي -الأستاذ بمعهد طوكيو للتكنولوجيا- على الجائزة، عن أبحاثه الأساسية التي تتناول الوظيفة الجوهرية للخلايا في تنظيف نفسها، وهي العملية التي يُطلَق عليها "الالتهام الذاتي"، المصطلح الذى ظهر المرة الأولى منذ 40 عامًا عن طريق دو دوف.

وكان يوشينوري قد بدأ حياته بالبحث في الكيمياء، لكنه سرعان ما شعر بأن الكيمياء علم قد رسخ وتوطد، فقرر أن يبحث عن الجديد. في ذلك الوقت كانت "البيولوجيا الجزيئية" علمًا يخطو خطواته الأولى، اتجه يوشينوري للبحث فيه عبر خلايا إي.كولاي، إلا أن فرص البحث في ذلك المجال كانت قليلة في اليابان، مما اضطره إلى السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. هناك اضطر للعمل على خلايا الثدييات والتلقيح في الفئران، كانت خبرته بهما قليلة وبدأ الاحباط يتسرب إليه، لذا عندما أتيحت الفرصة له للبحث في شيء آخر هُرِع وراءها، وبدأ في دراسة العضيات في خلايا الخميرة. بدأ في النظر نحو الأغلفة الخلوية للعضيات الداخلية. لم يفعل ذلك فحسب، بل نظر في أغلفة الفجوات الخلوية Vacuoleوالتي كانت تُعَد وقتها "سلة قمامة الخلية".

هكذا نال يوشينوري نوبل عن أبحاثه في هذه المساحة غير المطروقة، واكتشافه لتفاصيل عملية الالتهام الذاتي وإعادة التدوير في الخلايا. كانت ذروة هذه الأبحاث في التسعينيات، إلا أن الجائزة تأخرت في طرق بابه قرابة العشرين عامًا.

عملة الطاقة في الخلية

وتمثل عملية الالتهام الذاتي وسيلة تحافظ بها الخلية على مصادر الطاقة في الأوقات الحرجة، خاصة في حالة نقص المواد المغذية أو الأكسجين، إذ تعمل على توفير الأحماض الأمينية اللازمة لبقاء الحياة داخلها واستمرارها، كما تؤدي دورًا مهمًّا في التخلص من العضيات التالفة أو تلك التي فقدت وظيفتها، وتساعد كذلك في القضاء على مسبِّبات الأمراض من بكتيريا وفيروسات قد تهاجم الخلايا.

لا تقتصر وظيفة الالتهام الذاتي على المحافظة على قدرة الخلية على مواجهة ظروف نقص الغذاء فحسب، لكنها تعمل كذلك على الحفاظ على التركيب الجيني في الخلايا، وهي بذلك تساعد على الوقاية من العديد من الأمراض، مثل السرطان، وأمراض القلب، والسكري، والكبد، والعديد من أمراض الأعصاب وأمراض المناعة الذاتية.

وبصفة عامة، هناك ثلاثة أنواع من الالتهام الذاتي: الالتهام الذاتي الكلي Macro-autophagy، والالتهام الذاتي الجزئي Micro-autophagy، والالتهام الذاتي الذي يتم عن طريق مجموعة من البروتينات الوسيطة، تُعرف بالأوصياء Chaperone-mediated autophagy.

وبرغم اختلاف هذه الأنواع من حيث الطريقة التي تتم بها العملية، لكنها جميعًا تؤدي نفس الوظيفة وهي "إعادة التدوير" داخل الخلايا، بهدف تعزيز إنتاج الطاقة وتوليد الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP) المعروف بـ"عُملة الطاقة" في الخلية. كما تعمل على إزالة أي ضرر يحدث في الخلية عن طريق إزالة البروتينات والعضيات العاجزة عن أداء وظيفتها.

وتُجرى هذه العملية عن طريق مجموعة من 32 جينًا تُعرف بالجينات المرتبطة بالالتهام الذاتي، وتُعرف اختصارًا بـ(ATG)، والتي جرى التعرف عليها بشكل أساسي في الخميرة.

علاقات مشتبكة

واليوم، يدرك العلماء أن عملية الالتهام الذاتي أساسية لصحة الخلية، بل وقد تخصصوا أيضًا في وصف أنواع محددة من الالتهام الذاتي، مثل هضم وتحلل الميتوكوندريا التالفة والشبكة الإندوبلازمية، فجسيمات البلعمة الذاتية لا تزيل الپروتينات المحطمة فحسب، وإنما تبحث أيضًا عن العضيات المحطمة والأكبر من الپروتينات، ثم تفصلها وتعزلها، كما أن بإمكانها أن ترسل إشارات إلى أجزاء أخرى من الخلية للبدء بعملية الانتحار الخلوي، apoptosis، أحد أشكال الموت المبرمَج للخلايا.

