يكمن التواصل الرمزي عن طريق اللغة وراء قدرتنا الفريدة على الاستدلال -أو هكذا تشير المعرفة التقليدية. لكن دراسة جديدة نُشِرت بتاريخ 15 مارس في دورية "ساينس" (Science) تشير إلى أن قدرتنا على الاستدلال المنطقي قد لا تعتمد في الواقع على اللغة، ليس بشكل كامل على الأقل. فتوضح نتائج هذه الدراسة أن الأطفال الذين لم يصلوا بعد إلى عمر الكلام يمكنهم الاستدلال والقيام باستنباطات منطقية. 

درس فريق الدراسة المنتسب إلى عدة مؤسسات أوروبية أطفالًا رضعًا تتراوح أعمارهم بين 12 و19 شهرًا، وهو العمر الذي يكون فيه تعلُّم اللغة وإصدار الكلام قد بدأ لتوه، لكن مع عدم الوصول بعد إلى الإتقان المعقَّد له. كان على الأطفال أن يفحصوا في هذه الدراسة أجسامًا محددة بشكل متكرر، مثل ديناصور وزهرة. وكانت العناصر مخبأةً في البداية خلف جدار أسود. وفي إحدى مجموعات التجارب، كانت الرسوم المتحركة تُظهِر كأسًا يجرف الديناصور. وفي نصف عدد المرات، كان الحاجز يُزاح ليكشف -كما هو متوقع- عن الزهرة المتبقية. لكن في بقية المرات، كان الجدار يختفي ليكشف عن ديناصورٍ ثانٍ وراءه.

استنبط الأطفال في هذه المرات الأخيرة أن شيئًا ما لم يكن صحيحًا تمامًا، على الرغم من أنهم لم يكونوا قادرين على التعبير بكلمات عن الخطأ. فأظهر تتبُّع حركة العين -وهو تقنية شائعة الاستخدام لقياس القدرات الذهنية لدى القرَدة والأطفال في المرحلة السابقة للكلام- أن الأطفال الرضع حدّقوا مدةً أطول بكثير في المشاهد التي ظهر فيها الجسم غير المتوقع وراء الحاجز، ما يوحي بأنهم أصيبوا بالارتباك بسبب ما تراءى لهم. ويقول نيكولو تشيسانا-أرلوتي، المؤلف الرئيسي للدراسة وزميل ما بعد الدكتوراة في قسم علم النفس والدماغ في جامعة جونز هوبكنز: "تشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أن اكتساب المفردات المنطقية قد لا يكون مصدر اللبنات المنطقية الأكثر جوهرية في العقل". ويشير تشيسانا-أرلوتي كذلك إلى أن أحد المكونات الرئيسية للمنطق البشري يرتبط بالتفكير في الاحتمالات البديلة وإلغاء الاحتمالات غير المتسقة، فهل يجلس الديناصور خلف الحاجز أم أن الزهرة هي التي وراءه؟ في المنطق الصوري، يُسمَّى ذلك القياس المنطقي الانفصالي: (أ) أو (ب)؛ وليس إذا (أ)، لذا (ب). (القياس المنطقي هو نتيجة مستقاة من مقدمتين منطقيتين مختلفتين).

في إطار الدراسة، أشار تشيسانا-أرلوتي وزملاؤه أيضًا إلى أن حدقات أعين الأطفال اتسعت عند مشاهدة الرسوم المتحركة التي تُظهِر نتائج غير منطقية. ومن المعروف أن هذا الأمر يحدث عند البالغين المكلفين بحلّ مسائل في المنطق، ويقدّم مزيدًا من الأدلة على أن الأطفال الرضع يعون الكيفية التي "يجب" أن تكون عليها الأشياء. ويقول جاستن هالبيردا، وهو عالِم نفس وباحث في الاستدلال في جامعة جونز هوبكنز، لم يشارك في الدراسة، لكنه كتب تحليلًا مرافقًا لهذه الورقة البحثية الجديدة في دورية ساينس (Science): "إن النهج الذي اتبعه الباحثون المتمثّل في استخدام أنواع متعددة من التجارب فعّال للغاية. أعتقد أن الكثير من الناس سيقولون إن معظم الاستدلال الذي يقومون به يحدث عندما يتحدثون إلى أنفسهم في رؤوسهم. لكن ما تكشف عنه هذه الدراسة الجديدة هو أن الأطفال الرضع في المرحلة السابقة للكلام يقومون بهذا النوع نفسه من الاستدلال المتسلسل، ويفعلون ذلك قبل إتقان القدرات اللغوية القوية".

يُقرّ تشيسانا-أرلوتي بأن النتائج التي توصَّل إليها لا تنفي أهمية اللغة والتواصل الرمزي في تطور الدماغ البشري وفي خلفيتنا التطورية. لكن البحث الجديد يشير إلى أن اللغة ربما لا تكون ضروريةً بشكل حصري لتشكيل قدرات الدماغ على الاستدلال. ويخطط تشيسانا-أرلوتي للقيام بمزيد من العمل لدراسة كيف يمكن أن يظل منطق ما قبل الكلام مختلفًا عن القدرات الاستدلالية التي تظهر عند اكتساب اللغة؛ إذ قد تتيح اللغة قدرات استدلالية إضافية لا تتوافر للدماغ غير المتكلم. ويأمل كذلك في التعمق أكثر في استكشاف التطور العقلي للأطفال الصغار. فيقول: "يهدف بحثنا إلى التحقق من الأُسس الأولى لقدرتنا على الاستدلال المنطقي، الذي يُعَد أساسًا جوهريًّا للتعلُّم والابتكار والمرونة في العقل البشري".

ويضيف: "على حدّ علمنا، لم يسبق أن وثّق أحد أي استدلال منطقي لدى الأطفال الرضع الذين يبلغون من العمر 12 شهرًا. ويُعَد استكشاف الحالة الأولية للمنطق في الدماغ مشروعًا مثيرًا للغاية".