تبدو العلاقة بين الالتهام الذاتي وموت الخلايا المبرمج مثيرة للاهتمام، فكلاهما يمثل آليةً للتعامل مع الظروف العصيبة التي تواجهها الخلية، كما أن كلا العمليتين تحافظ على التوازن الخلوي في الكائن الحي، ويمثل كلاهما أهدافًا لعلاج الأورام.

 فبينما يعمل موت الخلايا المبرمج على إزالة الخلايا التالفة أو غير المرغوب فيها، تعمل عملية الالتهام الذاتي على إعادة تدوير البروتينات والعضيات في مواجهة الضغوط، فتبقى الخلية على قيد الحياة. وبينما يؤدي منع موت الخلايا المبرمج إلى دفع الخلية في اتجاه الالتهام الذاتي، يمكن أن يؤدي تثبيط الالتهام الذاتي إلى حدوث موت الخلايا المبرمج.

 "هذه العلاقة متشابكة وتبدو كحوار متبادل"، كما وصفتها د. سحر طلعت، أستاذ الباثولوجيا بكلية طب قصر العيني، في حديثها لموقع «للعلم».

ووفق طلعت، هناك بروتين، يُطلَق عليه BCL-2 المعروف بعلاقته بعملية موت الخلايا المبرمَج، فهو يؤدي دورًا مزدوجًا في تحديد بقاء الخلية وحيويتها، من خلال منع خروج بروتين آخر يُطلَق عليه السيتوكروم “Cytochrome C” ما يمنع موت الخلايا المبرمج.

ولكن بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا البروتين يتفاعل مع آخر يؤدي دورًا مهمًّا في عملية الالتهام الذاتي، يُطلَق عليه Beclin1 وفي حال حدوث هذا التفاعل يترتب عليه عدم اكتمال الالتهام الذاتي. وفي حالة إصابة الخلية بالحرمان الشديد من عناصر الغذاء، يقل هذا الارتباط، ليتحرر Beclin1 وتنشط عملية الالتهام الذاتي.

هناك أيضًا البروتين المسمى بـATG5 والذي كان معروفًا بدوره في عملية الالتهام الذاتي؛ إذ ينشط مع بداية العملية ليبدأ تكوين الجسيم البلعمي الذاتي Autophagosome، لكن تبين أيضًا أن له دورًا في موت الخلايا المبرمج في ظروف الإجهاد الخلوي؛ إذ ينقسم ATG5 تحت هذه الظروف، ثم يتجه إلى الميتوكوندريا ليتحد مع بروتين Bcl-XL لتبدأ عملية الموت المبرمج.

 لكن هذا الحوار ليس توافقيًّا دومًا -توضح د. طلعت- فأحيانًا يؤدي منع خطوة معينة في الالتهام الذاتي إلى أن تتجه الخلية إلى الموت المبرمج أو العكس. يبدو أن اختيار الخلية لأحد هذين الطريقين يعتمد بشكل كبير على طبيعة الضغوط ومدة التعرُّض لها. وتضيف: نعتقد أن فهمنا لهذه العلاقة بشكل أكبر يمكن أن يؤدي إلى تطوُّر في تعاملنا مع العديد من الأمراض، وبخاصة السرطان.

تحث الخلايا عملية الانتحار لأسباب متنوعة، وجميعها تقريبًا للصالح الأكبر للكائن الحي. وعلى سبيل المثال، يولد الجسم باستمرار خلايا أكثر من حاجته، ويجب التخلص منها. والخلية المعمرة التي توقفت عن أداء مهمتها بكفاءة، ربما تقتل نفسها لتترك المجال للخلايا الشابة الأكثر قوة وقدرة على العمل. والخلية التي تتحول عن النمو الطبيعي إلى التكاثر السرطاني، يمكن أن تحث أيضًا على الانتحار.

وبذلك يكون الانتحار الخلوي أحد أهم الموانع الذاتية ضد السرطان. ويعتمد انتحار الخلايا على سلسلة معقدة من الأحداث الخلوية، ينسقها ويقودها بصرامة الكثير من إشارات الپروتين. وبناء على ذلك، يُعَد الانتحار الخلوي حدثًا مبرمجًا.

الالتهام الذاتي والأمراض

هناك العديد من التساؤلات عن دور الالتهام الذاتي في الأمراض، وكيف يمكن أن يؤدي فهمنا لهذه العملية إلى تطور في استراتيجية التعامل مع الأمراض. العديد من البروتينات يؤدي دورًا مهمًّا في هذه العملية، وقد يؤدي حدوث طفرات في الجينات الخاصة بها إلى العديد من الأمراض.

يقول د. محمود كامل -الأستاذ المساعد بقسم الباثولوجيا الإكلينكية بمعهد الأورام القومي، التابع لجامعة القاهرة-: على سبيل المثال فإن حذف جين Beclin-1 الذي يؤدي دورًا مهمًّا في هذه العملية قد يكون له دور في الإصابة بسرطان الثدي والمبيض والبروستاتا، مما أدى إلى الاعتقاد بأن عملية الالتهام الذاتي تعمل على منع تكوُّن الأورام عن طريق الحد من الالتهابات التي تصيب الخلية، والمحافظة على جينوم الخلية وإيقاف دورة الخلية Cell cycle التي تتكاثر من خلالها.

لكن هناك أيضًا مَن يعتقد أن الالتهام الذاتي نفسه قد يتسبب في مقاومة الخلايا للأدوية ويساعد خلايا الأورام على البقاء والتعامل مع ظروف الضغط المختلفة.

يوضح د. كامل أن بعض أنواع العلاج الكيماوي والإشعاعي للسرطان يؤدي إلى دفع الخلية في اتجاه عملية الالتهام الذاتي، وهو ما يؤدي إلى مقاومتها للعلاج وبقائها على قيد الحياة. بالتالي فإن علينا أن نعمل على استخدام أنواع من العلاج تعمل على تثبيط عملية الالتهام الذاتي ودفعها في اتجاه موت الخلايا المبرمَج.

وكان العلماء قد لاحظوا باكرًا أن الخلايا السرطانية بإمكانها في بعض الأحيان أن تثير عملية البلعمة الذاتية كي تصون نفسها. وعلى الرغم من أن العلاجات المضادة للسرطان تهدف في معظم الأحيان إلى دفع الخلية الخبيثة للموت، إلا أن بعض الخلايا السرطانية قد يدافع عن نفسه ضد العلاجات بأن يدفع البلعمة الذاتية لإزالة الميتوكوندرات المعطوبة قبل أن تتمكن من إثارة الانتحار الخلوي.

ولا يقتصر ذلك على السرطان، فحدوث خلل في عملية الالتهام الذاتي قد يؤدي إلى تراكم بعض المركبات الضارة في الخلية. فهناك مثلًا المركب الذي يُدعى P62 الذي يؤدي تراكمه دورًا مهمًّا في المسبِّبات المرضية للأمراض العصبية، بما في ذلك الخرف، وألزهايمر، ومرض هنتنغتون، والشلل الرعاش. وبالتالي فإن وجود علاجات تدفع الخلية في اتجاه هذه العملية قد يمثل طريقة جديدة في التعامل مع هذه الأمراض.

هناك أيضًا الأمراض المعدية، مثل بكتيريا السل M. tuberculosis التي تصيب أكثر من مليار شخص في العالم، وتتبع دورةً تتمثل في حدوث عدوى، تتبعها فترة كمون ثم إعادة نشاط ثم عدوى جديدة. إذ يمثل دخول البكتريا في الخلايا البلعمية الكبيرة Macrophages لتبقى داخل ما يسمى بالجسم البلعمي Phagosomes دون أن يتمكن الجسم من التخلص منها عقبة كبيرة في علاج هذا المرض. ويمكن أن يؤدي الالتهام الذاتي إلى تجاوُز هذه العقبة من خلال ابتلاع هذه الأجسام البلعمية والتخلص منها.

قرابة خمسين عامًا مرت بين جائزتي نوبل. الأولى حصل عليها مكتشف عملية الالتهام الذاتي في الخلايا، والثانية كانت من نصيب أحد أهم المتخصصين في فهم هذه العملية. فهل يمكن أن يحمل هذا الفهم أملًا جديدًا في تعاملنا مع الخلايا وعلاج الأمراض؟ ربما كان علينا أن نغرد خارج السرب كما فعل يوشينوري أوسومي؛ لنصل إلى نتائج مختلفة ومؤثرة.

 

المصادر:

  1. Luo S and RubinszteinDC (2007). Atg5 and Bcl-2 provide novel insights into the interplay between apoptosis and autophagy, Cell Death and Differentiation1247–1250.http://doi.org/10.1038/sj.cdd.4402149
  2. El-khattouti, A., Selimovic, D., Haikel, Y., & Hassan, M. (n.d.). Crosstalk Between Apoptosis and Autophagy : Molecular Mechanisms and Therapeutic Strategies in Cancer, Journal of Cell Death37–55. http://doi.org/10.4137/JCD.S11034
  3. Glick, D., Barth, S., & Macleod, K. F. (2010). Autophagy : cellular and molecular mechanisms, 221(1),J Pathol 3–12. http://doi.org/10.1002/path.2697.Autophagy
  4. Mizushima, N. (2007). Autophagy : process and function,GENES & DEVELOPMENT 2861–2873. http://doi.org/10.1101/gad.1599207.eralize
  5. Rubinsztein, D. C., Gestwicki, J. E., Murphy, L. O., & Klionsky, D. J. (2007). Potential therapeutic applications of autophagy, NATURE REVIEWS | DRUG DISCOVERY, 304–312. http://doi.org/10.1038/nrd2272
  6. https://www.nobelprize.org/nobel_prizes/medicine/laureates/2016/press.html